النائب سيف النصر: الشجاعة تقتضي حرق كل السفن ومعالجة عيوب «الوفاق» حتى لا نعود للخلف (حوار)

القاهرة - بوابة الوسط: كامل عبدالله |
النائب أيمن سيف النصر. (الإنترنت) (photo: )
النائب أيمن سيف النصر. (الإنترنت)

لا يرى عضو مجلس النواب الدكتور أيمن سيف النصر في أفق ليبيا سوى مسارين، فإما أن تستجيب أطراف الأزمة لنداء الوطن وتلتقي بمواقفها عند منتصف الطريق، ليكون ذلك انطلاقة جديدة تحقق الاستقرار والديمقراطية، أو أن يتشبث كل منها بمكانه فيزداد الوضع سوءًا وتصبح المخاوف البعيدة واقعًا يصعب على الجميع تداركه.

برأيه تحتاج ليبيا من كل هذه الأطراف أن تتحلى بالشجاعة لتقوم بـ«حرق كل السفن والأدوات السابقة»، قبل أن تبدأ بـ«التعامل مع حكومة الوفاق وتعالج عيوبها». وبرأيه أيضًا توجد مشكلتان تقفان حجر عثرة أمام عملية المصالحة الوطنية؛ الأولى تتعلق بالحكومة. أما الثانية فتخص مستقبل الجيش الوطني وكيفية التعامل مع من يحملون السلاح خارج أطره الرسمية، وكلتاهما قابلتان، وفق تقديره، للحل شرط توافر النية والرؤية والاستعداد للتضحية. بالمنطق ذاته أجاب سيف النصر على أسئلة «الوسط» التي التقته في القاهرة وأجرت معه هذا الحوار:

كيف ترى قرار مجلس النواب بتمديد ولايته؟
أنا ضد التمديد لأن مجلس النواب أخذ فرصته ولم يستطع أن يقدم الحل الكافي، قد يكون وصل إلى منتصف الحل لأنه سعى لأن يكون الحوار بين الليبيين، وعلى الرغم من أن هناك بعض النواب الرافضين والموافقين، لكنه في النهاية اعتمد الاتفاق السياسي في 25 يناير الماضي، مع التحفظ على المادة (8) من هذا الاتفاق.

تشكيل حكومة الوفاق ومستقبل الجيش الوطني مشكلتان أمام المصالحة الوطنية

وما تقييمك للاتفاق السياسي. هل هو إطار لبناء السلطة أم أساس لبناء الدولة؟
الاتفاق السياسي يحوي أكثر من 80 مادة وسبعة ملاحق، وهو مقسم إلى أكثر من جزء. هناك جزء يتناول الثوابت التي لا يختلف عليها الليبيون، مثل ليبيا دولة واحدة والسيادة الوطنية. هذه الثوابت لن يختلف عليها الليبيون ولن تتغير في نص الاتفاق. أما الخلاف فسببه هو سعي مجموعة للوصول إلى أقصى درجات السلطة للتمكن من التصرف في الموارد، مقابل رفض آخرين معظمهم من تيار الإسلام السياسي والليبراليين الذين خرجوا وأحزابهم من دون أن يحصلوا على أي مكاسب لهذا الاتفاق.
نحن في حاجة إلى مبادرة تأتي من كل هذه الأطراف تؤكد بها رغبتها في الحل السلمي الذي يمكن الجميع من التحول من الصراع الصفري إلى قواعد وآليات الممارسة واللعبة السياسية المتوافق عليها. وهنا أقول إن الاتفاق السياسي عالج هذه الإشكاليات ومن بينها معضلة انتشار السلاح في أيدي غير منضبطة.

وكيف عالج الاتفاق هذا الأمر؟
التصنيف الآن يقول إن الميليشيات فيها ضباط جيش بعضهم قدامى، بينما يعتمد الجيش على مجموعة من الأفراد المسلحين المتطوعين غير الخاضعين لقواعد الممارسة العسكرية المعمول بها مؤسسيًا. تختلف نسبة وجود هذه الفئة لدى الطرفين، ولذلك ظهر الجيش كمؤسسة عسكرية في الشرق، في حين أصبحت الميليشيات والتشكيلات العسكرية ظاهرة بنسبة أكبر في الغرب.
وفي تقديري فإنه يمكن قصر التعامل على القوى المنضبطة التي تشمل كل عسكري يعمل وفق قواعد الجيش، ومن ثم سيخرج غير المنضبطين من مساحة الفعل، لكن الأمر يحتاج أولاً إلى تطمينات على ثلاثة مستويات: الأول أمني بمعنى أن يُلحق من يحملون السلاح بمؤسسات أمنية، ليُستفاد منهم في تحقيق الأمن وحماية مؤسسات الدولة، والثاني: تصالحي يضمن للنازحين والمهجرين أن يعودوا إلى ديارهم مطمئنين.
أما المستوى الثالث فيخص الجانب الاقتصادي؛ إذ إننا لا نستطيع السيطرة على أي مؤسسة اقتصادية أو خدمية ما لم نتمكن من معالجة مسألة القوة المنضبطة.

ألم يعبر الاتفاق السياسي عن هذه الرؤية؟
هذا الاتفاق يشكل أهم خطوة في عملية الوفاق السياسي، ونحن ننظر إليه باعتباره أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة (.)، لكن هناك معارضين للاتفاق يملكون السلاح والقوة وأنا أريد أن أدخلهم إلى هذا الاتفاق. وفي تقديري أنه ما لم يكن لدى هؤلاء النية في استقرار بلدهم فالعملية ستكون صعبة جدًا.

أدافع عن الجيش والشرطة وأطالب بضرورة أن تأتمر بأمر السلطة السياسية

وماذا عن حرب الشعارات المتبادلة بين مؤيدي الاتفاق السياسي ومعارضيه؟
الشعار الموجود الآن في الشرق يقول إن الجيش خط أحمر، لأنه سيوفر للدولة الاستقرار والأمان وهذا من وجهة نظري دافع موضوعي، لكن غير الموضوعي هو اتجاه الجيش للسيطرة على المؤسسات المدنية وإلغاؤه مناصب منتخبة وضع فيها مسؤولون عسكريون، مما يشكك القاعدة الشعبية في نواياه.
لقد أصبحت لدي مخاوف من أن يكون هدف الجيش أكبر من ذلك(.)، وأنا كنائب أدافع عن الجيش والشرطة وأطالب بضرورة أن تكون هناك قوة منضبطة تأتمر بأمر السلطة السياسية، لأنها لو خرجت على هذه السلطة فلن يكون للانتخابات والمؤسسات التشريعية أي معنى. هذا السيناريو له تكلفة مرتفعة جدًا.

لكن هناك قوى مسلحة على الأرض ترى إمكانية المضي في تحقيق هذا السيناريو وترفض الجلوس مع بعضها على طاولة الحوار؟
صحيح لكن هذه القوى ليس لديها القدرة على الحسم، فإلى الآن هناك أعضاء بمجلس النواب يساندون الثوار في طرابلس وأعضاء آخرون يساندون الجيش، بحيث أصبحت السلطة السياسية منقسمة بينهما، لكن علينا التذكير بأن من قرروا التوقيع على الاتفاق السياسي هم ليبيون ممثلون رسميًّا في السلطة وآخرون ينازعونهم الشرعية.
وتقديري أن القبول بهذا الاتفاق كان تنازلاً واضحًا منهم لصالح الوطن والمواطن، كما أن علينا تأكيد أن تحفظ البعض على المشاركة في الحوار لا ينتقص من حقهم في تقرير مصير بلدهم.

باعتبارك أحد النواب المؤيدين للوفاق، ما خطواتكم لوقف حالة التصعيد الأخيرة على المستويين الميداني والسياسي؟
منهج النواب الداعمين للاتفاق السياسي هو الحوار مع كل الأطراف، وذلك بهدف الوصول إلى حل في منتصف الطريق يتلاقى عنده الجميع (..)، نهجنا في العمل هو البحث عن أرضية مشتركة، لكننا لم نصل لهذه الأرضية حتى الآن، ولازلنا ننتظر من الطرف الآخر أن يسمعنا.
للأسف إلى الآن لا يريدون سماعنا ولم يسمحوا لنا بالتصويت وأغلقوا علينا الأبواب ومنعونا من التصويت، بل إن رئيس مجلس النواب امتنع عن عقد جلسة عندما كنا كلنا موجودين. مع ذلك ليس لدينا حل إلا الاستمرار في العمل السياسي بحثًا عن أرضية مشتركة، فإن لم نجد هذه الأرضية كنواب سنبحث عنها مع قوى سياسية أخرى خارج المجلس لإقناعها وإقحامها في الضغط على كل أعضاء المجلس الداعمين والرافضين للجلوس مع بعضهم البعض مرة أخرى.

 نحن بحاجة إلى مبادرة لتأكيد رغبة كل الأطراف في الحل السلمي وتجنب الصراع الصفري

في ظل التصعيد الميداني والسياسي؛ هل تتوقع أن يصمد الاتفاق السياسي؟
الاتفاق السياسي أعد لمرحلة انتقالية عمرها سنتان، تجاوزنا منها فعليًا تسعة أشهر. نحن بحاجة إلى وضعه موضع التنفيذ حتى لا نعود لنقطة الصفر.
والغريب أن كل طرف من أطراف الصراع يقول بوجوب وضع الاتفاق موضع التنفيذ، لكنه يقوم في الوقت نفسه بخرقه، ثم يلقي بهذه التهمة على الطرف الثاني.

يحدث ذلك على الرغم من أن الاتفاق السياسي حدد آلية تفسير الخلاف عبر تشكيل لجنة برئاسة أحد أعضاء المحكمة العليا وعضوين من كل من مجلس النواب ومجلس الدولة؟
من وجهة نظري أن حالة الخرق التي يتحدثون عنها لم تدخل حيز النفاذ، لأنها ببساطة محاولات تصعيدية من كلا الفريقين تجاه الآخر، وأنا لا أستطيع جمع الطرفين على طاولة الحوار للتفاهم (.). المشكلة الحقيقية تتمثل في تشكيل الحكومة وهي قابلة للحل. أما المشكلة المعرقلة فهي مصير الجيش وحلها يحتاج لمبادرة من القيادة العامة لتجمع كل ضباط الجيش، وتكون منفتحة بشأن هذه القضية.

وماذا عن الخلاف حول مفهوم الجيش والقيادة العليا؟
المؤسسة العسكرية مؤسسة نمطية قد تختلف في جزئيات من دولة إلى أخرى، لكنها تتشابه في قواعدها وسياساتها وأساليب إداراتها. وبالتالي نحن لا نستطيع وضع نمط جديد مخالف لما كانت تتدرب عليه طوال الوقت. يجب أن يترك للقيادات العسكرية تحديد نقاط الخلاف ومعالجتها وتجميع القوى العسكرية وتفعيل هذه المؤسسة بكافة أركانها وأجهزتها، وبالتالي ما لم تتمكن القيادة العامة من جمع هؤلاء الضباط بكل الوسائل وإقناعهم بأن الدولة في حاجة إلى الأمن والاستقرار من خلال مؤسسة أمنية موحدة، فسنبقى في هذه الأزمة. أيضًا ما دامت هناك قوى عسكرية أخرى في المنطقة الغربية تقول إنها جيش فسيظل لدينا جيش منقسم.

كيف يمكن تنفيذ هذا المطلب بينما يحمل من سميتهم القوى المنضبطة مشروعًا مغايرًا للسلطة السياسية، بدليل استبدال عمداء البلديات المنتخبين بعسكريين من الجيش في بنغازي ومدن أخرى في الشرق؟
القوى المنضبطة لابد أن تكون خاضعة للسلطة السياسية، لكن الواضح أن هناك طموحًا لإنهاء المعركة وقد يكون هناك تفسيرات كثيرة لما أشرت إليه، منها أن الجيش يطمح في أن يتولى السلطة السياسية أيضًا. هناك مؤشرات أشعرت الناس بأن هناك مشروعًا للانقلاب على السلطة والسماح له بتقرير مصير البلد. وهذا الشعور في حاجة إلى إجابة من القيادة العسكرية، بشرط ألا تكون هذه الإجابة كلامية فقط وأن تشمل مجموعة من الإجراءات.

اعتمد مجلس النواب الاتفاق السياسي ماعدا المادة (8)، مما يعني أن المجلس الرئاسي هو القائد الأعلى، صحيح؟
نعم صحيح، لكني أنبه إلى أن مجلس النواب فوض مكتب رئاسته بصفة القائد الأعلى للجيش، وهنا نلوم نائبي الرئيس لأنهما لم يكونا مؤثرين في هذه المسألة، بل لم يكونا موجودين عند اتخاذ القرارات، لكن هذا كله انتهى بتوقيع الاتفاق الذي نص على أن المجلس الرئاسي هو القائد الأعلى للجيش.

هنا يثور السؤال حول القرار الذي أصدره رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح بتعيين حاكم عسكري للمنطقة الممتدة من درنة شرقًا إلى بن جواد غربًا. ما تعليقك؟
أرى أنه غير صحيح لأن رئيس المجلس اتخذه بعد اعتماد الاتفاق السياسي، الذي يقضي بأن أي قرار يتعلق بالقائد الأعلى للجيش لابد أن يصدر من قبل المجلس الرئاسي، ولو أن عقيلة صالح رأى أن المجلس الرئاسي لم ينل الثقة ولم يجتمع مكتملاً، فلابد أن يصدر القرار عن رئاسة «النواب» مجتمعة وهو ما لم يحدث، أضف لذلك أن من يحدد هذا القرار المصيري يجب أن يكون مجلس النواب بالكامل وليست رئاسته فقط، وهو ما لم يحدث أيضًا، معنى ذلك أن رئيس مجلس النواب ارتكب مجموعة من الأخطاء القانونية.

 الغريب أن كل طرف يطالب بتنفيذ الاتفاق السياسي ثم يخرقه ويلقي التهمة على الآخر

ما تقييمك لأداء مجلس النواب؟
سيئ لأننا كنواب لم نستطع إدارة الصراع السياسي فيما بيننا، ولم نستطع أن نجلس مع بعضنا البعض ونفكر بعقلانية للخروج من هذه الأزمة. هذا يعود لظروف خارجة عن إرادتنا منها حالة عدم الاستقرار ووجود أدوات صراع تضغط بشكل قوي علينا. السلاح يغلب النواب ويجعلهم رهن القوى المسلحة الموجودة على الأرض.

وما أسباب النزاع مع المجلس الرئاسي؟
الأمر يتعلق بالصلاحيات خصوصًا أن رئيس مجلس النواب غير مستعد، على ما يبدو، للتخلي عن صفة القائد الأعلى بشكل خاص، على الرغم من أنه ينتقد باستمرار شكل المجلس الرئاسي وعدد أعضائه.

وماذا عن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق؟
حتى الآن لم يستطع أن يحقق تناغمًا بين أعضائه ولا السيطرة على المؤسسات التي تمثل أدواته في العمل، ولم يتمكن أيضًا من تلبية احتياجات المواطنين اليومية، خصوصًا في مواجهة أزمات السيولة والكهرباء والصحة والمرتبات.
لكنني أرى أن مجلس النواب سبب رئيس في إضعاف المجلس الرئاسي، ولا أفهم على أي أساس يصر رئيس مجلس النواب على استمرار عمل الحكومة الموقتة، على الرغم من أنها غير موجودة على الأرض فعليًا بعد وفاة وزير العدل وإيقاف وزير الخارجية وانضمام وزير التعليم للمجلس الرئاسي، فضلاً عن غياب وكلائها.

والحل؟
يجب أن يكون لدينا الشجاعة الآن على حرق كل السفن والأدوات السابقة ونتعامل مع حكومة الوفاق ونعالج عيوبها، حتى لا نعود للخلف مرة أخرى.
أما مجلس النواب فلديه أدوات الرقابة والتشريع التي تمكنه من السيطرة على هذه الحكومة، ولابد أيضًا من معالجة أزمة القيادة العليا للجيش والمؤسسة العسكرية في إطار تفاوضي بين أطراف الحوار، كي يتمكن مجلس النواب من عقد جلسة التصويت، على أن يسبقها بمفاوضات مع المجلس الرئاسي لضمان حصول الحكومة، وكذلك التعديلات الدستورية المقترحة على تأييد أكبر عدد من النواب.

 وللمزيد، قم تحميل العدد 45 من جريدة الوسط (ملف بصيغة PDF).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات