تاريخ القمة المقارن ...

سمير عطا الله |
سمير عطا الله

يميِّز المؤرخون والمفكرون والرجال العاديون، بين رجل الدولة وبين السياسي. رجل الدولة هو روزفلت، والسياسي هو ألف أميركي تعاطوا السياسة من بعده، ولا أحد يَذكر لهم اسماً أو عملاً. هو تشرشل. هو ديغول. هو نهرو. تيتو. مانديلا. غورباتشوف. شو آن لاي. لي كوان يو. مهاتير محمد.

دعك مما فعل الزعماء بالآخرين. فكر فقط في ماذا فعل كل منهم لبلده وشعبه ودياره. فكر في الذين لم يتركوا شتيمة أو تهديداً أو سفاهة، إلا وأطلقوها أمام أمَّتهم وأمم العالم أجمع، وفكر في الذين حماهم خلقهم من الانسياق وحصَّنهم ضد تهور الغضب وسقط المشاجرة.

ما هو الفارق؟ طيب الأثر. الأول يعيد بلاده من الحرب، وليس يدمرها. ويبني مكانتها، وليس يبيدها في المغامرات. يتحمل مسؤولية كل كلمة وكل عمل، وليس يترك مواطنيه إلى احتمالات الخراب والعدم. عندما ذهب أنور السادات إلى القدس في إحدى أكثر الخطوات تهوراً، كان على رجال الدولة العرب أن يعيدوه. الذي حدث أننا طردنا مصر.

الذي حدث أن صدام حسين دعا إلى قمة في بغداد، ظناً منه أن العصر العباسي يستعاد ببضع خطب وافتتاحيات، بمجرد أن تُبعد مصر. رجل الدولة كان يجب أن يفكر، أولاً، بأن العباسيين مرحلة وعصر، وليسوا رجلاً، وأن العرب من دون مصر، هم عرب من دون مصر.

كل ما فكرنا به في مواجهة كامب ديفيد هو اغتيال أنور السادات. كان الرئيس الراحل إلياس سركيس يستقبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في قصر الضيافة بدمشق، وكان سركيس من النوع النادر خلقاً وأدباً وإنساناً. كما كان من حلفاء سوريا. لكن خدام أراد أن يعطيه درساً نهائياً في الولاء، فأخبره أن السادات جاء إلى دمشق قبل زيارة القدس، وأنه نادم لأنهم استقبلوه.

ظل سركيس ينفذ سياسة دمشق حتى اليوم الأخير، لكنه لم يقم بعدها بأي زيارة لها. استقبل العاهل الأردني عبد الله الثاني ضيفه الأول الملك سلمان بن عبد العزيز، في سيارة مكشوفة. إنك لا ترى هذه السيارة إلا في عمَّان.
قمة عمَّان، عرض للتاريخ. تاريخ القمم. عرض وجداني ليسير رجال الدولة والبُناة والخيّرون وملتزمو الآداب الشخصية والوطنية والقومية، واستعراض نماذج الخراب والبدد وضنى الشعوب وضنك الدول.

دعك مما فعل الزعماء بالآخرين. فكر فقط في ماذا فعل كل منهم لبلده وشعبه ودياره. فكر في الذين لم يتركوا شتيمة أو تهديداً أو سفاهة، إلا وأطلقوها أمام أمَّتهم وأمم العالم أجمع، وفكر في الذين حماهم خلقهم من الانسياق وحصَّنهم ضد تهور الغضب وسقط المشاجرة.

هل تدرى ما هي المشكلة في هذا التاريخ؟ إنه حاضر. أننا جميعاً عايشناه وعشنا فيه. وأن الأمة تحاول المرور بين ركامه وبقايا آمالنا. مثل طفل ملتاع ومشرد، ولا يعرف من أين ينهال عليه الرعب. وآمل أن يكون عبد الله الثاني قد علَّق خرزة زرقاء في السيارة المكشوفة.

ــ عن «الشرق الأوسط»

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات