عبدالناصر الكرامة القومية

عبد الوهاب الزنتاني |
عبد الوهاب الزنتاني

جمال عبدالناصر الذي ناضل طويلاً من أجل الأمة العربية والوحدة العربية والكرامة العربية، وكان صادقًا وأمينًا في دعوته ونضاله، ولسوء الحظ لم يعش طويلاً ولم يأت من بعده مَن يرفع راية النضال من أجل الكرامة العربية، بل صارت الرؤوس على طول وطننا العربي مطأطأة، وقد صدق الجواهري حين قال: «لم يروا لون السماء من فرط ما انحنت الرقاب».

وتذكر لنا روايات التاريخ أنَّ جمال عبدالناصر وهو في بداية مراحل الدراسة قد استشاط غضبًا وهو يرى سائق عربة إنجليزيًّا يدوس طفلة مصرية في أحد شوارع الأسكندرية دون أن يتوقف أو يسأله أحد، فيقول لعمه: «إنَّ هذا إذلال للمصريين على أرضهم»، ويرد عمه قائلاً: «نعم، وقد يأتي اليوم الذي نطردهم فيه»، ومن المؤكد أن حادث مقتل الطفلة قد ترسَّخ في ذهن الشاب جمال إلى أن آتاه الله القدرة والعزيمة على تحرير أرض مصر والأرض العربية من جميع المستعمرين، عندما قام بثورة عظيمة طردت حاكم مصر والاستعمار الإنجليزي الذي كان يحميه.

 قالت العرب: رجل يحيي قبيلة، ونقول جمال عبدالناصر رجل أحيا أمة، ولقد صدق نزار قباني عندما قال: «قتلناك يا جبل الكبرياء ويا آخر قنديل زيت يضيء لنا في ليالي الشتاء»

ولقد توازى العمل والنضال القومي مع ما جرى في أرض الكنانة، حيث قُلِّمت أظافر الخونة وكُسرت أسنان العملاء والخونة بالداخل وحُرِّر الفلاح المصري وانتهى نظام الإقطاع وطُـوِّر الأزهر الشريف وأُمِّمت قناة السويس، وكان أبرز التحديات ضد قوى البغي قرار بناء السد العالي، الذي مثل لطمة للغطرسة الأميركية، وفُتحت أبواب الجامعات والكليات لأبناء العمال والفلاحين التي كانت متاحة فقط لأبناء الباشوات وأبناء الأغنياء وأصحاب المناصب في الحكم، وأصبحت القاهرة عاصمة للنضال والمناضلين والتحرير وكرامة الإنسان في كل مكان، وبالتالي امتلك جمال عبدالناصر عواطف وحب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وما كان لأحد من حكامهم المرتبطين بالاستعمار أن يحوْل دون ذلك.
لقد تعرَّض جمال عبدالناصر طيلة فترة حكمه لكم هائل من التشكيك والاتهامات الظالمة من طرف أجهزة استخبارات الحكام العرب والاستخبارات الأجنبية وعلى رأسها الاستخبارات الأميركية وكانت جميعًا قائمة على الكذب والافتراء من طرف أشخاص وجهات مأجورة تبيع قدراتها وإمكاناتها التآمرية لمَن يدفع من عملاء وخونة ومأجورين نفعيين تستهدف صدقيته وإسقاط نظامه الوطني القائم على خدمة القضايا الوطنية والقومية.

 نعم لقد كان جمال عبدالناصر عظيم الكبرياء وهو ضمير الأمة ورجلها الصادق الأمين وكان ضياء لياليها

ولم تتوقف تلك المؤامرات والاغتراءات حتى بعد وفاته، رغبة من آمريها ومموليها للنيل من سمعته وصدق نواياه وإيمانه وقدراته الفكرية والقيادية، ويعنيني وقد عشت وعايشت فترة حكم جمال عبدالناصر العظيم، أن أقول إنه كان صادقًا في كل ما قام به من أجل العرب والمصريين عمومًا، بل إنَّ مقدار صدقه كان يرقى إلى مستوى التضحية بكل شيء من أجل الأمة العربية والوحدة العربية وإذا كان هناك من خطأ أو أخطاء فهو بشر يخطئ ويصيب، وأذكر أنني عندما أصدرت كتابًا عن حياته، قلت إنه رجل العرب وما زلت وسأبقى مؤمنًا بأنَّه رجل العرب ويتراءى لي أن العرب، كل العرب، سيندمون يوم لا ينفع الندم وقد حلّت بهم جميعًا الكوارث والأزمات، وربما يجوز لي في هذه المناسبة التاريخية «15 يناير 1918» أن أعرج قليلاً على وضع العرب قبل وبعد جمال عبدالناصر.

فقبل جمال عبدالناصر كانت أغلب البلدان العربية رهينة في أيدي الإنجليز والأميركان والفرنسيين والطليان، ينهبون إمكاناتها، ويقهرون أهلها بتنصيب العملاء والمرتزقة والخونة خدمة لمصالحهم، وكانت قواتهم وقواعدهم كالثلل منتشرة على طول الأرض العربية دون رادع، مما يمثل تحديًا وإهانة لمشاعر الكبير والصغير في أرض حباها الله كل الخيرات وميَّزها على العالم «خير أمة أخرجت للناس» وكان أن نادى جمال عبدالناصر وهو على رأس ثورة 23 يوليو يإخراج المستعمرين من كل الأراضي العربية بحيث تتحرر البلاد والإنسان، وكانت بداية ذلك طرد المستعمر البريطاني من كامل الأرض المصرية بعد عقود من السيطرة والاستغلال وكان ذلك تحديًّا من جانب ثورة شابة يمتلك رجالها العزيمة والقوة والإيمان تحقيقًا للإرادة الوطنية.

 طالت ليالي الشتاء بظلامها على أمتنا العربية بعد رحيل الرجل الذي قال «ارفع رأسك يا أخي فقد زال عهد الطغيان»

وما لبث هذا التحدي حتى امتد إلى كل الأراضي العربية فتحرَّرت جميعها بقوة الإرادة وأحيانًا بقوة السلاح، وبرز جمال عبدالناصر قائدًا فذًّا عرفه العالم كله، وأذكر أنني كنت ضمن وفد ليبي يزور الأرجنتين لتقديم التهنئة بعودة البيرونية، وهناك عرفنا أن تأثير إنجازات ثورة 23 يوليو واسم جمال عبدالناصر يسود البلاد حتى إن تنظيمًا ناصريًّا كان بارزًا في وسط الجيش الأرجنتيني، وقد تجاوز المدُّ الثوري الناصري البلاد العربية لتتحرَّر أغلب بلدان أفريقيا شرقًا وغربًا وجنوبًا، ولقد كانت تلك الفترة أزهى أيام العرب من «15 يناير 1918 إلى 28 سبتمبر 1970»، ولكن إرادة الله التي لا راد لها كانت في ذلك اليوم «28 سبتمبر»، حيث شمل الوطن العربي حزنًا عميقًا وظلامًا دامسًا، إذ انتقل جمال عبدالناصر إلى جوار ربه، وبكاه كل أحبابه ومؤيدو سياسته الرشيدة.

لقد فقدت الأمة العربية الرجل الذي مثّل ضميرها ووجدانها ورفع شأنها عاليًّا، وبعده انتكست راية القومية وعاد الأمر إلى مَن يبيعون الأرض ومَن عليها وحتى السماء لو طالوها في سبيل المال والحكم استجداء!

جمال: اترفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الطغيان، رحل جمال عبدالناصر فكتب نزار: «قتلناك يا جبل الكبرياء».

ومنذ هذا التاريخ، أي بعد جمال عبدالناصر، عادت الامتيازات والاستغلال الأجنبي ورجعت القوات والقواعد الأجنبية بناء على طلبات الاستجداء من جانب الحكام العرب لحمايتهم من شعوبهم التي يقهرونها ويسرقون أقواتها، وعربدت إسرائيل الصهيونية تتغنى بالسيطرة على أقدس مقدسات العرب والمسلمين «فلسطين والقدس»، وتطالعنا الأخبار هذا اليوم بأنَّ أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية يقول إنهم لا يتصورون دولة إسرائيل دون «حائط البراق» ولابد أن يتوقع الحكام العرب الذين بلغ بهم الهوان حدًّا لم يبلغه أحد في ما سبق نتيجة العشق الأميركي أن يضيفوا إلى انحيازهم لإسرائيل حقها في المدينة المنورة «يثرب»!

فماذا بعد؟
كان التحرير والنضال وكانت الكرامة برمزها، جمال عبدالناصر، وإذ قد توفاه الله فقد اصطفت جمهرة العملاء والمرتزقة والطبالين والحاقدين، الذين كانوا يعيشون على فتات خبز واسترضاء أسيادهم الأجانب في حملات إفك وكذب وتلفيق، ساعين ليل نهار لتشويه كل عمل قام به جمال عبدالناصر ورفاقه.

فالاشتراكية نهب لأموال الناس، وتطوير التعليم إفساد للتعليم، والإصلاح الزراعي إفساد للزراعة، ومجانية التعليم جريمة في حق الوطن، والعمل من أجل الوحدة مؤامرة على العرب، وإقامة كليات الطب والهندسة والزراعة والعلوم بالأزهر الشريف مؤامرة على الإسلام والمسلمين... إلخ، وهكذا كانوا يحاولون طمس كل شيء، كل عمل خيِّر أُنجر في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وما دروا أن عبدالناصر حي في قلوب الملايين على امتداد الوطن العربي، ولا يمكن لأحد مهما بلغت ارتباطاته بالأجانب وبإسرائيل وغير هذا وذاك أن يستطيع أو يمكنه أن يغطي عين الشمس بالغربال، ذلك أن إرادة الله ونضال جمال وحقوق البلاد والناس لن تضيع.

وها نحن أخوته وأبناؤه وبناته والمؤمنون بدعوته ونضاله ومبادئه في كل مكان من وطن العروبة نحتفل بعيد ميلاده، سائرين على الطريق الذي اختطه وسلكه جمال عبدالناصر، مضحّين بكل شيء من أجل الكرامة والحق، متطلعين إلى غدٍ تتحقق فيه تلك المبادئ المثلى التي ارتوينا منها ونعيش من أجلها دون تردد ولا منّة على أحد أو من أحد.
كاتب ومناضل عربي ليبي
الشراع اللبنانية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات