تكالب!!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

ما يتبادر للذهن عند سماع لفظ «تكالب» هو تكالب على المال أو على المناصب السياسية أو غيرها، ولكن المعنى الشائع هو المعنى الثاني، خاصة عند وجود فراغ سياسي أو حراك سياسي عام مثل موسم الانتخابات، والجري وراء المكاسب ليست خطيئة، ولكن الخطيئة تكمن في طريقة الجري والتكالب.

يقولون تكالبَ على الشيء تكالباً، فهو مُتكالِب، وتكَالَبَ القومُ، أي تجاهروا بالعداوة؛ وتكالبوا على الأَمر: حَرَصُوا عليه؛ وتكالبوا على الشيءِ: تواثبوا كما تَفْعل الكلابُ، هذا ما يقوله المعجم الوسيط، أما معجم اللغة العربية المعاصر فيتناول الأمر من الزاوية التي نريد تناولها في هذه السطور، حيث «تكالبوا على المناصب، - تكالَب الناسُ على الدّنيا: اشتدّ حرصُهم عليها حتى كأنّهم كلاب».

ما يعنيني هنا وهو التكالب على المناصب ... ظاهرة الجشع والغلو في تصرفات بعض الشخصيات والكيانات المتطلعة لبسط نفوذها وبنرجسية مفرطة.

هذه جولة عابرة في قواميس اللغة كمحاولة لمعرفة معنى ومفهوم «التكالب»، خاصة ما يعنيني هنا وهو التكالب على المناصب، في نفس الوقت الذي وجدت البعض يذهب إلى تناول الأمر من زاوية أخرى، فيقولون إن التكالب أساسه التشبه بكلابات جراد البحر، وأظنها مقاربة جيدة ولكنها تأتي لاحقاً على التكالب للفوز بالسلطة وهو التكالب للتمسك بها بعد التكالب على نيلها والوصول إلى سدتها ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا النوع من التكالب، وإن كانت تشابكاتها وتكالباتها تعكس في جوهرها بعض الصور السيئة لطبيعة النفس البشرية.

كل ما أبتغيه هو محاولة متواضعة لتسليط الضوء على ظاهرة الجشع والغلو في تصرفات بعض الشخصيات والكيانات المتطلعة لبسط نفوذها وبنرجسية مفرطة، وسعيها المحموم نحو الاستحواذ على أكبر ما يمكن من «غنيمة» كراسي الوزارات والهيئات وغيرها من المناصب الإدارية، ومن ثم الهيمنة عليها لدعم تطلعاتها الشخصية أو التنظيمية، في محاولات مكشوفة لتكريس مشاريع الاستحواذ والسيطرة لأنهم يعتبرون السلطة «غنيمة».

وتزداد ظاهرة «التكالب» على المناصب السياسية والإدارية - بعد انتهاء مرحلة استبدادية ما - وبداية تشكل منظومة سياسية جديدة.

بداية أظن أن الأمر غريزي فكل «أناة» ترى أنها الأجدر والأفضل، وغريزة السلطة والاستحواذ والسيطرة قائمة ومتمثلة في «نظرية القرد المسيطر» في عالم الحيوان وأظن باقية وتفعل فعلها في عالم البشر إذا لم يحكمها الإنسان ذو العقل الراشد.... (لك فيها ملك لا يبلى) (غريزة).

ولا بأس من التأكيد على أن السعي إلى المناصب أمر وطموح طبيعي مشروع، ولكن «التكالب» هو الظاهرة المرضية وهو المعني بالانتباه له وعلاجه وربما كانت الخطوة الأولى هي توصيفه ومحاولة البحث في مكوناته حتى يتسنى التعامل العاقل مع هذا الأمر.

فالملاحظ أنه بعد مرحلة زمنية سادها الاستبداد، الذي اتسم بأن السلطة والمناصب حكر على الحاكم وحاشيته والمطبلون له، فالسلطة بمفهوم المستبد تعني السيطرة الكاملة للثروة ثم توزيعها على الموالين وعبدة المال وبائعي الضمائر.. وبعد عقود يتحول الأمر إلى استمراء وارتباط وثيق بـ«الغنيمة» و«الوجاهة» وتسود ثقافة ونمط سلوك للحصول على المال بأي شكل كان من خلال أبجديات «الفساد» والرشاوى والعمولات وسرقة مباشرة للمال العام.. ولكل ذلك نلاحظ أنه يصعب على الممسكين بالمناصب التنازل عن المكاسب المادية والمعنوية والاجتماعية المتمثلة في الحظوة لدى أهل السلطة الأعلى ولدى عامة الناس الذين يسعون لقضاء حوائجهم من خلال صاحب المنصب أو السلطة.

ورغم أن المتكالب يعرف أن هذه الحظوة زائفة تزول بزوال المنصب، وباعتراف المتكالبين أنفسهم، ولكن التكالب لا يتوقف، وتبقى عقلية الغنيمة فاعلة ومسيطرة، ويحضرني هنا قصة موت حمار القاضي، حيث حظي بجنازة مهيبة، ولكن عندما مات القاضي لم يحضر جنازته إلا نفر قليل من الناس.

نلاحظ أنه يصعب على الممسكين بالمناصب التنازل عن المكاسب المادية والمعنوية والاجتماعية المتمثلة في الحظوة لدى أهل السلطة الأعلى ولدى عامة الناس.

.. نأتي بعد ذلك إلى عامل آخر مهم، وهو فراغ السلطة بعد انهيار النظام، حيث يكون الازدحام للفوز بملء ذلك الفراغ وتصدر المشهد كما قال لي صديق وشبه الأمر بالقول المأثور«المال السايب يعلم السرقة»!! أي الفراغ السياسي يولد التكالب والتهافت على شغل ذلك الفراغ والأغلب أن يتم ذلك ممن لا يستحقون.

اليوم ومن خلال تصادم المتكالبين ها هو الربيع العربي بعد أن كان حلماً وردياً يتحول إلى خريف تتساقط فيه حتى ورقة التوت عن كثير من الشخصيات وأظهرت الأيام حقيقة نزعتهم الشخصية ونرجسيتهم وتكالبهم، كما ثبت أن الاستبداد لعقود وقرون لا يترك وراءه إلا نفوساً مريضة بنفس نرجسية المستبد.

فالسلطة بالمفهوم المتخلف هي غنيمة تدر على أصحابها الجاه والثروة والقوة وإشباع النزوات والغرائز.

المتكالب لا شك أن لديه مواهب!!.. إنه يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف ولا يفوته التعامل بأبجدية النفاق لتحقيق مآربه.

ولأن التكالب لا يترك مجالاً لأي تنافس شريف. وسماته الغدر والغمز واللمز والتخوين والتفسيق والتبديع بل والتكفير... وجوهر أدواته هي «الضرب تحت الحزام»، دون أي اعتبارات أخلاقية، كل ذلك يجعل مَن يستحقون المناصب وأهل الكفاءة يتراجعون إلى الصفوف الخلفية ولا يظهرون في المشهد.

إن «أهل التكالب» لا يعلمون أن أعظم الناس أجراً، وأنبههم ذكراً هو مَن لم يرض إلا بترسيخ قيم العدل وتقديم الأصلح، وأنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده أو دونه.. كتبت هذه السطور وأنا أرى ما يحدث خلال تكوين حكومة الوفاق وما قبلها.

عافانا الله وإياكم.. وعاشت بلادنا عصية على كل متكالب.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات