الأجنة

سمير عطا الله |
سمير عطا الله

كل مولود كان جنينا. ولكل مولود جذور وبذور. هذه الظواهر التي نراها ليست أشباحا في روايات الأطفال وأفلام «ديزني»؛ من هم، ولماذا هم كذلك؟ لقد أثبتت تونس، وبأكثريتها، أنها صاحبة أهم تربية مدنية في العالم العربي. لكن من يُشكّل أكثرية الذين يقاتلون في مستنقعات السبي والأعناق والدماء؟ تونسيون. ومن يشكّل أكبر نسبة في «جهاد النكاح بين الموصل والرقة؟» تونسيات. كيف يمكن هذا العبث؟ هذا ليس عبثا. هذه حقيقة قديمة وبسيطة مبسطة: الناس ما تُعلّم. عندما تقرأ سيرة متوفى، ترى في كلّ سيرة أنها تبدأ في المنشأ؛ ما هو محيطه وبمن تأثر. لكن ماذا عن بيل كلينتون الذي وُلد في عائلة مضطربة وانتهى رئيسا لأميركا؟! ألوف الذين ولدوا في مجتمعات مماثلة انتهوا مشرّدين. أما هو فتلقفه الجانب الصحي من المجتمع. هو، والنماذج الصارخة مثله، تلقفتها «المؤسسة»، أي مجموعة الأسوياء الذين يشكّلون حاضر الأمم ومستقبلها. هؤلاء يعملون بموجب ضوابط والتزامات وقواعد طبيعية. لكن هناك مئات تنمو في غفلة عن الصحيح. حتى بعض أبناء العائلات العاقلة يجتذبهم، في أعمار معيّنة، جنون الخطأ وسوآت الغرور. حتى في مجتمع كفي اقتصاديا، مثل المجتمع الأميركي، تلتحق الناس بأصحاب دعوات مجنونة. الرجل الذي أحرق معه نحو 300 من أتباعه في تكساس كان ميكانيكيا، مثل المصري الذي حاول أن يقتل نجيب محفوظ لأن الغرب منحه «نوبل» الآداب. هذا لا يعني أن كل ميكانيكي يعتبر نفسه إلها، ولكن كل جاهل يعتبر سواه قتيلا؛ الحياة لا تليق إلا به. والإيمان هو ما يتخيّله. وكل آخر عدو يستحق الموت دون سؤال أو محاكمة. إنه محكوم منذ الولادة بالموت، مثلما هو القاتل محكوم منذ الولادة بالجهل والجريمة. تحيل المجتمعات كل جريمة فردية شاذة على الدراسة لكي لا تتحول إلى وباء. ظلت بريطانيا تدرس ظاهرة «جاك السفاح» قاتل المومسات منذ 1888 حتى اليوم. الغاية هي منع ظهور نسخة أخرى. ما صورة المتطرف العربي؟ ما الأبحاث التي درست ملامحه؟ من أي حاضنة جاء؟ ماذا فعلت المؤسسات المجتمعية المسؤولة لكي تثنيه عن بلوغ مرحلة «يعدم» فيها 500 شخص من عشيرة واحدة في يوم واحد؟ من أعطاه الحق في إعدام البشر وسجنهم وتجويعهم وتعذيبهم؟ آه، إنه يقلّد الدول التي نشأ في ظلها. يقلد عدوه، كما قال ابن خلدون، أول وآخر باحث اجتماعي عربي. ولدنا جميعا في مناخات عنفية قمعية تعلّم فيها أطفالنا وشبابنا أن كل من استولى على السلطة «خليفة» يسن قوانينه ويتملك الأرض والبشر والأفئدة والعقول والمصير. وللناس حق واحد: أن يصمتوا أو يهتفوا له. من البطالة والفقر والجهل والنقمة، يولد هذا الحد من اللاإنسانية. ومن صمت المؤسسات وتغافلها وإهمالها. نحن لم نعد نلتزم القيم الأخلاقية. القيمة الأخلاقية الكبرى في التراحم، بكل مستوياته ومعانيه.

(عن صحيفة الشرق الأوسط)

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات