نحن: بين نقد الذات وجلدها والثقة بالنفس

فضيل الأمين |
فضيل الأمين

لا يمكننا أن نغطي الشمس بالغربال ونقول نحن في أحسن حال، ونحن أحسن وأفضل شعوب الأرض جميعاً.
لا يمكننا أن نتغاضى عن الإشكاليات الثقافية والاجتماعية وآثار الدكتاتورية والحذاء العسكري الغليظ الذي حكم عالمنا العربي منذ خروجنا من ربقة الاستعمار الأجنبي.
لا يمكننا أن نتغاضى عن مخلفات الاستعمار التركي العثماني قبل ذلك.
لا يمكننا أن نستهين بعوامل الجغرافيا وعوامل البيئة والمكان وما لهما من أثر في صياغة الثقافة والتطور الاجتماعي. فمن تلك العوامل ما هو بين أيدينا وما هو خارج عنها.
لا يمكننا أن نتغاضى أو أن نستقيل من مسؤولياتنا كبشر وشعب أفراداً وجماعات ونتنصل من دورنا ومسؤولياتنا في تغيير الواقع ونحت مستقبل أفضل ومغالبة عوامل البيئة والجغرافيا والتخلف الثقافي والاجتماعي والقمع السياسي.

فالتاريخ الإنساني لم يسجّل أن التقدم والنمو والتحضر ناله أي شعب أو نالته أي أمة دون مكابدات ومعاناة ودموع ودماء.

استطاعت شعوب أرادت الحياة مغالبة عوامل الطبيعة والبراكين والزلازل وضيق الجغرافيا في بلد مثل اليابان التي استطاع شعبها أن يتغلب على شياطين استعلاء العرق ونزعات التحكم ونتائج الظلم التي مارسها ضد جيرانه. لقد كلفه ذلك الظلم غالياً ولكنه تعلم الدرس.
استطاعت شعوب مغالبة الفقر وانعدام الموارد الطبيعية مثل سنغافورا.
استطاعت شعوب أن تتغلب على الفقر والجهل وكثافة سكانها الهائلة وتنوع أعراقها وألوانها ولغاتها مثل الصين والهند فأصبحت مصدرة للثروات البشرية والصناعات.
استطاعت شعوب أن تتغلب على ماضيها العنصري المقيت وحروبها الأهلية مثل جنوب أفريقيا والولايات المتحدة.
استطاعت شعوب أن تتغلب على المافيات والإرهاب وتستعيد عافيتها وتستقر أوطانها مثل كولومبيا.
استطاعت شعوب أن تتجاوز إشكاليات الثقافة والتخلف وآثار الاستعمار وأن تبني حاضرا ومستقبلاً لنفسها مثل الإمارات والمغرب وقطر والسعودية.
استطاعت شعوب أن تحافظ على لحمتها الوطنية وأن تنتصر على الاٍرهاب وعلى الحروب الأهلية وهي تصارع اليوم وعبر سنوات لمعالجة آثار الحرب وآثار الاستعمار وتحديات بناء الهوية الوطنية في ظل التعدد مثل الجزائر.
استطاعت شعوب التعامل مع انتفاضتها ولملمة مجتمعها وتجاوز ومكافحة الانتقام والعنف والإقصاء والانقسام السياسي والمجتمعي والبدء في مشروعها الديموقراطي الصعب مثل تونس.

هذه فقط أمثلة يجب أن نستحضرها ونحن نكابد اليوم في ليبيا إشكالياتنا وتحدياتنا وتخلفنا.
لسنا أول من كابد وتكبّد.
لسنا أول عاني ويعاني.
لسنا أول من يصارع الجهل والعنف والتخلف الثقافي والسياسي ومخلفات القمع والدكتاتورية والاستعمار والفساد وآثار الجغرافيا والبيئة والمحيط.
بلا شك، لكل شعب معاناة من نوع معين وملمس معين ورائحة معينة. أي أنه لكل شعب وبيئة خصوصية طبيعة المعاناة والتحديات، ولكن تبقى هي نفس أصول التحديات التي تواجه الجنس البشري على هذه الأرض. ويبقى الإنسان بما له من ملكات وخصائص وقدرات مهما كان جنسه ومسكنه قادرا على مواجهة هذه التحديات كما أن له القدرة على الاستفادة من تجارب أخيه الإنسان واستدعاء الخبرة وتمثل القدرة على التحمل والمصابرة والإبداع في خلق الحلول لتغيير الواقع.

يجب أن نكون ناقدين نافذين لأنفسنا ومجتمعنا ولسلوكنا وللبيئة التي حولنا، ولكن قبل ذلك يجب أن نكون جادين وحذقين في فهمنا لأنفسنا ومجتمعنا ولسلوكنا ولبيئتنا والتحديات التي تواجهنا.
يجب أن نعرف ما نريد.
يجب أن نعرف قدراتنا وإمكاناتنا.

وقبل كل ذلك وبعده، يجب أن نثق في أنفسنا وفي قدراتنا وفي بعضنا البعض.  تتعالى الأصوات من حين لآخر تجلدنا وتسلخنا من أنفسنا، من إنسانيتنا ومن آدميتنا. تصفنا كشعب ليبي وكأننا لسنا بشراً. وكأننا حثالات وعصابات من الرعاع وقطاع الطرق تصرخ بقولها"نحن شعب لا ينفع فيه إلا العصا".

نحن شعب لا يصلح معه إلا ركلات حذاء العسكر الغليظة.
نحن شعب فُطر على التخلف والتصحر والجوع والفساد.
نحن شعب لا تنفع معه الحرية والديموقراطية وحرية الاختيار.
نحن شعب لا يعرف الأمانة والوفاء ولا يعرف الثقافة والتحضر.

هذه، في الوقت التي هى تحليل ونقد خاطيء لأنفسنا ولمن نحن هي، في الوقت ذاته تحليل وتفسير خاطيء للواقع والبيئة وعوامل إدارة النشاط الإنساني.
إن النظام والتنظيم أمر أساسي في حياة الشعوب، وفي غياب ذلك تنتشر الفوضى. وإذا انتشرت الفوضى فليست دليل علاقة متأصلة وجينية بين العصا والفوضى وشعب معين. إنها علاقة طبيعية بين غياب النظام والتنظيم والانضباط والفوضى والعلاقة بين النظام والتنظيم وسبل تحقيقه وإنفاذه، وهذا يشمل العقاب القانوني والجزاء الإيجابي في حالة الالتزام بالنظام والقانون. إنها علاقة طبيعية بالقانون وتطبيقه وتنفيذه، وليست علاقة جينية بين شعب وعصا وهراوة.

مثال آخر، لقد عانينا من فوضى الحرية التي جاءت بعد انتفاض شعب على عصا وحذاء الدكتاتورية، ولهذا وبناء على هذه المعاناة لابد أن نعمل على عودة ما أطاح به الشعب من عصا وحذاء لكي تعود الأمور لماضيها.
هذا الربط بين الظاهرة وإعادة تدوير الحل عبر إعادة سبب الإشكالية أمر لا يستوعب الحالة والسبب والحل. ما أسميه أنا"فوضى الحرية" هو حالة طبيعية معروفة تحدث بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية، وهي حالة عابرة، تطول أو تقصر، أو تتحول إلى حالة أسميها"حرية الفوضى". وحالة فوضى الحرية تعالج عبر إقرار الأمن وخلق الإجماع الوطني وبناء المؤسسات وتقوية مؤسسات الدولة وتطوير الشعور الوطني وشعور المواطنة وتطبيق القانون. وهذه الأساليب والآليات لا تحتاج إلى عودة العصا والحذاء وحكم الفرد. هذه الآليات هي وسائل لمعالجة ما تسببت به العصا والحذاء وحكم الفرد.

مثال آخر، نحن شعب فُطر على التخلف والتصحر والجوع والفساد. وهذا أمر غير صحيح. تاريخنا المعاصر منذ بدابة القرن الماضي يدل في معظمه على النبل والتضحية والمسؤولية والرغبة في التطور. في كل شعب ومجتمع زوايا سوداء وظلال معتمة لا يمكن أن نتجاهلها ولكنها ليست هي ما صنعنا وما يصنعنا.

أكاد أقول: نحن من الشعوب القليلة في العالم التي تخلفت ثقافياً وسياسياً واجتماعياً وحضارياً بسبب القمع والظلم خلال الأربعين عاما الماضية، وهذا ليس غريبا، بل هو من مخلفات القمع والظلم.  أما القول بأننا شعب لا يعرف الأمانة والوفاء فهو ليس سوى محاولة لفرض صورة نمطية على أنها الواقع والأصل.

اللقطة أو الصورة هي عادة ما تعبر عن واقع وحدث ومكان وزمان. إنها ليست أبدية ولا سرمدية ولا يمكن تمطيطها عبر الزمن والواقع إلى ما لا نهاية.  هناك الكثير والكثير مما يؤكد أصالتنا وقيمنا ولا نحتاج أن ندلل على ذلك. ولكن في الظروف الصعبة وأوقات الصراعات عادة ما تطفو السلوكيات والممارسات الرديئة والسيئة. عادة ما تطفو العملة الردئية، وهي حالة عابرة.

ولو أن الشعوب تقيس أنفسها بأسوأ ما فيها لما تقدمت قيد أنملة.

هل نحن نواجه فترة صعبة ونقطة تحوّل تاريخي كشعب ووطن ودولة؟
نعم.

ولكن يجب أن نواجهه ليس بقتل أنفسنا ولا بقتل مكامن الثقة بأنفسنا ولا بالتشكيك القاتل بقدراتنا ولا بمحاولة استيراد الماضي وإعادة تدويره.  فالماضي اسمه ماضٍ لأنه ماض مضى وانتهى، ومحاولة استدعائه لحل مشاكل الحاضر وتحدياته وبناء المستقبل واغتنام فرصه، هو محاولة لا خير فيها ولا أمل لها في النجاح.

فلننقد أنفسنا ولنتشدد في ذلك ولنستشرف الحلول والبدائل بذكاء وابتكارية ولنتعلم من أخطاء الماضي ومن تجارب الدول والشعوب.  ولتكن ثقتنا في أنفسنا أمرا لا مجال فيه للشك أو التردد. ولنعلم أننا، وليس غيرنا، من نصنع مستقبلنا. فلسنا أدوات للشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، إلا بقدر ما نسمح لأنفسنا أن نكون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات