حمراء وجراية!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

رغم الواقع البائس ﻻ زال هناك من يفكر ويبحث عن حلول مثالية وهمية لواقع مأزوم حتى الثمالة!؟ وكأنى بهم يجسدون مطلبا شبه مستحيل بل مثلا شعبيا طالما سمعناه كثيرا يقول:

(حمراء وجراية، وماتاكلش الشعير!؟) يضرب هذا المثل لمن يطلب اللامعقول بحيث يريد اقتناء فرس لونها أحمر جميل وسريعة الجري وﻻ تأكل الشعير! وﻻ أدري من أين ستأتي بالطاقة اللازمة للجري السريع!؟

هذا تقديم أردت به الدخول إلى موضوع يتناول العمل الممكن القيام به ونستطيع تحقيقه واقعا في ظل ظروف استثنائية يمر بها الوطن.. حيث ﻻ زلت أرى غياب مفهوم (إن السياسة هي فن الممكن) وأن النتائج المرجوة تأتي تراكميا، وليس دفعة واحدة.

وطالما تساءلت، لماذا يذهب بنا تفكيرنا إلى اﻻستماتة في البحث عن الحلول المثالية دونما تروٍ وتدبر وإدراك أن ذلك أمر صعب التحقيق ويذهب بنا إلى الإحباط واليأس ونعود لدائرتنا المفرغة التى محيطها متشبع تاريخيا بمقولة الخضوع المتكررة"الله غالب" ويبقى كل شيءعلى حاله!!

"لماذا يذهب بنا تفكيرنا إلى اﻻستماتة في البحث عن الحلول المثالية دونما تروٍ وتدبر"

إن وهم انتظار البطل المخلص هو أحد الحلول المثالية الوهمية الذي يعفينا من تحمل مسؤوليتنا ويجعلنا مستلبي الإرادة وليس لدينا القدرة على مواجهة واقعنا المأزوم، بل ونمنح بغباء سلطة الأمر الواقع اﻻستبدادية وبشكل ساخر سيطرة أكبر علينا، ولن يبقى أمامنا إﻻ مسار التشاؤم واليأس!؟

خطر ببالى هذا الأمر ونحن نبحث عن أسماء للترشح لرئاسة حكومة الوفاق الوطني حيث ﻻحظت من الكثير وكأنهم فى حالة بحث عن بطل منقذ ذي قدرات أسطورية ليخلص الوطن من كبوته، هكذا.. وكأنه يملك عصا موسى!؟ نبحث عن رجل صاحب قدرات خارقة متوهمة فى عقولنا وغائبة عن واقعنا!!!!؟

أتفهم منحى أولئك الحالمين.. ﻷن الأمر، في ظني، جزء من ثقافتنا الموروثة متغلغل في العقل الجمعي الذي يحتفي أيما احتفاء بعنترة وصلاح الدين ووو...إلخ.. متناسين أن عالم اليوم تمضي حياته وميكانيزم حركته بيسر وتوفيق بفعل العمل بروح الفريق إضافة إلى الإبداع الفردي

أذكر هنا ما قاله المفكر إبراهيم البليهي في مقال له:

إن الإنسان لا يولد بقدرات، وإنما يولد بقابليات والقدرات يجري تكوينها وبناؤها من المهد إلى اللحد. لذلك تبقى هذه القدرات دائماً في حالة تغير وصيرورة ولا يمكن أن تبلغ الكمال، فالإنسان يموت قبل أن يكتمل. بل قد يتراجع إذا امتد عمره، وحتى إذا كان حظ الفرد سعيداً واقتربت قدراته من النضج فإن هذا الاقتراب لا يعني بلوغ الكمال، بل يبقى الافتقار إلى التوازن ملازماً له في كل مراحل العمر. فإذا حقق نجاحاً خارقاً في مجال فإنه في الغالب لم يحقق ذلك إلا بالاهتمام القوي المستغرق وهذا يعني أن كل اهتمام شديد بشيء هو انصراف عن أشياء أخرى تستحق الاهتمام. فطاقة الإنسان محدودة. فكل انشغال بشيء هو إهمال لشيء آخر، فالإنسان قد يكون متألقاً في بعض المجالات ويملك حدساً خارقاً فيها لكنه يكون أعمى البصيرة في أشياء كثيرة لم يوجِّه إليها اهتمامه، أو كان اهتمامه بها ضعيفاً..

وبناء على ما سبق نستنتج أنه لم يعد العمل الناجح يعتمد على القدرات الفردية فقط ولكن الأجدى هو العمل بروح الفريق. لذا أقول لن تجدوا الفرد الكامل الشامل المعجزة وأنتم تبحثون، ولكن لتكن اختياراتكم عملية واقعية ولتكن حكومة روح الفريق هي الهدف وبرنامج عمل يحدد مسار الطموح المرجو من تلك الحكومة..

وﻻ أظن أن هناك ما هو أهم من أولوية الملف الأمن والملف اﻻقتصادي.

أتفهم أنه مع زيادة حدة التأزم والانقسام السياسي وشعور قطاع عريض من المجتمع باليأس والعجز تجاه الواقع المأزوم، جعل الناس تتمنى وجود ذلك البطل الذي ينقذهم مما هم فيه. وﻻحظت ارتباط ذلك الرجاء حينا في الفريق حفتر والجهة المقابلة ربطته ببعض رموز جماعة فجر ليبيا وأخيرا ظهرت دعوات لعودة سيف القذافى!!؟

"الإنسان لا يولد بقدرات، وإنما يولد بقابليات"

يقينى أنه اليأس وﻻ شيء سواه... فبعد سقوط رموز ظهرت إبان الثورة وسقوط قيادات دينية تسترت طويلا بأنها التي«تخاف ربنا»، واتضح أمام قطاع واسع من الناس حجم الكذب والخداع اللذين روجهما قادة الأخوان والمقاتلة، عاد مرة أخرى الحلم خلال البحث عن المترشحين لمنصب رئيس حكومة الوفاق الوطني طمعا لإخراج الشعب مما هو فيه؟

صحيح أن في التاريخ الوطني لكل الشعوب زعماء مُخَلِّصين وقادة كبار كان لهم دور مؤثر في واقعهم وتركوا بصمة سياسية جيدة، ولكن ذلك حدث ﻷنهم عرفوا أن الحياة السياسية يحركها(فن الممكن)، وﻻ يمكن أن نبرر الحنين الطفولي إلى البطل المنقذ وخرافة العادل المستبد.

نعم هناك حالة إحباط من السياسيين والعملية السياسية، وهناك استدعاء شعبي لصورة الرجل القوي الذي سيخرج البلاد مما هي فيه، وهي حالة موجودة لدى الكثير منا الذين نسوا مواقعهم كمواطنين فاعلين.

رئيس الوزراء المأمول الذي يتمناه البعض لن يحل المشاكل بمعزل عن الناس، ولن يساعده فى مهمته ملائكة، إنما من خلال أفراد وقوى سياسية هي جزء منا.

"رئيس الوزراء المأمول الذي يتمناه البعض لن يحل المشاكل بمعزل عن الناس"

لا يجب أن ينتظر الناس مخلصاً حاملاً حلاً سحرياً، ولا يتصوروا أن هناك فرداً، مهما كانت قوته وشعبيته، يستطيع أن يغير الأوضاع إذا لم يترافق ذلك بإيجابية الناس، والإيجابية هنا تعني جميع الأطياف المؤيدين والمعارضين، فكلاهما يمكن أن يؤسس لسلطة جديدة لا يحتكرها أحد ومعارضة لا يكون هدفها الوحيد إفشال من في السلطة.

ﻻ مجال اليوم أمامنا لمهدي منتظر وﻻ لمسيح مخلص وﻻ لزعيم منقذ. إذ لا وجود لزعماء مخلصين بالعالم أجمع، وفكرة الزعيم انتهت من العقول. فالتقدم الحاصل فى الاتصالات والتكنولوجيا بات يوفر كافة المعلومات للجميع ليصبح الناس زعماء أنفسهم تتوفر لهم بقدر كبير كافة إمكانيات المعرفة والتفاعل والتواصل لتصل آراؤهم إلى من يعنيه الأمر, هم بحاجة فقط لمدير إدارة ناجح، لا أكثر ولا أقل.

هل وقعت أنا بدورى في الفخ!!؟ أريدها حمرا وجرّاية وما تاكلش الشعير!؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات