ليبيا دولة غنية مهددة بالإفلاس

عدنان كريمة |
عدنان كريمة

ليبيا دولة نفطية غنية، وعضو في منظمة «أوبك»، وهي كبيرة بمساحتها وصغيرة بعدد سكانها الذي لا يتجاوز ستة ملايين شخص، وتعد من البلدان القليلة في العالم العربي والعالم ككل، غير المدينة لصناديق مالية إقليمية أو عالمية، فهي تملك احتياطات نقدية وذهبية وموجودات خارجية تقدر بنحو 400 بليون دولار. لكن رغم كل ذلك هي تواجه انهياراً اقتصادياً ومهددة بإفلاس مالي، نتيجة الصراع السياسي الذي تشهده منذ نحو ثلاث سنوات، بالترافق مع اضطرابات أمنية وقتال، فضلاً عن دخول «داعش» وسيطرتها على بعض المناطق.

مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون الذي يحاول إعداد المسودة الرابعة لمشروع الاتفاق الليبي بعد جلسات متتالية للحوار، غير متفائل بالوصول إلى حل للأزمة الليبية، وهو أكد ان «الوضع الأمني يزداد سوءاً بسبب ازدياد نفوذ داعش المتطرف في البلاد»، مبدياً تخوفه من «أخطار إفلاس المصرف المركزي الليبي».

تفاءل صندوق النقد الدولي بقدرة ليبيا الاقتصادية والمالية، مشيراً إلى ان لديها احتياطاً مهماً سيساعدها على تخطي الأزمة التي تواجهها، وحذر من ان الخلل في الإنتاج النفطي وزيادة الإنفاق العام قد يستنزفان الاحتياط في اقل من أربع سنوات. وحذرت ست دول كبرى هي الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وايطاليا، واسبانيا، من ان مؤسسات الدولة في ليبيا التي تهيمن على أصول وطنية تقدر قيمتها بمئات البلايين من الدولارات، مهددة من الفصائل المتناحرة للسيطرة على البلاد، ودعت الدول إلى استخدام الموارد الاقتصادية والمالية الليبية وموارد الطاقة، «من أجل صالح الشعب الليبي بأسره».

وتبرز خطورة الصراع الأمني والسياسي من خلال انعكاسه على المؤسسات النفطية والمالية، إذ تسلمت حكومة الإنقاذ الوطني التابعة للمؤتمر الوطني المنتهية ولايته كل حسابات الوزارات في طرابلس، وتقوم بالصرف من الموازنة على النفقات الحكومية، في حين تعقد حكومة عبدالله الثني التابعة لمجلس النواب المنعقد في طبرق، وهي تمارس عملها من دون السيطرة على الحسابات والأرصدة، لكنها قررت أخيراً نقل مقر مصرف ليبيا المركزي إلى مدينة البيضاء في شرق البلاد، ووصفه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بأنه «مصرف موحد، ولا يوجد فرق بين طرابلس والبيضاء، وستكون الإدارة العامة في البيضاء، وهناك فروع في طرابـــلس وبنغازي». وحكومة الثني المعترف بها دولياً مهجرة قسراً من طرابلس إلى مدينة البيضاء، في حين ان الوزارات ومؤسسات الدولة لا تزال في طرابلس تحت سيطرة حكومة المؤتمر الوطني المنافسة.

أما بالنسبة إلى عائدات النفط، فلا تزال تودع في حساب خاص بالمصرف الليبي الخارجي (تابع للمصرف المركزي). مع استمرار الصراع بين محافظين أحدهما هو الصديق الكبير الذي يمارس عمله في طرابلس، والثاني وهو علي الحبري المكلف من قبل مجلس النواب بطبرق ويمارس عمله في مدينة البيضاء. لكن مع استمرار الصراع واحتدام المعارك بين المتقاتلين من دون الوصول إلى حل موحد يحفظ البلاد، ماذا سيبقى مع استنزاف ثروات ليبيا المهددة بانهيار اقتصادي وإفلاس مالي؟

كان احتياط ليبيا من العملات الأجنبية 165 بليون دولار إضافة إلى 116 طناً من الذهب، ووصلت عائداتها السنوية من النفط إلى نحو 60 بليون دولار، وذلك قبل حصول التغيير السياسي والإطاحة بنظام معمر القذافي. وعلى رغم تعرض ليبيا إلى هجرة استثمارات وسحب ودائع من المصارف، قدرت بعشرات البلايين من الدولارات في بداية الثورة، احتلت ليبيا بعد الثورة، وبالتحديد في 2011، مرتبة متقدمة كبيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي وواعدة للمستثمرين، خصوصاً بعد تجاوبهم الكبير في دخول ورشة إعادة الإعمار، وكانت الآمال معلقة على نجاح النشاط الاقتصادي في 2012، لكن عام 2013 جاء مخيباً للآمال إذ بدأت الاضطرابات الأمنية في تموز (يوليو) ولا تزال مستمرة، ما أدى إلى تجميد الاستثمارات خصوصاً التي تعود إلى إنفاق الدولة لتمويل المشاريع، بعد تراجع عائدات النفط سواء لجهة الإنتاج أو لجهة خفض الأسعار، علماً أن النفط هو القوة الدافعة للاقتصاد الليبي إذ يمثل 65 في المئة من الناتج الإجمالي و96 في المئة من الصادرات و98 في المئة من إيرادات خزينة الدولة.

وحيال ذلك اضطرت الحكومة اللجوء إلى احتياط المصرف المركزي لتغطية نفقاتها الضرورية وعجز الموازنة، ما أدى إلى استنزافه تدريجاً حتى وصل إلى نحو 76.6 بليون دولار نهاية 2014، أي بخسارة كبيرة بلغت نحو 88 بليون دولار، مقارنة بعام 2010.

ولوحظ ان اكبر خسارة سجلها مصرف ليبيا المركزي كانت في 2014، وبلغت 29.2 بليون دولار، ويشير تقرير رسمي لديوان المحاسبة الليبي إلى ان قيمة استثمارات المصرف في السندات الأجنبية هبطت 25 في المئة إلى 50.5 بليون دولار، وكذلك هبطت قيمة الودائع بالعملات الأجنبية بنسبة 26 في المئة إلى 25.3 بليون دولار، وهو باعها لتمويل عجز الموازنة الذي زاد على 22.3 بليون دولار. وحذر التقرير من ان استمرار سياسة الإنفاق الحالية ستؤدي إلى انهيار المصرف المركزي والاقتصاد الليبي في أقل من عامين. من هنا جاءت دعوة «المركزي» إلى الأجهزة التشريعية والتنفيذية إلى اعتماد إجراءات تقشف سريعة للتخفيف من العجز المتوقع في موازنة 2015 والمقدر بنحو 33 بليون دينار (24.2 بليون دولار) أي ما يعادل أكثر من 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن يبقى الرهان على محاولات التوصل إلى اتفاق سياسي بين المتصارعين في مختلف مناطق ليبيا، لتجنب تداعيات الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي، ويبدي صندوق النقد تفاؤلاً بتعافي النشاط الاقتصادي الليبي مع عودة إنتاج النفط والغاز إلى طاقتهما السابقة، والبالغة نحو 1.7 مليون برميل يومياً، وبما يؤمن السيولة الكافية لإنفاق الدولة وتمويل المشاريع الاستثمارية وإعادة الإعمار، علماً أن قطاع الطاقة وحده في حاجة إلى 30 بليون دولار ليحقق قدرته القصوى، كما ان المطارات والقطاع الصحي والبنية التحتية والاتصالات والسياحة في حاجة إلى عشرات البلايين من الدولارات.

(عن صحيفة الحياه اللندنية)

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات