سيلفي*

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

وأريد أن أستعير لفظة سيلفى هنا لمعنى آخر، أظنه أكثر أهمية، وهو حاجتنا لتصوير الذات من الداخل وليس تصوير تجليها الجسدى الخارجى. بمعنى أن حاجتنا إلى ما أسميه مجازا بـ"السيلفيسكان Selfie scan" أسوة بالتصوير المقطعى، أو بالرنين المغناطيسي، حيث نمضى إلى تصوير مكنونات نفوسنا وعقولنا لعل هذا الميكانيزم يساعدنا على التعرف على الموروث السَلفى القابع فى داخلنا وما يمثله من نموذج للتفكير السَلفى الهلامى الذي يشدنا إلى الوراء متصورا أن ما مضى من تاريخ أسلافنا هو حالة ملائكية يجدر بنا العودة إليها وتمثلها فى واقع اليوم كمخرج ومنقذ من حالة التخلف الذي نعيشه الآن.

السيلفيسكان سيكشف لنا أن تلك الأوهام ليست إﻻ تجسيدا لحيلة نكوصية يتهرب الإنسان فيها من تحمل تبعات ومشاقِّ تفسير تعقيدات العالم والأحداث من حوله وتعبيرا عن عجزه عن ابتكارالحلول العملية لواقعه البائس(.... إنها آلية دفاعية متوهَّمَة، في إطار مسعى(المتسلفن) لإيجاد مخرج من مأزق الهزيمة على المستوى الحضاري والثقافى، أومخرج من أزماته الفرديه الناتجة عن الكبت الجنسي أو القهر السيكولوجي والسياسي والاجتماعي، باحثا عن مخرج لحالة الإحباط الناجمة عن كلِّ ذلك، فيلجأ للبحث والنبش في التراث وتلميع الماضي بغية استحضاره واستجلابه كترياق سحري لأزماته وإخفاقاته مادام عاجزا عن تطوير وتغيير الحاضر، ناهيك عن صناعة المستقبل.) **

وليس كل ما يظهره السيلفيسكان واحد. وليس النّكوص منفردا سنكتشف أيضا جانبا آخر فليس كلّ شكل من أشكال العودة إلى الماضي نكوصا سلبيا، ولا يعني أنّ ماضيَ الإنسان لا يبقى حاضرا فيه بشكل من الأشكال.

من منا الذى ﻻ يحن للطفل الذي بداخله
والذي غادرنا محطته منذ سنين..

نعم.. نَحِنُّ إلى براءته وعناده وتحرره من كل قيد.. من منا ﻻ يتذكر لحظات استمتع فيها بنغمات أغنيات وموسيقى كان يسمعها فى صباه..
ومن منا ﻻ يذكر أصدقاء الطفولة والصبا والأماكن التي زارها مع زملاء الدراسة.. بالتأكيد هناك لحظات ومواقف وحاﻻت كثيرة تستحق منا اﻻحتفاء بها وتذكرها، ولكن دونما تمجيد لذلك الماضي الذىي زال ولن يعود.. ﻷن ذلك التمجيد للماضى هو من يجعل السَلفى"يتسيد" بداخلنا..

كلنا عندنا حالة نوستالجيا ...
حالة حنين للماضى.. ولكن، أن تعتقد أن ماضيك أفضل من حاضرك وأن أفضل ما فى البشرية هو فى الماضي وليس فى مستقبل لم يأتِ بعد، فتلك مشكلة...ﻷنه يعنى أنك"مكانك سر" أو أنك تتراجع!؟

بغض النظر عن حنينك لذكرياتك الجميلة الباقية عن الطفولة والصبا ..... فإن ذلك ﻻ يبرر لك أن"تسلفن حياتك" !!؟

فالعودة للماضى لن تقدم لك حلوﻻ لحاضرك ومستقبلك.. و ما تظنه سلفاً صالحاً.. ليس كله صالحا. فكل اجتهد حسب معطيات واقعه وبحث عن الحكمة وعاش واقعه بحلوه ومره، خيره وشره وﻻ مناص من اﻻعتقاد بأنه ﻻ يوجد ملائكة أرضيون..؟ حتى أيام الصحابة كان هناك من يكذب ومن ينافق ومن يقتل وووو إلخ... ولو عدت للسلف العثمانى والقرمانللى فلن تجد إﻻ الجور والعسف والطغيان والخازوق.. وأكتفي هنا بدون استطراد حتى نرى واقعنا اليوم.

من منا الذى ﻻ يحن للطفل الذي بداخله والذي غادرنا محطته منذ سنين..

اليوم وأنت تكابد الحياة فى ظل الإرهاب والتطرف فإن ذلك ﻻ يعنى أبدا أن عهد الطليان والوصاية الدولية والملكية والجماهيرية كانت رائعة وتستحق الحنين إليها وتذكرها وتمجيدها!!؟ واﻻحتفاء بها كما تحن لطفولتك، وتأكد إن كان ذلك ديدنك وطريقك فمرد ذلك فى ظني هو سلوك العاجز عن مواجهة واقعه فيلجأ إلى حيلة الهروب إلى الوراء.

وبما أننا نعيش وضعا كارثيا، بمعنى الكلمة، بل ربما(مفيش حال أكثر بذاءة من اللى احنا فيه) لذلك نهرب من"الدوشة" والارتباك العقلى!! ونبحث عن حقنة مهدئة تحفظ لنا توازننا النفسي والعقلي بحيلة الهروب إلى الماضي.
الأمر الأكثر سوءا هو تطور الأمر إلى واقع مجتمعي وليس شخصيا.. حين تسود المجتمع حالة من تقديس التراث والماضي وبخس لقيمة ما يتم إنجازه في الحاضر ورغبة عميقة في إحباط أي مبادرات حديثة ناجعة.

* Selfie بالإنجليزية: أو"الصورة الذاتية"، وهي عبارة عن صورة شخصية يقوم صاحبها بالتقاطها لنفسه باستخدام آلة تصوير أو باستخدام هاتف ذكي مجهز بكاميرا رقمية.

** تبدو عباراتى هنا ذات صيغة تعميمية، ولكنني أدعي أن نسبة عالية من الأفراد يحملون مثل هذه المواقف .

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ناجي عقل

    21.06.2015 الساعة 12:34

    أعتبر هذه المقالة بمثابة مراجعة مبدئية لذواتنا الاجتماعية والسياسية والوطنية وبانتظار المزيد من هذا الكاتب أقول بارك الله فيك وساتابع كتاباتك في المستقبل إن شاء الله