ليس لأنه مثاليٌّ أو مضمون النجاح

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

وصل طريق الحوار إلى نهايته. لم يكن حوار الأشهر التسعة الماضية بقيادة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا متكافئاُ من حيث أهليّة الأطراف المنخرطة فيه، ولم يوجد مسوّغٌ قانوني أو وطني اجتماعي لجلوس غالبية الجالسين إلى مائدة مناقشة مستقبل البلاد وقد تم تنصيبهم على تلك المقاعد من خارج القنوات القانونية والمجتمعية الليبية، ومن غير شديد حرصٍ على تمثيلهم للواقع الوطني الليبي جغرافياً، أو سياسياً بمقياس نتائج الانتخابات الثلاثة التي أُجريت على مدى السنوات الأربع الماضية. ولكن حوار الصخيرات، وبغضّ النظر عن كل المآخذ ـــ وهي كثيرة ومهمة ـــ كان الساحة الوحيدة التي جرى فيها حوارٌ بين الأطراف المتصارعة بشكلٍ مؤطّرٍ ومنظّمٍ ومُلزِمٍ، أدبياً في أقل تقدير.

توالت مسودّات الاتفاق تُقدّم للمتحاورين في ضوء المواقفِ المعبَّرِ عنها والموازينِ على الأرض وتوجُّهات الدول الكبرى الراعية عن بعدٍ لم يكن بعيداً. ونحَت المسودات يميناً ويساراً حتى وصلت إلى الخامسة (أو الرابعة المعدَّلة).

وكان لأطراف المشهد من خارج الحوار وللمتابعين من المهتمين بالشأن العام مواقفُهم بين تأييد ورفضٍ ونقدٍ، كلٌّ من زاويته الوطنية بأبعادها الثقافية والسياسية والجغرافية، أو المصلحية. وكان لكلّ ذلك دوره المؤثر من بعدٍ ولا شك.

مفترق طرقٍ فاصلٍ
لم يكن بالمدينة عرضٌ آخرُ كما يُقال، ولا وجودَ لآليةٍ بديلةٍ ليبيةٍ صِرفة كما ينبغي لها أن تكون. وأصبحت البلاد بذلك في مفترق طرقٍ فاصلٍ بين ما هي فيه وما هو آتٍ في كلتا حالتيْ قبول مشروع الاتفاق أو رفضه من طرفٍ أو آخر؛ فإمّا الاتفاق السياسي المطروح في نسخته الخامسة أو تصاعدٌ في حدة الوضع القائم بما يعني تفاقم المواجهات والممارسات الخارجة عن القانون والعرف والحِسِّ السّوي، وتوسُّعُ الإرهاب تمدّداً وتوحشاً. نعم، هذا هو البديل الأرجح، وإن كنت أتمنى أن تتّصف حُجج المدافعين عن مشروع الاتفاق بالإيجابية بدلاً من التحذير من عواقب رفضه.

مشروع الاتفاق في نسخته الخامسة سيكون هو الاختيار الصحيح

ليس لأن الحوار في تركيبته أو إطاره وطبيعة إدارته (الدولية) كان مثالياً أو متفقاً مع مقتضيات أن يكون الحوار الوطني وطنياً خالصاً، وليس لأن مخرجاتِه تتفق مع المسار الديموقراطي كما ينبغي لها أن تكون؛ ولكن لأن صراعاتِنا وأطماعَنا ومنطقَ الغنيمةِ والغلبة السائد عندنا، ولأن السلاح من دون حدودٍ ولا رادع واحدٌ من أدواتها، ولأن المقبلَ مرشحٌ للأسوأ، خاصةً وأن الإرهاب قد أصبح لاعباً رئيسيا متمدّداً، فإن مشروع الاتفاق في نسخته الخامسة سيكون هو الاختيار الصحيح؛ ذلك إذا ما قدّم الأطرافُ مصلحة الوطن على أطماع السلطة والمال العام. وهناك، بطبيعة الحال، محاذيرُ وضرورات.

1) وصل مشروع الاتفاق، بمحاولته إرضاء الأطراف جميعِها، إلى أحكامٍ وشروطٍ تؤدي بأجهزة الدولة إلى الشلل في وقتٍ هي أحوج ما تكون فيه إلى وضع سياساتٍ وصنع قراراتٍ مفصلية عاجلةٍ لن تحظى دائماً بالقبول من كل الأطراف الذين نراهم على الساحة والمشاركين في السلطة الجديدة. وهذه معضلة كبرى لن يكون علاجها بالأمر اليسير.

2) لدينا تراثٌ ثقيلٌ من تحايل السلطة نفسِها على اللوائح والقوانين. مجلس النواب ومجلس الدولة ومجلس رئاسة مجلس الوزراء متوقّعٌ منها أن تتقيد تمام التقيد بالقانون واللوائح، وأن تُرى كذلك. ذلك شرطٌ لا غنى عنه إذا أرادت هذه المجالس أن تبسط سلطة القانون وتعيد الهيبة للدولة ومؤسساتها.

وكلاء الوزارات موظفون عامّون يجب ألا يكون لهم رابط علاقةٍ تنظيمية أو تاريخية بالتنظيمات الحزبية والسياسية

3) وكلاء الوزارات موظفون عامّون يجب ألا يكون لهم رابط علاقةٍ تنظيمية أو تاريخية بالتنظيمات الحزبية والسياسية؛ يجب أن يقتصر دورهم وينصبّ على قيادة الأجهزة الإدارية للوزارات والمؤسسات في جوانبها الإدارية المعروفة من تخطيط ورقابة على الأداء ورفعٍ لكفاءته وفعاليته وتنفيذ الخطط والسياسات المرسومة. الأجهزة الإدارية يجب أن تكون في خدمة الدولة والمواطن وليس في خدمة مناطق أو أحزاب أو جماعات.

4) هناك وجوهٌ مجرّبة في الحكومات والهيئات التشريعية المتلاحقة أثبتت فشلها وظهرت بمظهر الطامعين في تحقيق المصالح لأشخاصهم وفئاتهم وحسب؛ بعضهم اختفى من المشهد تماماً والبعض الآخر لا يزال، وبعضهم سقط في انتخابات مجلس النواب أو المؤتمر العام والهيئة التأسيسية من قبله، أحسب أن منهم طامعين في مناصب في السلطة الجديدة. عديدٌ من هؤلاء من مزدوجي الجنسية، ولا أريد بهذا تعميماً فالتعميم غير جائزٍ أو منصف.

كانت المرحلة الماضية مرحلةً بائسةً انهارت فيها مقومات الدولة وسلطة القانون وأُزهقت أنفسٌ بريئة واستشرى الفساد؛ ما أحوج البلاد لابتعاد الضالعين فيها، والدفعِ بجيلٍ صاعدٍ من الشباب القادرين غيرِ المشوّهين بارتباطاتٍ أو أطماعٍ أو مصالحَ ضيقة.

5) أتمنى أن تبقى هيئة إعداد الدستور خارح إطار كلّ حوار يديره أو يلعب فيه الأجنبي أو الدولي دوراً فاعلاً. الليبيون وحدهم هم من يحق لهم رسم دستور بلادهم. للأجنبي خبرته الواجب التعرف عليها والاسترشاد بتجاربها، أما القرار فليكن ليبيّاً صِرفاً هذه المرة، بعيداً عن أي تدخل أو تأثير أجنبي.

رغم كل المآخذ على مشروع الصخيرات في نسخته الخامسة، وعلى منطلقه وآلياته، وبالنظر للظروف التي تمر بها البلاد والمخاطر المحدقة بها، سيكون ــ إذا ما قدّم الأطرافُ مصلحة الوطن على أطماع السلطة والمال العام ــ هو الاختيار الأفضل من بديله المنظور، وإن كانت التحديات في طريق تنفيذه كبيرة قد تحيد به عن تحقيق مبادئه وأهدافه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات