كونيّات الحزب الواحد

سمير عطا الله |
سمير عطا الله

قامت هذه الدنيا التي نعرفها على 3 أنواع من الأنظمة: الحزبان، كما في أميركا وبريطانيا. والأحزاب المتعددة، كما في فرنسا قبل 1958 أو في إيطاليا. والحزب الواحد، كما في الاتحاد السوفياتي ومجموعته. تجربة الحزبين المتناوبين على الحكم لا تزال ناجحة إلى الآن، بما في ذلك فرنسا بعد 1958. تجربة الأحزاب المتعددة رافقها عدم استقرار سياسي وحكومات متساقطة. تجربة الحزب الواحد أثبتت أنها الأكثر فشلا في الحكم وفي السقوط. العالم العربي اختار النموذج السوفياتي، كما في مصر وسوريا والعراق. الحزب هو الذي يمنحك الخبز والموقع ودخول الجامعة والجيش. ويطلب منك، في المقابل، أن تكون شرطيا في النهار وعسسا في الليل، على جميع من حولك. سقط الحزب الشيوعي في موسكو والدول الدائرة في فلكها، مرة واحدة. لم يعد للشيوعي الحق في ربطة خبز مجانية. سقط الحزب الوطني في مصر وأسقط معه نظام مبارك، وسقط حزب البعث في العراق وسقطت معه الدولة والبلد. وانتهى الحزب القائد في سوريا لتظهر شتى أنواع الدول والجبهات والشبيحة. تزول الدولة العربية وتقوم مكانها أحزاب مسلّحة أو عنفية فقط. تتراجع الجيوش، كما في العراق واليمن وليبيا، وتقوم الزمر المسلحة. ألغى الحزب الواحد كل شكل من أشكال الحياة السياسية، فكان البديل الطبيعي هذه الفوضى المدمرة التي تسحق في طريقها الدول والأوطان وتبدد الشعوب وتضع الاستقلال العربي والسيادة والمصير في أيدٍ خارجية معلنة. الصحافي الأميركي جيمس فولي شهد في ليبيا سقوط الرجل الواحد و«الفكر» الواحد واللجنة (بدل الحزب) الواحدة، وقطعت «داعش» عنقه قبل أن يشهد نتائج السبي الواحد وقتل 2000 إيزيدي في يوم واحد. كم ألف قتيل سقط في اليمن الجنوبي أيام القتال بين رفاق الحزب الواحد؟ نحن نشهد ثمار نصف قرن من ثقافة الغطرسة الواحدة، والعجرفة الواحدة، والإلغاء الواحد. النظام العربي كان يرفض أن تطالبه بطريق فرعي لأنه مشغول في طريق فلسطين. أو في إنقاذ العالم عبر نظرية كونية ثالثة. في حين أن كل ما كان يريده المواطن العربي مدرسة يذهب إليها أبناؤه، ومستشفى لا تملؤه الروائح والأوبئة، وعملا يذهب إليه. لم يفهم مرة لماذا تجرده فلسطين، التي أحبها، من الرغيف والعمل وحديقة عامة لأطفاله. ولا فهم التعابير «الكونية» الطويلة المدغمة والتفاعل الاستطرادي في الفكر الانفرادي.

(عن صحيفة الشرق الأوسط)

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات