حقيقة ما يجري في سرت

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

بعد «طوابير» الخبز والسيولة أمام المصارف، تشكل في ليبيا طابور جديد، لاستلام جثث قتلى الحرب في سرت، مع وصول عدد ضحاياها إلى حوالى 500 قتيلا ومئات الجرحى في أوساط الشباب الذين أُقحموا في القتال في مدينة غير مدينتهم.

وبمعزل عن السؤال البديهي عن المستفيد الفعلي من نتائج الحرب، ثمة تساؤلات مفادها أين أهل سرت مما يجري في مدينتهم، ولماذا لم يتحمسوا للمعارك ولم يصفقوا لما تسميه سلطات طرابلس «انتصارات» ضد تنظيم «داعش» الإرهابي؟.

ولعل الجواب أتى في شريط فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من شباب مصراتة المتواجدين في سرت، متحلقين حول أحدهم وهو يصرخ متسائلاً متى تنتهي المعركة ليستطيع العودة إلى أطفاله، ولماذا لا يرسل أثرياء الحرب في المدينة أولادهم إلى الجبهة، ويشير إلى أحد الشباب قربه ويقول هذا مهندس كافح 25 سنة للحصول على شهادته، في إشارة إلى عبثية الحرب.

والحقيقة أن ثمة علامات استفهام كثيرة تحيط بالعمليات في سرت، أولها عن مصير مسلحي «داعش» وسط كلام عن تأمين طريق لقادتهم للفرار من المدينة نحو الجنوب، ما يستدعي توقع إعادة تجمعهم في أماكن أخرى، لكن السؤال الأهم هو عن «رؤوس» القوات «الحكومية» التي تقاتل في سرت تحت غطاء جوي أميركي وغربي.

هذه القوات التي كانت حتى وقت قريب «ميليشيات إرهابية» تنشر الفوضى في العاصمة طرابلس تحت قيادة متشددين تابعين لتنظيم «المقاتلة»، وهو الفرع الليبي لـ«القاعدة» ومعظمهم تلقى تدريبه في مخيمات تورا بورا وأماكن مشابهة، فهل يكون هؤلاء مختلفين عن «الدواعش» الذين يفترض أنهم يقاتلونهم في سرت؟.

ثم ما هو دور هؤلاء الذين تحولوا بقدرة قادر إلى «قوات حكومية»، في قتال قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر في بنغازي؟ ناهيك عن انعدام فرص إقناع أهل الشرق الليبي باقتسام السلطة مع مرجعيات سياسية في الغرب تعتمد على متطرفين لحمايتها، وهو الموقف الذي يراهن عليه سكان طرابلس المغلوب على أمرهم والواقعين تحت سيطرة هذه الميليشيات، لتغيير المعادلة، من خلال تمسك البرلمان الشرعي المنتخب بموقفه الرافض منح الثقة لـ«حكومة الوفاق» المفروضة من الأمم المتحدة.

لقد كان رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي يتخذ من طبرق مقراً له، محقاً حين اعترض لدى الأمم المتحدة على تعاطيها مع «حكومة الوفاق» كأنها الممثل الشرعي لليبيا، فهذه الحكومة لم تنل ثقة البرلمان كما يقتضي اتفاق الصخيرات للسلام، إضافةً إلى أنه لم يتم أساساً تعديل الإعلان الدستوري في ليبيا لاستيعاب اتفاق الصخيرات.

لذا فإنه من الصحيح الاستنتاج بأن البرلمان الذي تتمثل فيه كل الأطراف، لا يزال الجهة الشرعية الوحيدة في ليبيا، وأن القوات التابعة له بقيادة الفريق حفتر هي التي تمثل الشرعية، وعليه فليس مستغرباً أن يعمد البرلمان إلى تكليف شخصية جديدة تشكيل حكومة أو مواصلة اعترافه بحكومة رئيس الوزراء عبد الله الثني التي تتخذ من البيضاء مقراً لها.

وفي تلك الحال، ليس واضحاً على الفور، ماذا سيكون موقف بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا التي حاول رئيسها مارتن كوبلر دعم الحكومة المنبثقة عن «الصخيرات» بوعود بمساعدات أميركية قيمتها 200 بليون دولار أميركي إلى ليبيا، وهو أمر ينم عن سخرية الأقدار في أن تتحول دولة ذات مقدرات وثروات كبيرة إلى استجداء مساعدات، إضافةً إلى أن هذه الوعود التي أتت على لسان مبعوث دولي، لم ترفق بتأكيدات من الأوساط الرسمية الأميركية.

عن صحيفة الحياة اللندنية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات