الغويل والسراج و«عقدة قنفودة»

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

إذا كان يحلو لبعضهم من باب السخرية، مقارنة أحداث 2011 في ليبيا بسيناريو مسرحية «ضيعة تشرين»، فإن آخرين أكثر تشاؤماً، يميلون إلى توقع مسلسل انقلابات كتلك التي شهدتها دول أميركا اللاتينية في النصف الثاني من التسعينات.

وغني عن القول أن في المقارنة مع أميركا اللاتينية تلميح ضمني إلى دور الراعي الرسمي للتقلبات في تلك المنطقة، وهو جهاز الـ«سي أي آي» الذي لم يعد يجد حرجاً في إظهار حجم نفوذه خصوصاً لدى الميليشيات المؤدلجة التي تحمي حكومة الوفاق في العاصمة طرابلس.

لذا سارعت وسائل الإعلام إلى التساؤل عن الجهة التي باتت تسيطر على العاصمة الليبية، بعد إعلان رئيس «حكومة الإنقاذ» التابعة للمؤتمر الوطني خليفة الغويل استعادة سيطرته على المقار الرسمية لحكومة الوفاق المنافسة له، وعودة مسؤولي حكومته إلى مزاولة مهماتهم، في ما اتسم بـ«انقلاب أبيض»، أي بأقل قدر ممكن من وسائل العنف التي لا يريدها الغويل كونه الطرف القوي، ولكن خصمه فائز السراج كان يتمنى لو امتلك القدرة على ممارسة قدر من العنف لتثبيت دعائم حكومة الوفاق برئاسته، التي نصبتها الأمم المتحدة بموجب اتفاق هش أبرم في مدينة الصخيرات المغربية.

بعد عشرة أشهر من اتفاق الصخيرات، لم يحقق السراج ومن معه أي انجاز لا سياسي ولا عسكري ولا اجتماعي في طرابلس، حتى أنهم اختلفوا على جدوى إعلان تحرير سرت خشية أن يطل «داعش» برأسه مجدداً. حتى الرواتب اخفقوا في تأمينها للحراس فاستقبل هؤلاء الغويل بالترحاب لدى وصوله إلى أبواب القصر الرئاسي.

ثمة فرق كبير بين الغويل والسراج، فالأول مهندس عصامي دفعته الانتفاضة ضد نظام القذافي إلى واجهة الأحداث قيادياً وسياسياً في مدينته مصراتة، أما الثاني فنجل عضو سابق في مجلس النواب الملكي حظي ايضاً برعاية في عهد القذافي.

وفي سعيه للتوصل إلى اتفاق بأي طريقة، تعامى المجتمع الدولي عن محدودية قدرات الموقعين على اتفاق الصخيرات، وقفز على كل شروط الاتفاق لشرعنة حكومة السراج، بما في ذلك شرط نيلها ثقة البرلمان المنتخب المتواجد في طبرق.

تجربة الغويل في الحكم كانت مختلفة، إذ عانى كثيراً في محاولاته فتح ثغرة في جدار العزلة الدولية التي فرضت عليه، نتيجة منافسته البرلمان نفسه الذي يحاول السراج انتزاع الشرعية منه، وهنا كيل بمكيالين لا تعرف أسبابه، خصوصاً أن حكومة السراج في طرابلس تحتمي بالتحالف الميليشيوي ذاته الذي صنفه المجتمع الدولي إرهابياً، في حين أن القوى التي تدعم حكومته هي التي تمثل الإسلام السياسي.

لم تكن علاقة الغويل بالخارج علاقة نفور بالمطلق، إذ كانت له زيارة لموسكو التي سلمها بحارة روساً محتجزين منذ الانتفاضة ضد نظام القذافي، لكن الكرملين لم يكافيء حكومة الإنقاذ سياسياً او لم يتمكن من ذلك، إذ كان اتفاق الصخيرات الذي هدف إلى اطاحتها، قد أخذ طريقه إلى مجلس الأمن.

بالأمس، دعا الغويل حكومة منافسه سابقاً عبد الله الثني المنبثقة عن البرلمان في طبرق، للعودة إلى ممارسة مسؤولياتها لتوحيد البلاد، لكن تفاهم الطرفين الذي يغلق الباب عملياً في وجه السراج، دونه عائق أساسي هو تحصن مقاتلين إسلاميين يتلقون دعماً وتعاطفاً من أترابهم في الغرب، في منطقة قنفوده، وهي آخر معاقلهم في بنغازي، ولن يرضى الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر بأي تفاهم مع طرابلس، ما لم تحل عقدة قنفودة باستسلام مقاتليها أو رحيلهم، وبذلك يبقى أي تقارب بين «الخليفتين» معلقاً بعقدة قنفودة.

عن صحيفة الحياة اللندنية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات