حرابة النفط

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

المخاطر المتشابكة التي تواصل تعطيل إنتاج النفط الليبي التي لانلحظ تداعياتها في انسحابه من السوق البترولية المتخمة بالفائض العالمي حتى هذه الأشهر الأخيرة من عام 2015 يمكن محورتها في ثلاثة أضرب حسب(جوليا باين) في مقال لـها نشرت(العرب) ترجمة له في 14. 5. 2014 ، ورغم فوات سنة على نشره، إلا أن هذا لايمنع من عدّه، مع إضافة ما استجدّ من تطوّرات على الوقائع الجوهرية التي رصدها، إطارا ملائما للنظر"سوسيولوجيا" في ظاهرة عودة الأطر التقليدية لأنماط الكسب أو المعاش المصحوب بالنهب والعنف الذي عرف تاريخيا بـ"الحرابة". والذي يجري تحديثه سياسيا فيما تشهده ليبيا من فوضى معمّمة منذ اندلاع الثورة عام 2011.

فالأزمة السياسية التي نشبت بين الحكومة و(المؤتمر الوطني العام) هي ما عطّلت اتخاذ القرار بالتعامل مع المحتجين، الذين كانت مطالبهم في البدء محدودة، ولكن التشاحن السياسي داخل البرلمان السابق(المؤتمر الوطني العام) زاد الأمر تعقيدا وهو ما أعجز الحكومة التي دخلت في تسويّات ملتبسة مع الميليشيات التي تبنّت المطالب الاحتجاجية أن تفرض القوّة القاهرة على مؤاني التصدير؛ وهو ماجرأ الميليشات على عقد صفقة تصدير مباشر تم إيقافها بتدخّل دولي. بل تحوّلت الأزمة السياسية بعد ذلك إلى فوضى مؤسسيّة قسّمت البلاد بسبب وجود برلمانين يتنازعان الشرعية. وهو نزاع مازال يتفاقم إلى مزيد من الانشعاب بين الأطراف المهيمنة في البرلمانين، مما فتح المجال للأطراف المتشدّدة في كلا الجانبين لإعاقة جهود بعثة الأمم المتحدة المدعومة من المجتمع الدولي في الوصول إلى حكومة توافق وطني.

كما صاحبت هذه الأزمة السياسية، الاضطرابات الأمنية التي ما انفكّت تجتاح البلاد في ظل هيمنة فصائل متناحرة من مقاتلي المعارضة السابقين مصحوبة بانتشار مفرط للسلاح، وغياب جيش مؤهل ومدرّب على الأرض. الأمر الذي فتح المجال تحت غطاء قبائل محلية لسيطرة ميليشيات- اصطنعت بعد الثورة- في شرق البلاد وغربها وعلى حقول النفط والأنابيب وموانيء التصدير الكبرى في الشرق للضغط على الوجود الافتراضي للدولة. ومما زاد الأمور الأمنية تعقيدا دخول تنظيم(داعش) في الأشهر الأخيرة الماضية، على الخط بالإحكام المتزايد لسيطرته على(سرت)، والبلدات المجاورة لها والتي منها يشّن بين الفينة والأخرى ضرباته المخرّبة في الحقول والمؤاني النفطية.

النمط "الإتاوي" الذي استنتّه الميليشيات القبلية مع الحكومات المتتابعة مقابل حماية حقول وموانيء تصدير النفط التي تقع تحت حيازتها الجغرافية هو ما أسماه(خلدون حسن النقيب) بـ" إتاوات الحماية" معتبرا إيّاها في كتابه:"الدولة والمجتمع في الخليج والجزيرة العربية" استنادا على(بولانائي) شكلا من أشكال إعادة التوزيع Redistributive enterprises)) أو، بمعنى أدق، الدخل المعاد توزيعه اجتماعيا، بحيث يصعب، كما هو حادث الآن في الحالة الليبية، التفريق بين الرسوم المتحصلة عن ترتيبات الحماية؛ التي تظهر بعد إعاة تدويرها في شكل مهايا ومرتّبات ووظائف، مستحقة وغير مستحقة، وبين شكل الأسلاب المنتهبة في الأنساق الحرابية التقليديّة.

فقادة الميليشيات، حسب ماورد في المقال، يتفاوضون على مرتبات ومتأخرات تخص أنصارهم الذين كانوا يعملون في حرس المنشآت النفطية قبل أن ينشقوا في 20 أغسطس2013 للسيطرة على الموانيء في شرق البلاد ويقدر عددهم وقت ذاك بما يصل الى 4 آلاف شخص. أما القبائل، فمطلبها الواضح، حسب ماأوردته(صحيفة الوسط الألكترونية): منح أبنائها الذين تربو أعدادهم منذ سنة في غرب البلاد فقط عن 2000 شخص، وظائف وهمية في حقول وموانئ النفط ، علما بأن المؤسسة الوطنية للنفط قد قامت سابقًا تحت الضغوط الاجتماعية المحليّة بعد الثورة الشعبية عام 2011 بتوظيف 20 ألف شخص من أبناء القبائل في الشرق، ضاربة عرض الحائط بالتحليلات الصائبة والتي لم ينتبه إلى استبصاراتها الاقتصادية في تأثير النفط على المجتمع، التي أبداها منذ أكثر من أربعة عقود الاقتصادي الليبي( علي عتيقة) في كتابه(أثر البترول على الاقتصاد الليبي: 1956-1969 ) منشورات دار الطليعة ببيروت، بأن"النفط ليس مجالا اقتصاديا مثاليا لاستقطاب اليدّ العاملة" حتى المدرّبة منها؛ فمابالك بمنعدمة التدريب وغير قابلة له في ظروف الفوضى السياسية الراهنة.

بالرجوع إلى أوراق قديمة، كنت أعددتها محاضرات في النظرية الاجتماعية الخلدونية لطلبة قسم الفلسفة بداية أعوام التسعينيات من القرن الماضي وجدت توصيفا لهذا النمط الحرابي، الذي نعت ممتهنوه بـ"الفلاّقة" في أزمان الفوضى الليبية، ماقبل ظهور النفط في كتاب(العصبية والدولة) للفيلسوف(محمّد عابد الجابري)، الذي يصف هذا النمط من المعاش بــ"الاقتصاد القائم على الغزو" وهو ماسيحدّده لاحقا بلغة الاقتصاد السياسي(سمير أمين) بأنه" نمط طرفي في التشكيلة الخراجية" أو بالأحرى الريعية تحديدا له عمّا وصفه(كارل ماركس ) بغموض في تنظيره لـ" نمط الإنتاج الآسيوي" وهو كما يراه(الجابري) نمط شاذّ في(الكسب)، وشذوذه يرجع لكونه أولا و بلغة (إبن خلدون):"مذهب غير طبيعي في المعاش"، فالقوى التي يقوم عليها حربية في عمومها عزّزها- في حالة الميليشيات الليبية- الاستحواذ على السلاح القتالي، الذي مكّنها بأن تلعب دورا ليس فقط في سياسة النفط بل في عموم السياسة الاجتماعية بعد التحوّل السياسي العاصف في ليبيا عام 2011. بدءا بتبنّي دعاوى سياسية تمثّلت في المطلبية الفدرالية، التي تجاوز دعاتها في الشرق الليبي المحاصصة السياسية للمطالبة بنصيب مستقل من الإيرادات النفطية، يتّم تخصيصه بشكل مباشر لمنطقة ترى أنها تجيء في مرتبة ثانوية حين يتعلق الأمر في الماضي بإنفاق الدولة أو بما ادّعاه رأس النظام السابق في شعاره الغامض بـ"توزيع الثروة" بينما لايزال تقسيم الثروة النفطية كما ترى(جوليا باين) من أسباب الخلاف الرئيسية حتى بعد انتصار الثورة في 17 فبراير 2011.

ثم إن العلاقات السائدة في هذا النمط من النشاط كما يبيّن(الجابري) ثانية: هي علاقات عصبية ، فالتلاحم العصبي هو الذي يؤطر، ويقنّع، سعي الجماعات القبلية المستقلة، نحو أقصى مفاصل السلطة، والأهمّ أوسع الامتيازات الناتجة عنها، وفي مقدمتها: الريع، أي الثروة الجاهزة أو ما أسماه(الغنيمة) الأقنوم الثالث المؤسس للعقل السياسي العربي في تنظيره اللاحق.

إن الاقتحام القبائلي، كنظيره الأيديولجي"الديني" للمشهد السياسي عبر بوّابة الريع النفطي بعد ثورة 17 فبراير 2011 هو ما أدخل بدوره(المشائخ) ومن ينوب عنهم كـ (رؤساء المجالس المحلية) بما يتجاوز دورهم كوسطاء، بل فاعلين أساسيين ليس فقط في السيطرة والتحكّم في المورد النفطي في المناطق التي يسيطرون عليها، بل أيضا في فرض وزراء في الحكومة، التابعة للبرلمان المنتخب أخيرا بعد انضواء الميليشيات تحت مظلّتة الشرعية، ومؤخرا تمرير نائب أول لهم في"حكومة التوافق" المقترحة من طرف"المندوب الأممي" يضمن مصالحهم التي صارت إلى حدّ ما متضاربة مع توّجهات الجسم الفيدرالي في الشرق الليبي.

في الإطار الأنتروبولوجي المقارن الذي وضعه(المنصف ونّاس) في كتابه"الشخصية الليبية"بين البداوتين ويعني"القبائليتين" اللّيبية والخليجية التي وصفها "بالبداوة الذكية والبرغماتية" أشار إلى: اكتفاء "الخليجية" بالاستفادة من الريع البترولي؛ مندرجة في سياق المنطق الزبوني، أي مقايضة الولاء بالمنافع الماديّة بتوطّد علاقتها بنظم الحكم - فيما أسماه(النقيب) في كتابه( آراء في التخلّف) بـ"ترتيبات القبلية السياسية"- مع حرصها على التمتّع بقدرة واضحة على فرض نوع من الاستقلالية، والحصانة الاجتماعية اللتين تجنّبانها التورّط في السياسات العنفية أو القمعية لأنظمة الحكم. عكس القبائلية الليبية التي تورّطت بعمق في حقبة الدولة الاستبدادية(القذافية) بدءا من عام 1976 في القمع السياسي وفي الصّراع بين الحاكم ومعارضيه وفي عملية إهدار الدّم وتسيس العنف، بل المساهمة، مع عوامل أخرى، في تمديد بقائه على رأس السلطة بالتسويغ الاجتماعي للمخطّطات الصراعية البينية التي رسمها بإحكام لتأليب القبائل ضدّ بعضها البعض. وإذا كانت"القبيلة الليبية" التي استدرج النظام السابق قبائليتها فيما دعاه(ونّاس) بـ"إعادة إنتاج البدونة السياسية" عبر"الآليات الزبونية" بمشاركتها له في تنفيذ المراقبة الإدارية عبر"اللجان الشعبية" والسياسية عبر"المؤتمرات الآساسية" والأمنية عن طريق"اللجان الثورية"، إلاّ أنّه لم يسمح لها إطلاقا بأن تشاركه استحواذه على مراقبة إنتاج النفط وتصديره والتصرّف في ريعه في هذه البلاد الصحراوية الشاسعة، وهو الأمر الذي تقوم به الآن بالشكل الحرابي البدائي في ما نقلته الكاتبة(جوليا باين) عن مصدر نفطي ليبي بأن"القبائل تتابع في الصحراء أي نار مشتعلة في الحقل… فإن رأتها علمت أنه أعيد فتحه فتعود لتغلقه من جديد".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات