تاناروت يشعل حرباً من نوع آخر في بنغازي

خليل الحاسي |
خليل الحاسي

يسافر "وادي تاناروت" من داخل العمق الليبي، ينطلق من "الحمادة الحمراء" وبعد انتهائه جغرافياً، يواصل سفره الثقافي دون انقطاع نحو مدينة بنغازي. وبطريقة تشبه السحر يتناسخ في أرواح تشكل روافد بشرية لتجمع ثقافي، اتخذ له من دلالات تلك التسمية مشروع حياة يحتوي المكونات الثقافية الليبية في إطار إنساني يتجاوز حالة الاستقطاب والتشظي السائدتين.

تذكرني نجوم "تاناروت" التي يأسرها ليل بنغازي بين عضلاته، بأضواء الحفلات الموسيقية، والفعاليات الثقافية التي كان يقيمها الشعب البولندي لكسر إيقاع الموت أثناء الاحتلال النازي لأرضهم.

خلال الحرب العالمية الثانية، قامت قوات الاحتلال الألماني النازية بشن حرب على الحضارة البولندية، وأقامت المذابح الثقافية لنخبة بولندا من المثقفين والعلماء والأدباء، وتعرض إرث بولندا الثقافي لحملة تدمير واسعة وسط تلك الحرب. رغم كل ذلك، استمرت الحركة الثقافية البولندية في التنفس وسط الحرائق والدخان، وكثفت نشاطاتها السرية الثقافية أثناء الحرب؛ من الأعمال المكتبية إلى الحفلات والمسرح والموسيقى. لقد عرف المجتمع البولندي أن الحرب تقدم مشروع موت لن يهزمه إلا تقديم مشروع حياة مواز، تتبدى قوته في مخاطبته العميقة للوجدان الإنساني الذي يطمح للجمال والسلام.

تتجاوز الحروب في تأثيرها المخيف أثر البيوت المهدمة والشوارع المدمرة، لتدخل في حرب وجودية مع الثقافة والهوية للمجتمعات التي تتورط بطريقة ما في الحروب الأهلية والصراعات السلطوية والنزاعات الدينية، بذلك المعنى السابق تحقق الحرب تمايزها الكامل عن بقية الظواهر الإنسانية.

تقاتل ذاكرة الحرب ذاكرة السلم بشراسة لا مثيل لها، وتقاتل ثقافة الموت ثقافة الحياة بكل الطرق غير الأخلاقية. تحاول الحرب خلق ذاكرتها الخاصة عبر الإيغال في الألم والحزن والموت والدماء والدمار، والحط من قيمة الحياة إزاء شعارات الحرية والثورة. لكن ما يفصل بين انتصار هذه وانهيار تلك هو الأرشيف الكبير للتجربة الإنسانية، الذي يثبت النصر لدعاة السلام دائماً في نهاية المطاف.

تذبل الحركة الثقافة والفنية في مواسم الحرب، وتغير الحياة موقعها من مركز الاعتياد لتصبح مشروعاً للأمل. أثناء كل ذلك، تجود الصدفة بنبوءة جديدة، يلتقط إشاراتها بعض شعراء الحياة الذين يعيدون إعمار الإنسان، وإحياء الحالة الوجودية التي تبقي الناس على تواصل وطني مع أرضهم.

إن الانكباب على تنظيم الفعاليات الثقافية داخل مجتمع بات يفتقر لأبسط مقومات الحياة لا يعد نوعاً من الترف الفائض كما هو مشاع داخل الأفكار السائدة، ولكن الفعل الثقافي يبقى فعلا إنسانياً لا ملامح لحياة تبدو في غيابه، رغم أن الواقع السياسي الراهن قد يسبق الثقافة في مجالات كثيرة، لكن الثقافة تستمر في تشكيل باطن أرض ذلك الواقع المضطرد. ولم تأت ثورات "التغيير" إلا نتيجة للتراكم الثقافي في المنطقة.

بعد أن اختارت الحرب طريقها نحو مدينة بنغازي، وجدت الأخيرة نفسها وسط ما يحدث، لكنها دخلت في حرب من نوع آخر! حرب أمل وحياة أشعلها تجمع تاناروت تحت نار المدافع، ليخلق حصون ممانعة ضد التغيير السلبي المصاحب لأية ثقافة عنف مقدس، تتكلم باسم الوطن أو الدين أو الإنسان.

ولا يبدو تاناروت تجمعا ثقافيا ينشد تخليص المدينة من أثر الحرب وحسب، وإنما يبدو بصدد تطوير نظرية جديدة للعمل الثقافي الذي رفع الرهان الثقافي على نهوض الضمير المجتمعي من عجزه الوطني لأعلى ما يمكن.

يتحدث تجمع تاناروت عن التنمية الجمالية المستدامة التي تستهدف الفكر الإنساني الغارق في قبح الحروب وصور الموت وغيوم الانفجارات، لقد استطاع تجمع تاناروت في فترة زمنية خارج تقويم الحرب الانطلاق في هذا المشروع بخطى لا تخطئ الانتقائية الجمالية، ولا تحيد عن مسارب الشروط الثقافية التي تحافظ على الزخم والاستمرارية.

لقد دخل تجمع تاناروت بوعيه الثقافي ومسؤوليته الأخلاقية على خط الأحداث في مدينة بنغازي، فاندلعت حرب السلام والقراءة والفن والموسيقى والجمال، وقد كنت أفكر بالنخب الثقافية والإعلامية والحقوقية التي صادرها الإرهاب إلى منافي الغياب. لن يكون هنالك احتفاء أو تأبين أليق من بث حركة ثقافية إصلاحية ينتجها مشروع ثقافي مثل مشروع تاناروت. حركة ثقافية توطن أشجارها في أرض التضحيات المدنية التي تركها عبدالسلام المسماري، وسلوى بوقعيقيص، ومفتاح بوزيد. وغيرهم ممن اختاروا الشرف والأسطورة فغادروا نحو البقاء داخل حلم ذاكرتنا الوطنية.

عن موقع هنا صوتك

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات