حوار لم ينشر مع الأديب «صلاح الدين جبريل»

الوسط - حسين نصيب المالكي |
الأديب صلاح الدين جبريل (photo: )
الأديب صلاح الدين جبريل

عرفته منذ سنوات طويلة كان أنيق الهندام، نظيف البشرة، يلبس القمصان المزركشة، وأحيانًا البدلة الحمراء، يضع المنديل الأبيض أو الوردة في جيب (الجاكتة)، كلاسيكي في أشعاره العمودية أو الحديثة.

إنه الشاعر والموسوعة في التراث الشعبي صلاح الدين محمد جبريل، من مدينة درنة، كنت قد قرأت له في السبعينات كتاب «تجريدة حبيب»، عند صدوره لأول مرة في طبعته الأولى عن دار مكتبة قورينا سنة 1974م، ذلك الكتاب الأوسع تداولاً وانتشارًا في بلادنا، وهذا الكتاب بالإضافة إلى «التجريدة» كان يحتوي على أبواب منصوب خليل وقصائد غزلية ومساجلات رائعة بين شعراء شعبيين مشهورين، ثم طبع هذا الكتاب في طبعة ثانية من قبل دار نشر أخرى، وعندما التقيت الشاعر صلاح الدين جبريل بعد صدور الطبعة الثانية أخبرني في غضب وحزن أنه قد ظلم في حقوقه المادية كمؤلف من قبل تلك الدار التي لم تمنحه سوى ألف دينار، في حين أنها طبعت من ذلك الكتاب اثني عشر ألف نسخة، وبيعت النسخة الواحدة بخمسة دنانير، كما طبعت «تجريدة حبيب» الطبعة الثالثة من قبل دار الهدى – طبرق.

كان الشاعر صلاح الدين جبريل حريصًا دائمًا على المشاركة في المؤتمرات الأدبية، ومهرجانات الشعر العربي أذكر أنني زرته في شقته في قاريونس منذ سنوات، وأجريت معه لقاءً لم ينشر بتاريخ 9-9- 2008م، وأخبرته بمهرجان بنغازي للشعر العربي الذي بدأ في 11-9- 2008م ودعوته للحضور ولم يكن لديه علم بذلك وسر كثيرًا بذلك وسرعان ما حضر في اليوم التالي وشارك فيه بقصائد عدة، وأتذكر أيضًا عند تأبين الشاعر حسن السوسي في دار الكتب الوطنية وجدت الشاعر صلاح الدين جبريل مشاركًا في التأبين، وبينما كانت الشاعرة بدرية الأشهب تلقي قصيدة رثاء بالعامية، شاهدته بيده مسجله الصغير يستمع للقصيدة ويسجلها ثم يشرح معاني ألفاظها في آن واحد بصوته.

وقبل رمضان اتصلت به بهاتفي حتى أطمئن على صحته وأسأله عن مقال كان قد كتبه عن الشاعر الشعبي الكبير صالح بو مازق الرفادي، ونشره في مجلة «الدوحة» سنة 1988م، فأجابني أنه بخير، ولكنه بعد الحرب الملعونة في بنغازي ترك المدينة ورحل نحو الغرب، إنني الآن قد سكنت في مدينة طرابلس ولا أدري عن شقتي التي في قاريونس شيئًا.

حتى وصلني خبر وفاته من صاحب مكتبة دار الهدى، الأستاذ الفاضل عاشور الدمنهوري، الذي أخبرني بأن الشاعر صلاح الدين جبريل قد انتقل إلى رحمة الله في أول رمضان بتاريخ 18- 6- 2015م بمدينة طرابلس.

عدت إلى أوراقي القديمة، وذلك اللقاء الذي أجريته معه لم ينشر من قبل، وها أنا ذا أنشره في «الوسط»، وفاءً لهذا الشاعر الذي رحل عنا في صمت ودون تأبين ودون أن يكتب عن وفاته شيء.

الأديب صلاح الدين جبريل

الأديب صلاح الدين جبريل

الأديب والشاعر صلاح الدين جبريل وجه من الوجوه المشرقة، كتب الشعر العمودي والحديث ومن المهتمين بالتراث الشعبي في بلادنا، نشر إنتاجه في الصحف والمجلات الليبية والعربية وله العديد من الإصدارات أهمها «تجريدة حبيب» التي طبعت عدة مرات وديوان شعر بعنوان «لا مفر» و«عبدالكريم جبريل حياته وشعره»، التقيناه في شقته في حي قاريونس، حيث رحب بنا وأجاب عن أسئلتنا بصدر واسع وثقافة عميقة.

■ هل لك أن تعطينا نبذة عن ولادتك ونشأتك؟
أنا صلاح الدين محمد إمحمد جبريل، وُلدت في مدينة درنة أثناء عرض شريط صلاح الدين الأيوبي الذي وجد إقبالاً من الناس وأُعجبوا به، غير أن القائمين على السجلات الإيطالية سموني صلاح وحذفوا الدين وكانت ولادتي بتاريخ 9- 6-1938م. ونشأت في ربوع درنة ورويت من عذب مائها وتنسمت طيب هوائها وعبير زهورها وورودها، ونحن من أسرة عبدالكريم المعروفة في مدينة درنة ينتمي أفرادها إلى قبيلة زغيبات بيت تلالسة أشراف النسب، وقد انضممنا في درنة إلى قبيلة «مصراتة» وأجدادنا هم الذين أسسوا مدينة بني وليد في منطقة ورفلة، ولهم قصور عربية قديمة هناك من بينها قصر الحبشي وقصر أحمد بن تليس وغيرهما.

وقد هاجر جد الأسرة من بني وليد إلى مدينة مصراتة ثم انتقل بعدها إلى مدينة درنة واستقر آل جبريل نهائيًا بمدينة درنة، وخرجنا من درنة وأنا طفل رضيع مع والدي إلى وادي جرمجنو بدرنة، وقد تعرضنا في الطريق إلى غارة جوية شنتها طائرات ألمانية على معسكر لجنود الموريشان الإنجليز وقد هرب بي والدي على ظهر فرس، طالبًا النجاة بي في مغارة وجفلت الناقة التي حملت أكياس المؤن مذعورة، وانسكبت صفيحة الزيت على الصخور وتناثرت المؤن على الأرض وانتهت الغارة ولم نفقد أحدًا، وتوفيت أمي بعد ولادتي بثلاث سنوات، ثم بعد شهرين من وفاة أمي توفيت أختي حليمة فعشت مع أخوالي في الظهر الحمر في نجع الشلاوية ورعاية جدتي وحنوها علي وعشت حياة البداوة.

ثم عدنا إلى درنة من وادي جرمجنو، لكن نتيجة الكر والفر والحرب بين الحلفاء والمحور كان الجلاء الثاني إلى منطقة الأثرون بالجبل الأخضر، تلك القرية الجميلة الواقعة بين البحر والجبل، وكانت طفولتي أقرب إلى حياة الخشونة والبداوة منها إلى حياة الحضر، وتمرست على خشونتها بين بيوت الشعر وقطعان الماعز.

وعند اشتداد الغارات الجوية بين الحلفاء والمحور وقصف الطرادات لقرية الأثرون انتقلت مع أخوالي إلى كهف في جبل الثرون على ربوة عالية ويطل على واد سحيق، وكان والدي مقيمًا بدرنة طيلة الحرب ما يلبث أن يزورنا ومعه حقيبة مملوءة بالحلوى والشوكولاتة والبسكويت يعطيها لي ويأمرني أن أوزع على أبناء جارنا محمد بوشعيب، ونتيجة الالتجاء إلى حياة البادية ومعايشة الطبيعة واستماعي إلى الشعراء الشعبيين قلت الشعر مبكرًا.

■ بعد الحديث عن طفولتك نود منك أن تسرد لنا بداياتك الأدبية؟
نتيجة السكن في البادية ومعايشة الطبيعة عرفت بساطة الحياة وعفويتها وأصالتها، فأحببت شعر البادية وصوب خليل والأمثال الشعبية وصرت أجمعها من صغري، وكانت لي أبيات في البداية في وادي درنة أقول فيها:
تنزار يا وادي في درنة اللطيفة/ في جنة الله في أرضه الشريفة. اللي فيها الصحابة والقبة المنيفة/ ونمتع القلب بالنظرة العفيفة. وهمس الشوق في النخل وحفيفه/وجية بنت الجود مردوعه الصيفة.

كما كتبت الشعر الفصيح قبل أن يكتبه الشاعر الراحل علي الفزاني، كانت البداية بقصيدة «حبيب القلب» كتبتها وعمري ثماني عشرة سنة سنة 1956م، ونشرت في ديواني الأول «لا مفر»، الذي نشر سنة 1975م.

وعند انتقالي إلى بنغازي مع والدي والأسرة سنة 1952م واستقرارنا بها للدراسة الجامعية وبعد التخرج سنة 1963م قدمت في الإذاعة الليبية برنامج دراسات في الأدب الشعبي استمر حتى سنة 1973م.

كما أنني قرأت الشعر للعديد من الشعراء من بينهم أحمد رفيق المهدوي ومحمد الجواهري وأبوالقاسم الشابي وحسن السوسي وبشارة الخوري ونزار قباني وإبراهيم الأسطى عمر والفزاني وغيرهم.

■ كيف كانت بدايتك مع كتاب «تجريدة حبيب»؟
كانت بداية التفكير في كتاب «تجريدة حبيب» وعمري ست عشرة سنة عندما كان عمي يروي حكاية «تجريدة حبيب» أمامي فحفظتها عن ظهر قلب منه، تلك الرواية الشفوية بالشعر، سجلتها واستعنت بعمي مرة أخرى، واستعنت بمراجع من بينها كتاب العلامة والمؤرخ السنوسي الغزالي «السبك الحديث في تاريخ برقة القديم والحديث» ثم كتاب أوغسطيني «سكان برقة»، كما استعنت بالشاعر هاشم بو الخطابية من طبرق في رواية «التجريدة» و«تجريدة حبيب» هي سيرة تاريخية واقعية يفخر بها التراث الشعبي، وألحقتها بفصول عن «صوب خليل» وقصائد غزلية في نفس الكتاب، طبعتها لي دار مكتبة «قورينا»، سرعان ما نفدت نسخها ثم طبعتها مرة ثانية وظلمت في حقوقي المادية من قبل تلك الدار ثم طبعتها دار مكتبة الهدى في طبعة ثالثة، ثم أصدرت كتاب «عبدالكريم جبريل حياته وشعره» سنة 2010م ولدي كتاب تحت الطبع عن الأدب الشعبي وروائع القصيدة الشعبية في دار «17 فبر اير» ببنغازي.

■ ماذا عن المناصب التي تقلدتها في حياتك الوظيفية؟
عملت موظفًا بوزارة الإعلام والثقافة بعد تخرجي في الجامعة الليبية ثم بإدارة الفنون والآداب، ثم انتقلت إلى قطاع التعليم، وعملت في عدة وظائف حتى أُحلت إلى التقاعد سنة 1992م، وقد شاركت في العديد من المؤتمرات الأدبية والمهرجانات الشعرية في بلادي.

في الختام لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل للأديب والشاعر صلاح الدين جبريل على هذه الحفاوة ورحابة الصدر وسعة الأفق، فهو وجه من الوجوه المشرقة، كتب الشعر العمودي والحديث ومن المهتمين بالتراث الشعبي في بلادنا.

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات