كتابة المحسنات

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

تأسرنا المحسنات البديعية البلاغية ولا نبحث عن المعنى.. رغم أن المعنى هو جوهر الكلام وقيمته بينما الألفاظ والمحسنات البلاغية هي الشكل، وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ الشكل لا زال يأسرنا ولا زلنا ننتشي بالجناس والطباق والتورية ووووو... إلخ.

المحسنات البلاغية مقبولة ولا شك لتحسين الشكل والاقتراب من حافة الإعجاب والقبول، ولكن أظن أن هناك مَن لا ينتبه إلى أنَّ ذلك، لو زاد عن حده، يصبح الكلام متكلَّفًا وتصبح المحسنات البديعية زينة شكلية لا قيمة لها. بمعنى أن الكلام إذا لم (ينتج معنى) يبقى كلامًا عابرًا تذروه الرياح!

يقول محمد نور الدين أفاية.. (يصعب تصور كتابة خارج مجال من التوتر والصراع، سواء كان هذا الصراع نفسيًّا أو اجتماعيًّا أو قيميًّا أو حضاريًّا. لأنَّ الكتابة ترجمة لحالات الصراع المختلفة بهدف (خلق المعنى) وإقصاء المبهم. إنَّها تحضر ضمن سياق إلغاء ما يتعيَّن تغييبه. وتنتصر على اللغة من خلال «تشكيل الكلمات الضرورية لصياغة المعنى».

أعرف أنَّ ثقافتنا ثقافة سماع ومشافهة كما يقال، وأن تاريخنا يقول إنه كان لدينا سوق للكلام تتبارى فيها المتنازلون في السجع والمدح والهجاء..وو... إلخ؟ وهنا لا تثريب على ما يكتب شعًرا وأدبًا إذا اشتمل وغص بالمحسنات البديعية.. فمن حق المبدع أن يصور موقفه أحسن تصوير ليقترب من المتلقي، ولكن في السياسة والشأن العام يبقى الكلام الفضفاض تمويهًا للحقيقة. والمقصود هنا هو كلام السياسة والسياسيين، فالسياسي يفترض فيه أن يحيط بالظواهر السياسية إحاطة دقيقة متبصرة، ويقدِّم البرامج ومقترحات حلول تجعل الواقع المعيشي للناس أفضل فكيف يصبح حال الأزمة إذا أفرط بعض السياسيين في الاتكاء على خطاب المحسنات البديعية؟!

الكتابة والخطاب هنا يجب أن ينصب على الخطط العملية وبرامج التنمية ضمن مشروع وطني شامل، ولن يتغير الواقع بتكرار وترديد المفردات الشائعة مثل مفردة «الإسلام هو الحل».. «تحكيم شرع الله»، وغيرها من المفردات الآسرة للوجدان المتلهف للخروج من شيطنة الواقع بحثًا عن المثالية المفقودة، التي أراها مثالية متوهمة، حيث يقيني بأنَّه لا وجود لملائكة يمشون على الأرض!، وقد يقول قائل إنَّه النزوع البشري في البحث عن الكمال والمثالية لو أحسنَّا الظنَّ بقائله، فأقول بدوري.. إنني أرى وأظن أن الأمر في حقيقته تلاعب وتدليس على الناس ليس إلا، والممارسة خير دليل!

تحضرني مفردة متوهمة أخرى مثل «السلف الصالح» لنرى أنَّها مفردة مغرقة في صورة مثالية متخيلة أيضًا، بينما الحقيقة أن كل عصر كان به الصالح والطالح

وتحضرني مفردة متوهمة أخرى مثل «السلف الصالح» لنرى أنَّها مفردة مغرقة في صورة مثالية متخيلة أيضًا، بينما الحقيقة أن كل عصر كان به الصالح والطالح وكل بني آدم خطّاء.. ولا عصمة إلا لنبي.. يقول الكاتب علي عباس «إنّه لا قيمة فكريّة يكتنزها القِدمُ التاريخيّ سوى معنى يتيم هو: قربُ هؤلاء من زمن المعرفة الأوّل؛ وحتى هذه القيمة يهزّها الكثير من المتعلّقات والإشكالات الخطرة، حول بشريّتهم التي مَسّت بعنف صميم الرّسالة الدينيّة وأفكارها، وأودت بهم إلى بحار من الدماء المتلاطمة عند حدود الانقسام المصلحي آنذاك. إن تقديس تفكير السابقين ليس قاعدة في التفكير قطعًا، وتقدير هؤلاء ينحصرُ وفق مستواهم العلمي ونزاهتهم في نقل المادّة الدينيّة لا أكثر.

أما أفكارنا عن الدين فينبغي أن نحيِّدها عن القراءة المذهبيّة لأشخاص التاريخ وأحداثه، وأن نعتمد مناهج علم التاريخ نفسه في فهمه ومعالجته؛ عندها فقط يمكننا أن نعيش أسئلة التاريخ بشكلٍ سليمٍ أقرب إلى الوعي منه إلى حماسة الانتماء لهذا التيّار أو ذاك».

مأزق آخر لخطاب المحسنات يتمثل في أنه يذهب بنا إلى خطيئة اﻻنفصام بين القول والفعل، حيث نجد أصحابه يقولون مقولة الفاروق «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، ثم يمارسون علينا القهر واﻻستعباد ليل نهار!

التقديس، على ما أفهم يا سادة، يجب أن ينصب باتجاه المبادئ لا الأشخاص. والعبارات والشعارات الرنانة والفضفاضة لن تعطي معنى عمليًّا وحلولاً للتعامل مع الواقع بأبجدياته ومشاكله.

لكل ذلك، فالكتابة يجب أن تكون مفرداتها ليست منصبة على المحسنات البديعية وخطاب الحماسة والعبارات الرنانة، ولكن لكي تكتب كلماتها من أجل إنتاج المعنى المحرِّك للذات الإنسانية لتقوم بالفعل اللازم ولا تكتسب مصداقيتها إلا عندما تخرج من ذاتها لتمتد نحو الآخر بواسطة خطاب يحمل قضية ورسالة تحمل برامج وحلولاً ومبادرات حتى تقترب بشكل واقعي عملي من أمنيات المتلقي ولا تخدره بمعسول القول البلاغي ودغدغة شعوره ووجدانه الديني.

إن مَن يخدم المجتمع بإبداعه وأفكاره التي تغيِّر بؤس واقعه هو الكاتب والمثقف الحقيقي، وهذه ليست دعوة إلى إكراه أحد لكي لا يكتب ما شاء في- الأوبرا والتجريبي وقصيدة النثر والباليه والموسيقى الكلاسيكية... إلخ، كل ذلك لا بأس به. ولكني لا أراه أولوية في مقابل مَن يكتبون عن عذاب القبر والثعبان الأقرع وفك السحر وفوائد بول البعير!! .. وأتمنى الخوض في أولوياتنا الحياتية التي تشغل اهتمام الناس... ولا أرى أولوية تسبق تناول منهج التطرف والإرهاب وكشف التدليس الذي يمارسه «الإسلامنجية» على عقولنا.

علق صديق لي على كلامي قائلاً:
.. المحسنات التي تستعمل لتحسين شكل الخبز تسبب السرطان..!
عافانا الله واياكم.

"يصعب تصور كتابة خارج مجال من التوتر والصراع."
السياسي يفترض فيه أن يحيط بالظواهر السياسية... ويقدم البرامج ومقترحات حلول تجعل الواقع المعيشي للناس أفضل.
ﻻ أرى أولوية تسبق تناول منهج التطرف والإرهاب وكشف التدليس الذي يمارسه"اﻻسلامنجية" على عقولنا.
أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات