من تحزب خان

خليل الحاسي |
خليل الحاسي

عندما أصدرت "لجنة فبراير" توصيَّاتها للمفوضية العليا للانتخابات بشأن حظر مشاركة القوائم الحزبية خلال انتخابات مجلس النواب، ثم قامت المفوضية العليا بناءً على تلك التوصيات بتجميد المشاركة الحزبية في الانتخابات، تصوَّرت أنها لن تجد أفضل من الشعار الجماهيري الذي يحفظه كل الليبيين عن ظهر قلب "من تحزب خان".

ولكن هذه المرة، من تحزب فقد خان الشعب وليس الجماهيرية. وفي واقع الأمر، لا يوجد فارق جوهري بين الاثنين، فهذا الشعب من تلك الجماهيرية. ولست أدري! هل هذا السلوك يعدُّ نوعاً من الكفر بالديمقراطية على الطريقة المدنية عبر رفع شعار "ديمقراطية دون أحزاب" أم كان خضوعاً من قبل "لجنة فبراير" لابتزاز الوعي العام الذي تم تضليله إعلامياً فوجه أصابع الاتهام نحو الكيانات الحزبية، وحمَّلها مسؤولية الفشل السياسي المدمر؟ لا يبدو من الممكن أن نتصوَّر وجود حياة ديمقراطية سياسية صحيحة في غياب النشاط الحزبي والأحزاب التي تمثل المحرك الأساسي لمفاهيم التداول على السلطة والتعددية، التي تمثل بدورها الفسيفساء التي تشكِّل المعنى الشامل لكلمة "ديمقراطية" فهل جاءت مخرجات ثورة فبراير لتعلن وفاءها للمقولة الجماهيرية الثلاثية الكلمات "من تحزب خان"؟!

لقد ظلَّ ذلك الشعار الذي كان من أعنف جُمل "الكتاب الأخضر" قابعاً كمسلمات خفية في تصورات الوعي السياسي الليبي, يزين المدرجات الجامعية وجدران المدارس, مُعلناً عن تهمة الخيانة الجاهزة لكل من تسوِّل له نفسه التفكير بتشكيل عاطفة سياسية جماعية تنتظم داخلها مجموعة من الأفكار تحت مسمى حزب سياسي. اتخذ المجتمع الليبي مواقفا شديدة الريبة والارتباك حيال الأحزاب والتعددية بعد التجربة السياسية في انتخابات المؤتمر الوطني العام, وبعد أن تعرَّض للتضليل مرتين. المرة الأولى من خلال نظام الانتخابات الفاسد الذي صادر خياراته الديمقراطية وجاء ببدعة "البواقي" التي جاءت بالإسلاميين من كل أنحاء ليبيا. فلم يُذكر آنذاك أن الأغلبية اختارت الإسلاميين! ولكن، بطريقة تشبه السحر تجاوز عدد الملاك التكفيري تحت قبة المؤتمر الوطني العام عدد تكفيريي مجلس شورى البغدادي، ثمَّ تعرض للخداع والتضليل للمرة الثانية, عندما ألصق الإعلام الليبي الفشل بالأحزاب، ونزع شعرة النظام الانتخابي الفاسد من عجينة الفشل السياسي.

في كل ذلك، أكاد أجزم أن الثقافة العربية في عمومها لم تزل بعد تقف عند الفهم الديني التقليدي لكلمة "أحزاب" والتي لا تعني في دلالاتها المتوارثة تشكيل حزب سياسي، وإنما تعني التعصُّب والوقوف ضد حكم الله، استناداً على فكرة حزب الله وحزب الشيطان. وربما لأن فكرة الأحزاب اكتسبت سمعة سيئة داخل النصوص الدينية، فكان لا بد أن تلاحق مفردة "الأحزاب" عاطفة سلبية داخل التراث الديني تحت حكم العلاقات السببية. لقد سددت "لجنة فبراير" ضربة قاتلة للحياة السياسية الحزبية عندما حظرت مشاركة القوائم الحزبية في انتخابات مجلس النواب، وسمحت للأحزاب في الوقت عينه بتصريف نفسها "فكَّة" والدخول في العملية الانتخابية كأفراد حزبيين! في شعوذة قانونية تذكرنا بالألغاز الفقهية التي تفتح الأبواب على التمويه والتأويل! لكن المؤامرة على الحياة السياسية وآليات الديمقراطية لم تنتهي بعد! فقد أراد كَتبةُ الدستور المرتقب أن يتأكدوا تماما من القضاء على الحياة الحزبية عبر المادة الدستورية التي تتكلم عن حل الأحزاب وإيقاف إجراءات تأسيسها لأربعة أعوام قادمة، ليعزز ذلك فكرة الناس عن الأحزاب بوصفها شيطانا سياسيا لا يحركه إلا الشر، عسانا لا نخطئ في قولنا إن تجميد المشاركة الحزبية في العملية الانتخابية لمجلس النواب ومنع الأحزاب من الإعلان عن نفسها بشكل رسمي كانا من صالح الجماعات التي تعودت على العمل السري، مثل الجماعات الاسلامية والجماعات التي لم تزل بعد وفية لثقافة التصعيد الشعبي داخل "المرابيع". إن التفكير بإلغاء الأحزاب قانونيا لا ينفي وجودها على الأرض، فلن يلغي القانون الظاهرة السياسية الموجودة.

لقد بدا ذلك التسريح السياسي للأحزاب وطردها من المشهد السياسي أشبه ما يكون انقلاباً على الأسس الديمقراطية، وفي التاريخ السياسي لطالما ترادفت الانقلابات مع قرارات تعطيل الدساتير وحظر الأحزاب ومنع الصحف. ومن جانب آخر، عند النظر لواقع الاتجاهات السياسية داخل مجلس النواب، سنلاحظ بسهولة وجود أفراد محسوبين مثلا على حزب "تحالف القوى الوطنية" ومجموعات تحسب على التيار الفيدرالي رغم عدم وجود حزب فيدرالي! فالأحزاب من خلال الواقع السياسي قائمة، وإلغاؤها يصادر حق الناخب في المعرفة السياسية ويجعله يتعامل مع أشباح! دون أن تتوفر لديه رؤية واضحة عن مشاريعهم. لقد جعل قانون حظر المشاركة الحزبية الأحزاب تدخل من أبواب متفرقة لمعبد السياسة لتعيد تنظيم صفوفها في الداخل بشكل خفي ومعلن في آن. وذلك ما يعرِّض التجربة السياسية بالكامل لخطر الانتكاسة، فعندما يتعرض أولئك الأفراد الذين وصلوا بطرق غير حزبية للفشل السياسي، سيتحملون المسؤولية فرادى، وستنجو الإيديولوجيات والنظريات السياسية التي كانت السبب الرئيس في تعثر أفرادها المعتنقين لها من المساءلة الأخلاقية والمعرفية.

وبذلك لن تتوفر لدينا قراءات واضحة لأسباب الفشل، لأنه لا توجد جهة رسمية تتحمل مسؤولية إعلان أيديولوجيتها. ومن ثم ستنتهي المرحلة دون حصولنا على تقييم صحيح يفتح الباب للتقويم الدقيق والتصحيح المستمر للعملية الديمقراطية. زد على ذلك أن الفشل لا يقل فائدة عن النجاح داخل الحياة السياسية، فإن إخفاق الحزب الرسمي المعلن، سيمنح التجربة السياسية المحلية رصيداً مهما داخل الحياة السياسية، ذلك أنه يتحول إلى مثال يتيح رؤية أفضل داخل الحياة السياسية الحزبية. كما أن الناس لن تنتخب تلك الأفكار أو الإيديولوجيا في المرة القادمة وهذا يضمن حركة التداول السياسي الذي يتعامل مع ظواهر واضحة. أكثر من ذلك, فإن إلغاء الأحزاب يعدُّ إفراغا للديمقراطية من محتواها الفلسفي والثقافي الأصيل، ولن يجد ذلك الفراغ ما يسده إلا حشوه بالقبيلة وعملاء الإيديولوجيات التي تعمل في الخفاء وتحت الأرض. في نهاية المطاف, يبدو الحديث عن التعددية السياسية والتنوع داخل التجربة السياسية الليبية مجرد تدليس وتمويه. فقد وُضع المجتمع الليبي السيء الحظ داخل النظام السياسي للمؤتمرات الشعبية مرة أخرى, تطبيقاً للنظريات الجماهيرية التي تطمح لتأسيس المجتمع الفاضل "الرشيد" المنخرط كله في العمل للصالح العام، بعيداً عن واقع التجربة الإنسانية السياسية الحزبية.

عن موقع هنا صوتك

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات