القولبة والإكراه... نمط حياة!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

1-
القولبة تعنى أن نفرغ محتوىً ما فى قالب محدد فيتشكل به وينتج نسخة منه. وقولب الشّيءَ أى أفرغه في قالب كي يُضْفيَ عليه شكلاً وأبعادًا محدَّدة .هكذا هى لغة القاموس. ولكن ما يعنينى من أمر هذا المصطلح هو ما نمارسه ويمارس علينا من قيود فنتحوصل بداخلها لكى يعاد استنساخ نفس النموذج البشرى منذ قرون وتتم إعادة الإنتاج بتمظهرات مختلفة، ولكن محتوى القالب يبقى واحدا..!؟

يبدو أنَّ هناك عواملَ كثيرة تساعدنا عند البحث عن أسباب ذلك التأطير والإكراه.

فهناك القولبة والإكراه فى مرحلة الطفولة.. حيث تشير دراسات تربوية ونفسية إلى أن نمط التفكير وتكون الشخصية يبدأ مبكرا فى عمر الإنسان، فالبيئة الحاضنة للأطفال لها دور كبير فى تشكل شخصياتهم وعقولهم ضمن قوالب محددة تعيق التفكير الحر المتفاعل مع محيطه...!؟

فمن تربى على أن يكون إمعة ليس له شخصية مستقلة ولا رأي يخالف به غيره، يصبح نسخة تتجلى فيها السذاجة والبلاهة، لأنه يتحرك وفق ما جُبل عليه وقالبٍ حدد له لا يستطيع أن يتعداه. ﻷنه لو فعل وخالف فالعقاب هو المصير!!.. ربما الآباء لا يعلمون أنهم بتصرفاتهم المقيدة يقتلون شخصية أبنائهم بمنعهم من الحوار أو النقاش أو رفض المسلمات مع ما يتركه ذلك من قلة الخبرة وضعف الشخصية وغياب العقلية النقدية واﻻبتكار وعدم الثقة بالنفس.. إننا نقولب شخصيات وأفكار أطفالنا في قوالب لا تناسبهم، فيصبحون مسخاً ونسخا مكررة ليستمر مسلسل العبث الذي نعيشه فى إعادة دورة اﻻستنساخ المتكرر والمتتطابق ﻷجيال مستكينة خاضعة تم تدجينها وقولبتها قولبة موغلة فى الوجدان عنوانها الطاعة، والخضوع.

2-
زمان كان يقال ...فلان يرفع ﻻفتة حمراء ، إذا هو شيوعى؟؟؟ وفلان .. ذو لحية فهو رجل متدين سلفى، إخوانى.. إلخ..!!؟
تعودنا أن نلقي الأحكام على عجالة لقولبة وتأطير الآخرين ووضعهم فى إطار محدد حتى نريح أنفسنا من عناء البحث ولنعطي لأنفسنا صفة العارفين وكأننا علمنا مكنونات عقولهم ونفوسهم، وﻻ ننتبه إلى أن حكمنا المتعجل ربما كان خاطئا؟ ونكون قد ظلمنا غيرنا دون أن تثبت صحة رؤيتنا وأحكامنا مما يحرمنا من التعرف الحقيقي على الآخر كما هو وليس كما نظن..!

من كان حديثه مفعما بالاستدﻻل بالقرآن والأحاديث ليس بالضرورة أنه متدين حقيقي

عند تأملنا لعالم الثقافة وأهله من منتجي وناقلي الأفكار أو المعرفة، أوممن يشتغلون بالشأن العام فإننا على الأغلب سنتوجه إلى القولبة والتأطير وتصنيفهم داخل برواز ما حسب المعطيات الآيديولوجية التي نظن أننا أدركناها لصيقة بهم وتعبر عن مكنوناتهم المعرفية. وللأسف نسقط عليهم صفات مصطلحات وآيديولوجيات سادت فى زمن مضى كالرأسمالية واﻻشتراكية التي صارت- مع تطور الفكر السياسى وتطور التجربة البشرية- تقترب من بعضها البعض وظهرت نماذج تحاول الجمع بين محاسن كليهما مما يجعل الجزم والحكم المباشر والقولبة التي نقوم بها تؤدى غالبا إلى أن يكون تقييمنا خاطئا وبعيدا عن الحقيقة. فليس كل من تحدث عن العدالة الاجتماعية أو حقوق الطبقات المهمشة بالمجتمع يعني أن صاحبنا هذا اشتراكى أو شيوعىي أونحسبه ممن يؤمنون بدكتاتورية البروليتاريا مثلا...!؟

ومن كان حديثه مفعما بالاستدﻻل بالقرآن والأحاديث ليس بالضرورة أنه متدين حقيقي، فربما كان" اخوانجيا مدلسا"؟

وليس كل أهل اليمين الليبرالى يركزون على الحرية.. ففى داخل هذه التصنيفات لا ننسى أن هناك منازلَ عديدة تستدعي تصنيفات وألوان تتدرج من الاعتدال إلى التعصب الأعمى في طيف عريض وتداخل يفضي إلى تفاصيل عديدة كشجرة العائلة....؟

ولذلك يمضى تقييمنا وتأطيرنا وقولبتنا إلى نتيجة خاطئة وغير مجدية بالتأكيد.

لا بأس أن نحكم بالظاهر، ولكن يجب اﻻنتباه إلى أن القول الذي ﻻ يصدقه العمل والممارسة ﻻ قيمة له، وأن الحقيقة تبقى نسبية.. وما ذلك إﻻ جزء من مسألة القولبة والتأطير للآخرين!؟ تتجلى فى فرض مانراه ونعتقده على الآخر.. وليس من الإنصاف حصر وحبس الآخر في برواز، بل ومحاسبته مثلا على قناعات تبناها فى مرحلة ما من حياته ثم تجاوزها إلى غيرها....الآخر حر وغير مكره وله أن يغير قناعاته وأفكاره. فالإنسان كائن يتطور باستمرار وﻻ يجب أن نتجاهل حقه في التفكير الحر الذي يتجاوز الآيديولوجية الجامدة بحثا عن أطر فكرية وسياسية متجددة قادرة على التعامل مع الواقع المتغير... بل من حقه أن يرفض أي أفكار سائدة في مجتمعه، ومن حقه أيضا أن يمارس نقدا ذاتيا بكل درجاته حتى لو أوصله إلى القطيعة مع ما كان يحمله من أفكار فى ماضىي حياته.. بل من حقه علينا أن نحسن الظن به ونعتبر ذلك التغيير وتلك النقلة ليست لاعتبارات انتهازية أو إرضاء لسلطة قاهرة أو بحثا عن منافع آنية
ويجب ألا تبقى الأفكار القديمة التي كان يعتنقها تطارده أينما حل...فغير المنطقى أن نحاول إلباس ثوب ما لإنسان لا يستسيغه، وقد ظل كثيرون تطاردهم الصورة الذهنية القديمة التي التقطت لهم فى مستهل طريقهم إلى المعرفة رغم أن قناعاتهم وأفكارهم تغيرت وتطورت، ولو أمعنا النظر فى السيرة الذاتية لمعظم مفكرينا الكبار لوجدنا تحولات فكرية كبيرة مروا بها... وكانوا فى حالة جدل وتفاعل مع محيطهم الثقافي والاجتماعي، ولكن ﻻ زالت الأحكام القسرية سارية ولا تزال القولبة حاضرة لأن هناك من لا يريد أن يستوعب أن هناك من يفكر بطريقة حرة بعيدا عن كل القوالب الجامدة.

سمعت حوارا مع د. جلال أمين وهو يجيب على سؤال.. أنه تغير فكريا خلال مسيرته فقال.. العقل المتحجر هو الذي ﻻ يتغير والتغيير سمة للعقول الكبيرة.

خلاصة قولي.. إننى أؤمن بأنه من الواجب والأولى أن لا نضيع أوقاتنا فى بناء الأسوار حول أنفسنا وحول الآخرين. بل يجب أن نستفيد من وقتنا وحياتنا فى التفاعل الحر مع الحياة، والبعد عن السقوط فى وهدة الخطاب السطحي والأناقة اللفظية لأجل تأطير أنفسنا وغيرنا في قوالب جامدة.. ولنترك مساحة للحرية الفكرية لنا وللآخر حتى ننجوَ من عقل الخرافة.

فالوصاية تجوز على المجنون فقط ولكن ﻻ وصاية على العقول وﻻ حاجة بنا للقولبة والتأطير والإكراه.

وعند تقييمنا ﻷي تغيير يستجد فى حياتنا ﻻ يجب بأي حال من الأحوال أن نتصور أننا أنجزنا تغييرًا إيجابيًّا إﻻ إذا ترافق ذلك مع خروجنا من قالب العقل اﻻنغلاقى، عقل التطرف وإدعاء امتلاك الحقيقة، حتى ﻻ يعيد إنساننا الدوران في مجال قولبة وتأطير الإكراه ويجعل رييعنا خريفا قاسيا كما هو حادث الآن.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ناجي عقل

    21.06.2015 الساعة 13:25

    ما يعجبني في مقالات الدكتور صالح الحاراتي هو النفس العلمي الذي يعالج بواسطته مقالاته ومضمونها الهادف إلى تربية القارئ العربي كي يرشده إلى تحليل الأوضاع المزرية التي تعم معظم الدول العربية التي تعاني من مشكلات قاتلة تكاد تقضي على البشر والحجر في عالمنا العربي. وهذا الأسلوب العلمي الراقي في الصحافة العربية المقروة والمسموعة يكاد يكون معدوماً، لذا، أود أن أبارك للكاتب، ول" بوابة الوسط الليبية " بتبني هذا الأسلوب الراقي وتعميمه ونشره لعموم قراء لغة الضاد. وبارك الله فيكم جميعاً .