أهل الوصاية

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

يذهب اعتقادى إلى أن هذه المفردة"أهل الوصاية" يجب أن تمثل هاجسا كبيرا لكل ذي عقل حر يتوق إلى الحرية والكرامة الإنسانية.

فبعيدا عن معنى الوصاية، أي الولايةُ على القاصر ضمن نظام قانونيّ لحماية القُصَّر، وهم الذين لم يبلغوا سِنّ الرُّشْد؛ وبغض الطرف عن معناها السياسي، أي "بلد تحت الوِصاية" أو بلد ليست له سيادة كاملة للتصرَّف في شؤونه وتحت وصاية دولية من دولة أخرى أو من"الأمم المتحدة"... فليس كل ما سبق من تعريفات ومعانٍ هو ما أود الإشارة إليه.. فالذي يعنينى هنا هو ما يمكن لنا أن نشير إليه بـ"الوصاية على العقول". تلك العلامة الواضحة والبارزة كسمت سائد فى موروثنا الثقافي.

هذه اﻵفة التي تنتشر بشكل كبير في واقعنا اليوم كما شغلت مساحة كبيرة من تاريخنا السياسي والفكري ولها مساحتها المعتبرة ضمن موروثنا الثقافي رغم أنها مخفية بغطاء من المقوﻻت الفضفاضة سواء كان مصدرها الدين أو العرف.

ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة دينية خصته بها السماء دون المسلمين ونزهته عن النقد والسؤال وإحاطته بسياج العصمة والقداسة

وعبر التاريخ كان "أهل الوصاية على الدين" نموذجا بارزا للوصاية على العقول، وهو أمر معروف في التجربة البشرية وليس لصيقا بنا فقط. فعلى المستوى الإنساني كانت تلك الآفة سائدة في الدول المتقدمة اليوم خلال مرحلة العصور الوسطى.. حيث كانت الكنيسة تتبنى مع ملوك أوروبا نظرية الحق الإلهي، وعانت أوروبا الكوارث والمظالم باسم الدين حتى جاءت الثورة الفرنسية لتكسرقيد الوصاية الدينية؛ ولكن ﻻحقا وحديثا عادت الوصاية على العقول بشكل مختلف وتبنتها الفاشية والنازية باسم (العرق اﻵري والصفوة النازية)، أما لدينا فهي راسخة ومستمرة في حضورها حيث تتبدى في أهل الوصاية على الدين عبر التاريخ كما تبدت حديثا لدى دعاة القومية باسم الزعيم والقائد التاريخي، وغير ذلك من المسميات التي تشرعن الحجر والوصاية على عقول الناس.

وعلى الرغم من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي حصلت في العالم على كافة الأصعدة ونلمسها ونراها أمامنا واقعا ﻻ زال هناك من يتبع خطى السابقين وﻻ زالت موجات ظهور إفرازات لنماذج متكررة من الأوصياء علينا يطرحون أنفسهم تحت مسميات عديدة.. ولعل أشدها خطورة ، السعي إلى استنبات واستنساخ الوصاية الدينية وادعاء امتلاك الحقيقة، من خلال"أهل الفرقة الناجية" و"أتباع السلف الصالح"!.. إلخ
الذين يتبنون لغة المصادرة وتقديم الإجابات النهائية والادعاءت المطلقية والفهوم النهائية التي تحاول إحكام قبضتها على العقول!.

وأمام واقعنا الليبي المأزوم أظن أنه حان الوقت للقول بأنه ليس من حق أحد"فردا كان أو جماعة" أن يقف أمام الناس ويقول جازما أنه يحتكر الحقيقة وأنه الممثل الحصري للدين وأنه الوصي عليه شرحا وتفسيرا وتأويلا ﻷنه ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة دينية خصته بها السماء دون المسلمين ونزهته عن النقد والسؤال وإحاطته بسياج العصمة والقداسة، كما يحاول المفتي ودار اﻻفتاء ومشائخها اﻻيحاء به من خلال البيانات التي تأخد بشكل واضح طابعا سياسيا منحازا.

ذلك المسلك هو ما نقول عنه أنه الوصاية على الناس من الناحية الدينية، فعندما يكون هناك اختلاف يبادر أولئك ويكيلون الاتهامات لمخالفيهم ويتحول الأمر من قبول أو رفض للرأي والاجتهاد ليصبح إيمانا بالله أو كفرا به ودعما للإسلام أو طعنا فيه. إنه ادعاء امتلاك الحقيقة وأول الطريق للاستبداد. بل إن أشد أنواع اﻻستبداد وأكثرها دموية هو الاستبداد الديني.

وفي نفس الوقت، ومن باب الإنصاف، أشير إلى أن هناك انعكاسا لتلك الآفة على العقل الجمعي بشكل عام، حتى أننا نرى أهل الوصاية ممن يهتمون بالشأن العام يوزعون صكوك الوطنية تحت شعار كل من هو معهم فهو وطني ومن يخالفهم فهو عميل وخائن وتتحول المسألة إلى حب للوطن أو خيانة له ويعيش إنساننا بين مطرقة التكفير وسندان التخوين.

في مجتمعنا هناك من يريدون للعقل أن يظل أسيراً مقموعاً ومضطهداً اعتقادا واهما أن المجتمع الفاضل هو الذي يصغي أفراده فقط لمن نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه

إن الوصاية على العقول هي بمثابة احتلال لها وهي أشد وطأة وخطورة من تجليات الدكتاتورية فى جانبها السياسى .. إن الإصرار على الشعارات الفضفاضة وإطلاقية النصوص ليس إﻻ رهانا خاسرا على قول فضفاض ﻻ يقدم حلا للواقع البائس؛ وهو رهان خاسر ﻻ محالة ﻷنه يتجاهل ضرورة التأويل المتجدد بتطور الحياة واﻻستفادة من التجربة البشرية.

إن ما يمارسه أهل الوصاية على الدين تحديدا وجحافل المغيبين بالشعارات التي تنساق وراءهم خير دليل على أنهم لازالوا يراوحون في المكان المظلم، ويطيلون أمد تاريخ الظلام وفرض الممارسة القمعية على مخالفيهم، فالديكتاتوريات ليست في اﻻستبداد السياسى وقهر الإنسان بقوة السلاح فقط. تلك دكتاتورية واضحة وظاهرة ولكن الدكتاتورية المبطنة والمغلفة بشعارات المقدس هي الأخطر.

في مجتمعنا هناك من يريدون للعقل أن يظل أسيراً مقموعاً ومضطهداً، اعتقادا واهما أن المجتمع الفاضل هو الذي يصغي أفراده فقط لمن نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه. أظن أن الواجب يحتم علينا اﻻعتراف بأن انعكاس تاريخنا القمعي ترك بصماته بشكل واضح على نمط تفكيرنا ورؤيتنا للحياة.

وفي اعتقادي أن الكثيرين منا ينتسبون إلى السلالة الديكتاتورية خالفا عن سالف في متوالية لم تتوقف إﻻ في ومضات قصيرة في تاريخنا.. ومنهم من كان من سدنة الحكام الطغاة، فلا يرون صواباً في الرأي سوى صواب آرائهم التي يحاولون المنّ بها علينا بطريقة الترغيب الزائف، وإنْ تم اﻻختلاف معها وحولها سعى الأوصياء لفرضها بالترهيب وبالأدوات المتاحة لأي ديكتاتور، فلا نرى منهم إلا الأحكام المعدّة سلفاً والجاهزة للاستخدام المباشر من قبيل إطلاق الصفات المستقاة من التكفير والتخوين والعمالة؛ إلى ما هنالك من السيمفونية التي مللنا سماعها، وباتت ضجيجاً ينزعج منه الضجيج نفسه ويبقى أخيرا أن أشير إلى أبرز معالم هذه الظاهرة التي لم تكتف فقط باحتكار الوصاية على الحقائق المطلقة بل تطورت إلى ممارسة سياسة استبدادية تعتمد"العنف المقدس" فيما يعتقدونه رسم"الطريق القويم" وتصحيح المعوجين عنه بقوة السيف والاستئصال لتبقى حياتنا شكلاً من أشكال العبثية المدمرة.

إنً المبادرة إلى رسم مسافة واضحة بين الدين وقيمه السامية وبين محاولات تسخيره لأغراض ومصالح سياسية بات ضرورة حياتية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات