ضرورة الخيار الديمقراطي

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

الحياة مليئة بالكثير من الاختلاف والتعدد والتنوع وبها كثير من المتناقضات... فالكون جُبِل على التنوع والبشر جبلوا على اﻻختلاف، ونحن، وللأسف، نصر ببلاهة وعناد على أن نرى الأشياء بمنظور واحد وكيفية واحدة ورؤية إطلاقية واحدة.

لا أريكم إلا ما أرى. لا زالت عبارة فرعون تتردد على الأفواه وتسكن عميقا فى العقول، ولا زال كل منا يرى أنه على حق.. وغيره على باطل، تصديقا للمثل القائل «عنزة ولو طارت».

رغم أن كل شىء حولنا ينطق بالسعة والتنوع. الكون والجماد والنبات والحيوان والإنسان، وﻻ شيء آخر يستحق أن نتأمله.

في عالم الجماد كل شيء تحته أنواع لاحصر لها، والأكثر تنوعا ما نشاهده فى مملكة النبات والحيوان

ففي عالم الجماد كل شيء تحته أنواع لاحصر لها، والأكثر تنوعا ما نشاهده فى مملكة النبات والحيوان، أما نحن، بني آدم، فما علينا إلا النظر إلى ما حولنا لنجد الخصوصية الممعنة فى الاختلاف حتى بين الأخوة والأشقاء.

ما سبق هو ما يجول فى خاطري وأنا أرى سؤالا كبيرا عن سبب أحادية نظرتنا إلى الأشياء، وعدم قبولنا بالاختلاف مع أي آخر رغم ما في الدنيا من اختلاف وتنوع جدير بأن نقتدي به، ورغم قناعتي باستحالة تحديد سبب وحيد لذلك، فالأمر يبدو أنه بسبب أوضاع كثيرة وعوامل شتى،اجتماعية وسياسية وتربوية ودينية، والأمر، بظني، متعلق بثقافة متواطنة راسخة، ثقافة استبداد إقصائية تعطي لصاحبها الحق في أن يرى الدنيا بمنظاره ومعياره الخاص ويكره غيره على اﻻقتناع بها بمنطق الغلبة والتغلب، وتلك الثقافة أنتجت حالة استنساخ لمقولة فرعون فى متوالية زمانية حياتية مع كل عصر.

فى السياسة مثلاً لا يملك المحكوم تحت ضغط القهر والإكراه أن يكون حرًا ذا رأي مخالف وليس له إلا السمع والطاعة.

وحتى يتخلص من شعوره بالقهر يتشبه بالحاكم ويمارس كل فرد سطوته على من يستطيع، أو من هو تحت ولايته ويصادر كل فرد رأي غيره، ويدخل المجتمع بأسره فى حلقة مفرغة من التعصب والانغلاق والتحجر.

يدعي الكثيرون أن لديهم قناعة بوجوب احترام الآخر المختلف، ولكن الأمر في الحقيقة يبقى «نظريًّا». فعند تنزيل الأمرعلى الواقع. نراهم يجدون الكثيرمن الصعاب في تطبيق تلك القناعة واقعا ملموسا. هناك صعوبة في التعايش والحياة مع ثقافة التسامح وقبول المخالف، وغالبا ما يتحول المختلف فكريا وكأنه نال من كرامة الطرف الآخر ونعود إلى منطق الغلبة مرة أخرى وإلى الإقصاء ونبذ التسامح. فالأمر يبدو متعلقا بمفاهيم مغلوطة متغلغلة بداخلنا.

فى السياسة مثلاً لا يملك المحكوم تحت ضغط القهر والإكراه أن يكون حرًا ذا رأي مخالف وليس له إلا السمع والطاعة.

كل شيء في تربيتنا من قسوة إلى ما سممتنا به المدرسة من شعر الفخر وأساطير البطوﻻت والعنجهيات، وبفعل النرجسية المرضية فى نفوسنا، و امتلاء ثقافتنا الموروثة بمقولات أراها مضللة. مثل مغالطة «العاجز من لا يستبد» و خرافة «العادل المستبد» و«ولنا الصدر دون العالمين أو القبر».

لكل ما سبق وغيره من الأسباب أبدعنا وأنتجنا العقلية التي جعلت تاريخنا تداولا على دور المستبد، «وكل منا ينتظر فرصته في الطابور الطويل، ولا نية جدية لأحد في تغيير قواعد اللعبة».

ولكن، رغم كل تلك المخرجات من المكابرة والعناد والذى لا زال يجد له صدى فى النفوس. أثبتت لنا التجربة، ومن خلال مخاض التأسيس العسير والمؤلم الذى تمر به بلادنا، أنه لا جدوى ولا ضرورة لمزيد من إضاعة الوقت.
فالنظام الديمقراطي وحده القادر على انتشالنا من وهدتنا وحمايتنا من أنفسنا ومن بعضنا البعض. لأنه الوحيد الذي يمنع جمع السلطات في يد شخص أو جماعة، ويفرض التداول على المسؤوليات ويستطيع محاربة الفساد بصفة مسترسلة ومنهجية لا علاقة لها ببطولات الأشخاص، لتوفره على «ميكانيزم ووسيلة لقص الأعشاب المضرة التي تنبت باستمرار». تتمثل فى حرية الصحافة واستقلال القضاء.

وحدها الديمقراطية قادرة على فتح الفضاء أمام العقول لتبدع بعيدا عن الصراع.

لذلك علينا الاقتناع والإقناع بأن الخيار الديمقراطي هو أقل الحلول سوءا،إن لم نقل أحسنها؟.

وأقول منبها، وتحديدا للذين يسوِّقون لنا استبدادا دينيا تحت مسمى «الاستبداد الصالح» عوضًا عن «الاستبداد الطالح» الذي عشناه فيما مضى.لن تنجحوا فى ذلك أبدًا. فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات