اقتلاع الإرهاب من جذوره ... لا عزاء للمجانين

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

غداة هجمات «11 أيلول» في نيويورك وواشنطن، اتجهت الأنظار إلى باكستان حيث وقف الجنرال برويز مشرف، مثقلاً بالعبء الملقى على كاهله، مطلقاً شعارات لمكافحة الإرهاب، لم يقو على تنفيذ المهمة المطلوبة في إطارها، وهي: تفكيك المدارس الدينية في بلاده. لم تسعف الظروف وتوالت التبريرات وبرزت تساؤلات عن مغزى «صدام الحضارات» وطُرح في الغرب سؤال كبير: «لماذا يكرهوننا؟» وجاء الرد عليه من الشرق بتساؤل مضاد: «وماذا عن أطفال فلسطين؟». واندفع بوش الابن بنزعة «الكاوبوي»، محذراً: «من ليس معنا فهو ضدنا»، وانزلق العالم إلى «نظرية الفسطاطين» التي أطلقها أسامة بن لادن. كانت باكستان مرتعاً خصباً، بلاد ظاهرها ثقافة تراوح بين بداوة تقليدية وتحضّر على طريقة شبه القارة الهندية، مطعم بنكهة إسلامية، وباطنها عالم سري، مسكون بعقد الاضطهاد والنقص، وأعراف قبلية تعايشت مع الموروث الثقيل لـ «الأفغان العرب».

يكفي أن نعلم أن المدارس الدينية في باكستان يناهز عددها الـ25 ألفاً وتؤوي عشرة ملايين طالب، توفر لهم الطعام والملبس وكافة احتياجاتهم ... وفرصة الالتحاق بركب «الجهاد»، كما تفسرّه تنظيمات تدير تلك المدارس، نمت وترعرعت تحت إشراف الـ «سي آي أي» لغرض محاربة السوفيات في أفغانستان في تسعينات القرن الماضي. استحضرت الجماعات المتشددة «تحريفاتها» لتصدير «جهاديين» إلى الخارج، وتجنيد مجانين في الغرب عبر شبكة المعلوماتية، وأوجدت عالماً مجنوناً «لا تعرف فيه المقتول من القاتل» على رأي الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور. لكن هذه الجماعات سقطت في فخ مجزرة الأطفال في مدرسة بيشاور في 16 الشهر الجاري. قبلها كانت «نظرية الفسطاطين» مبرراً لانتشار خلايا إرهابية تؤرق العالم من كندا إلى أستراليا مروراً بأوروبا، ومن نيجيريا والصومال وشمال أفريقيا إلى أطراف آسيا. كان كافياً أن يقال إن «داعش» وزع شريط فيديو يدعو فيه إلى قتل الفرنسيين، حتى تظهر موجة اعتداءات جنونية، من طعن لرجال شرطة إلى دهس للمارة في ثلاث مدن فرنسية خلال فترة أعياد الميلاد.

وإذا كانت الهجمات في فرنسا ودول أخرى في الغرب نفذت بوسائل متاحة كسيارة وسكين أو مواد مجمعة محلياً، فإن هجمات «بوكو حرام» في نيجيريا و«الشباب» في الصومال و«دواعش» الجزائر وجوارها والجماعات الإرهابية في باكستان وآسيا، تتطلب إمكانات وتمويلاً. وقيل الكثير عن أن عصابات التهريب والمخدرات والقرصنة، تتستر بـ «الجهاد» لـ «تشريع» نشاطها.

والقاسم المشترك بين قتل عشرات الأطفال الأبرياء في مدرسة باكستانية وخطف عشرات الفتيات في شمال نيجيريا لتجنيدهن في عمليات انتحارية، واضح وجلي، وينسب إلى مجموعات أعلنت ولاءها لـ «داعش» وانخراطها في سعي دؤوب لنشر الفوضى والعبثية، وتأليب الغرب ضد كل الذين يحملون ملامح شرق أوسطية، مسلمين وغير مسلمين.

والغرب المقصود هنا هو الذي يحكمه من وصفهم جبران خليل جبران يوماً بـ «ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء»، الساعين إلى إحكام قبضتهم على الشرق، ولهم فيه مآرب وأدوات متعددة، ليس أقلها حفنة منقادين في وهم صراع بين الأديان والثقافات، لا يتورعون حتى عن التنكيل بأبناء جلدتهم وتكفيرهم وقتلهم.

لكن مجزرة الأطفال في بيشاور، قلبت الأوضاع رأساً على عقب، واقتضت إعلان رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف فرض منهج تعليم ديني رسمي على «المدارس» وقطع مصادر تمويلها الخارجية. وبين وقوف مشرف مترنحاً متلعثماً في 2001 وموقف نواز شريف بالأمس، المستند إلى دعم الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية، فارق يستدعي الانتباه ... لقد أسقطت مجزرة بيشاور كل المبررات.

(عن صحيفة الحياه اللندنية)

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات