ليبيا..مأساة لم تنته

بكر عويضة |
بكر عويضة

تصاب المجتمعات، كما أفرادها، بالمرض، فتطلب العلاج أينما توفر، وإذ تجده تبدأ مشوار التعافي، ثم تحتاج إلى فترة نقاهة تتقبل خلالها الآثار الجانبية لجرعات الدواء.

فجأةً، تحصل انتكاسة تعترض اكتمال شفاء المريض، ويتبين أن جراثيم وجدت طريقها إلى الجسم، فغزته، وما عادت باليد حيلة سوى بدء علاج جديد. هل يمكن القول إن المجتمع الليبي واحد من تلك المجتمعات؟ الأرجح نعم. وهل يصح القول كذلك إن مجتمع ليبيا أضحى مجتمعات؟ واقع ما يجري على الأرض الليبية من حروب يقول بذلك. لكن ليبيا ليست الحالة الوحيدة. أين هي الدولة العربية التي مرّت بها عواصف «ربيع» 2011 ونجت من تفتت المجتمع؟ صحيح أن نسبة ما وقع من انقسام مجتمعي تتباين.

الوضع في تونس، مثلاً، غيره في مصر، وهو فيهما مختلف عما جرى لليبيا، وفي الدول الثلاث يبدو الحال أهون بكثير مما اكتوى بناره السوريون. ليس هنا مجال التوسع في تحليل تأثير أحداث الخمس سنوات الأخيرة على مجمل العالم العربي، لذا ينحصر الحديث في الوجع الليبي. أقول: «الوجع»، لأن لليبيا، من جانب شخصي، مكانة الوطن الثاني في القلب والروح بعد فلسطين، إذ فيها أمضيت ربيع العمر، وبين مطابع صحفها وروائح حبرها، تفتح زهر درب تجربتي الصحافية.

أرفض تصديق أن ليبيا التي عرفتُها وعايشت طيب خُلق أهلها وحسن معشرهم تعرف هذا النوع من البشر

قبل سبعة وأربعين عامًا من نهار غدٍ، بدا أن ليبيا التي نازلت المحتل حتى نالت استقلالها (24/ 12/ 1951)، فطلعت مرفوعة الرأس تفاخر، ومعها العرب أجمعون، بانتصار مقارعة عمر المختار وصحبه الفريدة من حيث ضعف الإمكانات، على جيش الاحتلال الإيطالي، المدجج بأحدث آلات حرب زمانه، بدأت تتعافى بالتدريج من إنهاك سنوات المقاومة، وأعباء عقود الفقر السابقة لاكتشاف النفط، وأن المستقبل الواعد بمستوى حياة أفضل لليبيين بدأ يطل.

صحيح أن ظواهر سلبية ظلت تخدش الصورة المأمولة. أدى ذلك إلى ظهور أصوات إصلاحية راحت تطالب بتعجيل الإصلاح. لكن الصحيح كذلك أن المملكة الليبية المتحدة، حتى تاريخ أول سبتمبر (أيلول) 1969، كانت لم تزل في بدايات النمو، وبالتالي فإن وقوع أخطاء وحصول سلبيات خلال ثمانية عشر عامًا من الاستقلال كان متوقعًا. أما آخر الحلول المتوقعة، أو المطلوبة شعبيًا - كنتُ شاهدًا على ذلك، إذ أتابع صحافيًا ما يجري بحكم عملي، وأستمع في مجالس ساسة ومثقفين لمختلف الآراء - فكان إطاحة النظام واستيلاء الجيش على الحكم بقيادة ملازم أول يدعى معمر القذافي.

رغم الشكوك والتساؤلات، تعايش أغلب الليبيين مع واقعهم الجديد، وساد الاقتناع بأن ليبيا التي ذهبت عندما جاء القذافي، لن ترجع مرة أخرى. تبع ذلك أن الأربع سنين الأولى لليبيا الجديدة أتت بما يبرر انتعاش الأمل في انطلاقة مختلفة. وقد كنتُ شاهدًا على ذلك أيضًا، إذ حملتني التحقيقات الصحافية الميدانية إلى مختلف بقاع ليبيا، من طبرق ودرنة والبيضاء في الشرق، إلى غدامس وسبها والكُفرة في الجنوب. حتى في قرية صغيرة وسط أمواج الصحراء تدعى «أم الأرانب»، رأيتُ تحسنًا في أحوال الناس، ولمستُ أحاسيس بأن المستقبل الآتي يحمل كثيرًا من الأمل.

كلا، لم يُكتب لذلك الأمل أن يعمِّر. فقد صاحبَ انتهاء أول أربع سنوات لحكم القذافي، بدء حمل معمر القذافي بحمل كاذب سوف يثبت له هو نفسه كم كان وهمًا لحظة اعتقاله مذعورًا. الواقع أن مؤشرات سقوط ما بعد تضخم الذات القذافية بدأت بإعلان النقاط الخمس (زوارة 1973) الذي شكل انقلاب «الأخ القائد» غير المُعلن على رفاقه ضباط مجلس قيادة الثورة. ثم أطلق العقيد «نظريته الثالثة»، وصدّق أنها بالفعل سوف تصلح العالم من حوله، وليس ليبيا فقط، وفق ما فصّل مزاجه في «الكتاب الأخضر».

أعانه على ذلك كثيرون، داخل ليبيا وخارجها. إذن، قُضي الأمر. ذلك أن ليبيا «ثورة فاتح سبتمبر»، كما سماها هو نفسه، ولّت الأدبار ولن ترجع، لتفسح الطريق أمام «جماهيرية» معمر أبو منيار القذافي فقط، حتى الانهيار المدوّي أواخر 2011. آنذاك، مرة أخرى، أطل وميض ضوء في آخر النفق الليبي، لكنه سرعان ما تبدد، ليحل صراع «الإخوة الأعداء»، وتعقّد الوضع باقتحام أطراف خارجية الميدان.

كيف ومَنْ سهّل لتنظيم داعش النزول بليبيا؟ أرفض تصديق أن ليبيا التي عرفتُها، وعايشت طيب خُلق أهلها وحسن معشرهم، تعرف هذا النوع من البشر. لكن فصول المأساة مستمرة، لا تزال تُكتب بدماء الليبيين وعلى أنقاض خراب بيتهم. أسمع في رجع الصدى مطلع «لا تبكِ أرجنتينا لأجلي»، فأرد عليها مُعارضًا: «ابك ليبيا لنا وعلينا». وبالوسع أن نستبدل بليبيا هنا أي بلد حل به خراب ذلك «الربيع» الغامض.

عن صحيفة الشرق الأوسط

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات