فاضل المسعودي..الذي لم يحكمه القذافي يوما

سمير السعداوي |
سمير السعداوي

كانت الأمسيات اللندنية التي تجمعنا، مصدر سرور وغبطة لا متناهيين بالنسبة لي. رجل عقله نظيف ومنفتح، بالغ التواضع، لكنه يمكن ان يكون شديد الاستهزاء اذا صادفه جليس مغرور.

كنت استخدم كلمة "ليبيا" في الحديث ويستعيض هو عنها بعبارة "صحراء الحقد والجحود"، التي لم أدرك مغزاها بعمق الا في أيامنا هذه، فنحن لم نكن نراهن يوماً على تحول القذافي، لكننا راهنا على تحول بعد سقوطه وهذا لم يحصل. رغم أنه كان وفياً للعهد الملكي، إلا أنه كان موضوعياً جداً، لا بل منحازاً للحق عندما كان يتحدث عن بشير السعداوي ورفاقه.

كنا نتفق على اللقاء وكنت اصل إلى الموعد في المكان المحدد وانتظر. وهذا حصل مرات عدة ولم اكن لاعاتبه لكثرة تلهفي لمجالسته. لكني أدركت ذات يوم انه كان يصل قبلي لكنه يتعمد الوقوف بعيداً لمراقبة ما إذا كان أحد يتبع خطواتي، وهذا تدبير اتخذه نظراً الى وضعه على لائحة التصفيات من جانب النظام السابق، الذي كان يدرك أن أمثال فاضل المسعودي هم الذين يشكلون خطراً فعلياً عليه.

ولا يزال فاضل المسعودي لا يرد على هاتفه إلى أن يسمع عبر المجيب الآلي صوت المتصل، فيرفع السماعة. وهذا مرده حساسيته الشديدة من غليظي النفوس ومغلقي العقول الذين يحرص على الابتعاد عنهم.

في لقاءاتنا غالباً ما كان يستهل حديثه معي بالشكوى من رموز المعارضة في الخارج، الذين كانت تضنيه محاولاته المستمرة للم شملهم وتوحيد كلمتهم، لكن الحديث سرعان ما كان يتحول إلى التاريخ، الذي يحفظ وقائعه وأحداثه بحضور ذهني ومعرفة قلّ نظيرهما.

اعتاد التعايش مع الخيبات والطعنات وقلة الوفاء التي كانت تدمي قلبه وتمعن في وهن صحته يوماً بعد يوم. ولعل الخيبة الكبرى التي عاشها أخيراً هي حال الفوضى والانقسامات والجهويات والعصبيات التي دخلت فيها البلاد بعد 17 فبراير.

أجمل ما قيل في هذا الرجل الذي اختار المنفى مبكراً ولا يزال، هو ان فاضل المسعودي هو الليبي الذي لم يحكمه القذافي يوماً. من لم يعرفه، يكون قد افتقد بوصلة مهمة تدل على الشرفاء والمخلصين والمناضلين الفعليين من اجل وطن ديموقراطي يتمتع مواطنوه بحقوقهم كاملة.

فاضل المسعودي... اجد نفسي دائماً مقصراً تجاهك. اطال الله بعمرك ومتعك بالصحة.
عن صحيفة الحياة اللندنية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات