زمن التحولات في روسيا

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

تبدو روسيا في طريقها الى ما يشبه الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ في ستينات القرن الماضي. منذ بلوغ الأزمة مع الغرب ذروتها، تجلت لدى القيادة الروسية قناعة بأن في وسع البلاد التخلي عن مظاهر الحياة الغربية التي طرأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي... بما في ذلك السلع والاطعمة المستوردة من الغرب.

ومن باب المعاملة بالمثل، فرضت موسكو عقوبات استهدفت منتجات أوروبية وأميركية، رداً على حظر تجاري غربي استهدفها بعد اندلاع الحرب الاوكرانية.

يقول منتقدو العقوبات الروسية انها ستؤدي الى عزلة للمستهلكين المحليين واختفاء مواد مستوردة من الاسواق الروسية، للمرة الاولى منذ اكثر من عقدين، في شكل يحاكي العودة الى الحقبة السوفياتية.

بوسع الروس التخلي عن الكماليات او ابتكار كماليات محلية، اذ ليسوا في حاجة الى ارتداء الجينز وتدخين السجائر الاميركية وتناول الهمبرغر والبيتزا والسلمون المدخن و «السوشي» الياباني، وهي على أي حال، اشياء لطالما كانت حكراً على طبقة من المقتدرين، تماماً كالسيارات الالمانية الفاخرة التي بات البعض يتساءل لماذا لا يتخلى كبار المسؤولين الروس عنها لمصلحة الـ «لادا» ... فخر الصناعة المحلية.

واذا كانت القيادة الروسية قررت استنباط شعار «قل لي ماذا تأكل اقل لك من انت» (على وزن قل لي من تعاشر...)، فإن هذه العودة الى الجذور، اسعدت مزارعي البطاطس المحليين الذين يأملون في الاستفادة منها، بعدما تراجع انتاجهم في السنوات الاخيرة لقلة الطلب.

لا شك في أن العقوبات الروسية تسببت بخسائر للمصدرين الغربيين، يأمل المزارعون الروس في تحويلها مكاسب لهم، بعدما استغرقوا سنوات في محاولة التعافي من أزمتهم التي تفاقمت غداة انهيار الاتحاد السوفياتي ووصلت بهم الى حد ذبح الدواجن في شكل جماعي نتيجة فقدان العلف.

يقول بافيل غرودينين وهو مدير «مزرعة لينين» التابعة للدولة ونائب عن منطقة موسكو ان «مشكلة روسيا الرئيسية، ليست أننا غارقون في الاغذية المستوردة الرخيصة، بل أننا ننتج قليلاً»، كما نقلت عنه وكالة «رويترز»، وهذا يشير في حد ذاته الى تحدٍ امام المنتجين المحليين في زيادة انتاجهم مع المحافظة على حدود التكاليف التي تجعل ثمن بضائعهم مقبولاً.

ان هذا النوع من التحولات ينسحب على مناحٍ اقتصادية أخرى، مثل وقف العمل بنظم بطاقات اعتماد غربية، تسعى موسكو الى إبدالها ببطاقات دفع محلية، لكن انعكاسات ذلك تقتصر على أوجه إنفاق الاثرياء وبعض أبناء الطبقة المتوسطة، وإن طاولت تأثيراته الأشد، الزوار الأجانب للبلاد لأغراض العمل أو السياحة.

وفي مطلق الاحوال، فإن اتباع انماط الاستهلاك الغربية، كان وبالاً على الغالبية الساحقة من الروس الذين عانوا من تضخم رفع الاسعار في بلادهم الى المرتبة الاعلى ربما بعد اليابان.

وبالتالي فإن الانفتاح على الانماط الغربية لم يكن له مردود بالنسبة الى الروسي العادي الذي لا يستطيع ارتياد فنادق ومطاعم فاخرة استحدثت في السنوات الاخيرة، ولا السكن في شقق فارهة عصرية ولا امتلاك سلع غربية باهظة، في حين وجدت بضائع آسيوية زهيدة الثمن طريقها لاكتساح الاسواق المحلية.

ربما كان الإقبال على استساغة أوجه الحياة الغربية، رد فعل عابراً من جانب الروس، على سنوات العزلة والانغلاق السوفياتية، اضطروا بعده الى العودة الى سبل العيش التقليدية، وهم في سبيلهم الى تحقيق اكتفاء ذاتي، طوعاً او اضطراراً، والاكتفاء هو الدرجة الاولى في سلم الاقتدار، و «القناعة كنز لا يفنى»، كما يقول العرب... ولا يفعلون طبعاً.

(عن صحيفة الحياه اللندنية)

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات