أيها الشعب الليبي العظيم!

صالح قادربوه |
صالح قادربوه

بمخاض صعب، سبقته تضحيات كبيرة، وحركة جهاد محلية ضد توسع استعماري مدجج وشرس، تأسست (المملكة الليبية المتحدة)، وأخذت الدولة الجديدة بالنشوء الطموح، مع التركيز على التعليم والثقافة والعلاقات الدولية والمؤسسات الدستورية، وظهر النفط فبزغ أمل التنمية الموعودة وحلم مستقبل زاهر، مع حضور نخبة وطنية تحاول قيادة مشروع بناء المؤسسات بالجهد والمثابرة واستلهام تجارب العالم الناجحة، قدر الإمكان.

وكأي دولة وليدة كان في الحكم رجال فاسدون، ولم يكن السير مريحا بل تخللته الأخطاء والعثرات والصعاب. لكن الأمل كان موجودا بتحقيق جزء من المخطط له على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، ثم جاءت حركة ضباط 69 الذين انقلبوا على المشروع القائم بوعود الالتحام القومي والعدالة والحرية والرخاء، وتغيرت مع الوقت الواجهة إلى (الجمهورية الليبية) ثم (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى).

«ونظر الشعب لنفسه في المرآة ويده في جيوبه الخاوية من المرتبات، وقلبه الخاوي من الحرية والعدالة والوحدة الوطنية، واحتار الشعب هل هو رعية مملكة أو حاكم نفسه بنفسه أو مجتمع دولة مؤسسات يحكمها سلاح الميليشيات».

وتحقق الحلم الشخصي للحاكم الذي يدعي بأنه لا يحكم، وتوسعت نظرية حكم الشعب نفسه بنفسه، دون أن تحقق أي شيء مما تعد به؛ كونها شعارا سياسيا أكثر منها إجراءات ذات أثر إصلاحي، وتم تحطيم كل ما يمت للمملكة الليبية ونعتت بالنظام البائد والرجعي والعميل، وتجريم كل من يحكي عن ذلك الزمن بخير. بل وتغير حتى اسم الشوارع والمدارس والأسواق والمدن والشهور، تبعا لنزوات الحاكم الذي سلم الحكم للناس، الشعب السيد، لم تتحقق له أساسيات العيش المحترم، بالتضييق على الأفكار والمبادرات الاقتصادية والتميز الفردي والعمل الأهلي، فصار اسم كل مدرسة يسبقه نعت (جماهيرية)، وكل فصل مؤتمرا شعبيا أساسيا، ولا شيء يمر إلا بمباركة المثابة الثورية، وفرضت ضريبة الجهاد والدخل والضمان والبندقية إلخ..

وكان مرتب الليبي لا يكفي للإنفاق على نفسه ولا أسرته، ودخلت البلد في مواجهات مع كثير من أنظمة العالم، ودفع الشعب الضريبة الكبرى لكونه شعبا يحكم نفسه بنفسه، وينسجم مع فنونه وتراثه، وصار (الكتاب الأخضر) متصدر المكتبات والشاشات، لأنه أفضل وأروع وأهم ما كتب طوال مسيرة البشرية في اعتقاد الحاكم، وسخر زمرته للدعوة إليه والتبشير به. وذهب الشعب بعقوله وطموح أجياله إلى سطح المكتب ثم إلى سلة المهملات. وبعد كل هذا التنكيل، قال خبراء النظرية الجماهيرية إن الخلل ليس في النظرية بل في التطبيق. ونعت الشعب بأنه لا يستحق أفكار حاكمه، وأنه حتى لا يستحق هذا الفتات الذي يبقيه حيا بالكاد، وظل الشعب يحكم نفسه بنفسه من خلال مؤتمراته الشعبية ولجانه الشعبية والثورية. وظهر (الكتاب الأبيض) ثم (مشروع الغد)، وكان لزاما أن يذهب كل هذا الهراء التاريخي المخجل إلى الانهيار.

وجاءت انتفاضة فبراير، وصار اسم البلاد (الدولة الليبية)، ولا شرعية للجماهيرية ولا للمملكة، مع احتفاء خجول ببعض رجالات وأحوال زمن ما قبل 69. وبدأ التوسع في النشاط المدني إلى جانب التوسع في الجانبين الأيديولوجي والميليشياوي. وتغير اسم الشوارع والمدارس والأسواق وتوقيت الاحتفال بالمناسبات. ووعد رئيس المجلس الانتقالي بأربع زوجات وصرف ألفي دينار للعائلات لمرة واحدة في الحياة. وتواترت برلمانات وحكومات وتوسعت تنظيمات تكفيرية وإرهابية. وصار للبلد أربع حكومات. ولم يعد الشعب رعايا مملكة ولا حاكما لنفسه بنفسه، بل كل فرد مسلح يحكم ولا يحكم سواه. وكل ميليشيا تؤثر في الحراك السياسي أكثر مما يؤثر رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان.
عن موقع هنا صوتك

ونظر الشعب لنفسه في المرآة ويده في جيوبه الخاوية من المرتبات وقلبه الخاوي من الحرية والعدالة والوحدة الوطنية. واحتار الشعب هل هو رعية مملكة أو حاكم نفسه بنفسه أو مجتمع دولة مؤسسات يحكمها سلاح الميليشيات، وحضن الشعب المرآة وبكى مطولا، وهو يتابع هذا الجزء الثالث من تاريخه المعجون بالآلام، حتى صار لسان حاله يقول: (ليتني كنت ترابا من ترابك يا وطني)، ودخل الشعب خيمة صغيرة بالية وانحشر على بعضه فوق كراسيها وشرب الشاي المر، وشد على أيدي بعضه وعزى بعضه في بعضه، فهو الميت والمعزي، والوطن ملك للقتلة في كل عصر وحين، ولم يعد يسمع إلا صدى المقولة الخالدة (العزا واحد)، ولم تكن جنازة كبيرة والميت فأر، بل كانت بالفعل جنازة صغيرة والميت شعب!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات