سوسيولوجيا إخفاق الثورة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

في كتابه الذي صدر بالفرنسية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وترجم إلى العربية تقريبا في ذات الوقت بعنوان (الآسلام الأخلاق والسياسة) دعا المفكر الجزائري وأستاذ تاريخ الأفكارالإسلامي في السوربون الراحل محمّد أركون إلى افتتاح فصل جديد لتفسير الإخفاق والفشل المتتالي في اجتماعيات الفكر العربيـ الإسلامي أسماه بعلم اجتماع الفشل أو الإخفاق. هذه الدعوة استثمرتها شخصيا في مقدمة أطروحة أكاديمية ناقشتها عام 1987 في جامعة طرابلس حول الكتابة في المعرفة الصوفية بمادعوته بـ(سوسيولوجيا الكتابة أو النص المخفق)، وأراني اليوم أستثمر هذا المسمّى مجدّدا في غياب شبه تام لعلم اجتماع ـ سياسي عربي منتج وفعّال في دراسة سوسيولوجيا تتالى بما يشبه الفشل والإخفاق المحزن لمصائر ماشاع في السنوات الأربع الأخيرة بتسمية:(السيناريوالليبي) الذي التبس بعض ثوراث الربيع العربي والذي يتخوف أن ثوراث أو بلدان أخرى قد دخلت في نفقه.

عندما انطلقت ثورة تحرير ليبيا من الاستبداد في 17 فبراير 2011 كنت قفلت للتو عائدا من العاصمة طرابلس التي وصلتها يوم هروب دكتاتور تونس (زين العابدين بن علي) وفي سبت مابعد جمعة الغضب في مصر التي أنهت حكم الدكتاتور الآخر (حسني مبارك). قفلت طائرًا بسبب ظرف عائلي مبهض إلى ألمانيا مُغْتَربي الذي يبدو أنّه يصير مع الوقت مكانا يشبه منفاي. من نافذة هذا المكان- المنفى عايشت يوما بيوم عبر وسائل الميديا المتعدّدة والتي لم تكن متاحة ذلك الوقت لليبيين في الداخل الإيقاع العفوي لثورتهم الذي لم تحسبه المراصد أو تتنبأ به وهو الأمر الذي تكرّر تقريبا في ذلك الوقت وإن بمدلولات مغايرة بما شابه الذي حدث في تونس.

ينطلق فانون في كتابه (سوسيولوجية ثورة) من مقاربة سوسيولوجية بهرتني لتقاطعها مع مقاربات سيميولوجية شرع المنتفضون الليبيون في 17 .02 .2011 يحدثونها بعفوية تحويرًا في الرمزيات الآيقونية التي تمسّ الأشياء والأشخاص في المجال الهوياتي الاستقلالي الليبي

لقد تابعت انطلاقة الثوّار الليبيين مفعما بزخم مشاعر الثورة التي كنت رأيت قبل أسبوعين استحالتها في عيونهم وأنا أسير في شوارع طرابلس التي خبرتها مذ كنت طفلا والمسكونة وقت ذاك باليأس والعدمية، المشّوهة بالضجيج والفوضى والمراكمة بالقمامة، تناغما مع سياسة الاتساخ المبرمجة إفسادا واستبدادا لتتفيه الإنسان وتشويهه مظهرا وجوهرًا. وخلال الأسبوعين الأخيرين من شهر فبراير 2011 وأنا ألمح أمارات التصميم على الانتصار في عيون المنتفضين الليبيين تيقنت مثل ماتيقنت المفكرة والسوسيولوجية الألمانية المرموقة (حنا أرنت): بأن الثورات الشعبية ضد حكام يتمتعون بقوة مادية هائلة... قد تسفر عن قوة لا يمكن مقاومتها حتى لو لم تمارس العنف في وجه قاتلين مدججين بالسلاح. و أن توصف بأنها «مقاومة سلبية»، فكرة لامعنى لها إذ إنها واحدة من أعظم طرق العمل التي يمكن تصورها فعالية ونجاحا، لأنه لا يمكن مواجهتها بالقتال، حيث يمكن أن يكون هناك نصر أو هزيمة، لكن فقط بالاعتداء الشامل الذي لن يكون نصره إلا هزيمة... حيث لا يمكن حكم الموتى).

هذه الجملة المستبصرة والملهمة أيضًا التي أكّدت يقيني بانتصار الثورة الليبية وهي تخطو خطواتها الأولى المبتدئة لهزيمة النظام الدكتاتوري الخرافي المقيت جعلني أتعامى لاواعيًا عن رؤية تفاصيل إخفاقاتها التي بدأت تنمو ككرة الثلج: الإقصاء اليومي للحراك السياسي لما سمّى بائتلاف 17 فبراير المدني، وتوظيف رمزية فبراير في تأسيس كتائب مسلّحة ومؤدلجة دينيًا، عشوائية مظهريات التسلّح، تنامي مضمون إسلاموي شعبوي لساحة المحكمة في بنغازي التي انطلقت منها الثورة على حساب المضمون الديمقراطي، وتحوير، بل تزييف، دور وروحه يتعدى المرأة التي أطلقت الروح في المشهديات السياسية للثورة، العنف اللفظي المضاد، والرمزيات ذات الحمولات التعصبيّة، ضبابية عمل المجلس الوطني الانتقالي، المآل المؤسف للجنرال عبد الفتاح يونس رئيس أركان جيش الثورة وتداعيات اغتياله.

إن البشر ليسوا كتل حجارة صلبة ينهون مشوارهم كما بدأوه، بل هم كائنات حية تتفاعل مع الكون، لذلك تراهم وهم يقومون بفعل تغيير العالم يتغيرون هم أيضاً، فالثورة هي الفكرة المتقدّمة التي تتطلب من الناس أن يتبدلوا في ذات الوقت الذي يبدلون فيه العالم المحيط بهم.

وحتى أتحرر من غبش ضباب البصيرة هذا وأتفهم الظاهرة السوسيولوجية لما يبدو أمامي إخفاقًا يلابس الثورة الليبية منذ خطواتها الأولى تخيرت من ذاكرتي الثقافية والسياسية مصيراثوريا بدا لي مقاربا كتب الفصول المتفائلة الأولى فيه المارتنيكي فرانتز فانون وكتب مكرُ التاريخ وحيفُه ربما فصوله شبه الأخيرة. الكتاب اسمه «السنة الخامسة للثورة الجزائرية»: وضع له مترجمه للعربية عنوانًا موفقا هو (سوسيولوجية ثورة) ولكن مضمونه هذا العنوان ليكون سوسيولوجية أمة جزائرية على مشارف التحرّر ارتبط فانون بنضالها بتخلّيه عن وظيفته طبيبًا ومعالجًا نفسيًا في مستشفى مدينة البليدة التابع للجيش الفرنسي في الجزائر المستعمرة والتحاقه مناضلاً سياسيًا بزخم ثورة التحرير الجزائرية التي ألهمت لاحقًا أفكاره في الثورة الأفريقية التي توَّجَها كتابَه ـ المانفستو: معذبو الأرض.

إن البشر ليسوا كتل حجارة صلبة ينهون مشوارهم كما بدأوه، بل هم كائنات حية تتفاعل مع الكون، لذلك تراهم وهم يقومون بفعل تغيير العالم يتغيرون هم أيضاً

فانون الذي أعمته طوباويات الثورة الأفريقية العالمثالثية التي نمذجتها الجزائر وأشعلت أوارها أن يرى ضروب النقص والفشل الضاربة بجذورها في الثقافة المجتمعية في المغرب الشمال ـ أفريقي تلك التي أبان معالمهاالتشاؤمية منذ ثمانية قرون العلامة ابن خلدون، وأبنت تفصيلا من تفصيلاتها في دراسة لي نشرتها في مجلّة الفصول الأربعة الليبية المأسوف عليها عام 1993بعنوان (رجل القلة رؤية خلدونية لمشكلة إنسان مابعد الحضارة).

ينطلق فانون في كتابه (سوسيولوجية ثورة) من مقاربة سوسيولوجية بهرتني وأثارت اهتمامي لتقاطعها مع مقاربات سيميولوجية شرع المنتفضون الليبيون في 17 .02 .2011 إزاء عنف الدكتاتور القذافي وآلته الحربية التي واجهتهم يحدثونها بعفوية تحويرًا في الرمزيات الآيقونية التي تمسّ الأشياء والأشخاص في المجال الهوياتي الاستقلالي الليبي: كالرمزيات الآيقونية لصورتي المناضل ضد الاستعمار الفاشي الإيطالي عمر المختار ومؤسس استقلال ليبيا الحديث الملك إدريس السنوسي، وعلم دولة الاستقلال برمزياته وألوانه الأربعة المبهرة والنشيد الوطني اللذين طمسهما في الضمير الليبي لأربعة عقود انقلابيو سبتمبر المشئوم في عام 1969
وأنا أقرأ بعيون جديدة فتّحتها ثورة التحرير الليبية المقاربات السوسيولوجية التي اعتمدها فانون وقت ذاك ورأى أن الثورة تحدثها بفعل الثوار في أشياء العالم المحيط بهم مركزًا على تحويرين آيقونيين: لباس المرأة الجزائرية: الإسلامي الحجاب والأوروبي السفور ومتعلّقاته كالمكياج اللذين يقومان بالمهام الثورية ذاتها، والراديو الذي يبث دعاية الاستعمار وثقافته المسمّمة المبغوضة وبديله وعلى نفس الأثير أخبار إذاعة ثورة التحرير وتعبوياتها التي تتجاوب معها العقول والأفئدة.

إلاّ أنّ هذه المقاربات الثقافوية التي استرسلت فيها تجاوبًا مع مقاربات فانون والتي لم يكن ربما ذاك الوقت هي التي قد تكون أعمتني عن الفكرة البناءة والجديرة بالتأمل وإمعان الفكر التي بثها في كتابه والتي كنت أراها متقاطعة مع مشهد الإخفاق الذي يبدو ظاهرًا أمامي. فهوـ أي فانون ـ ينطلق من رؤية مفادها: إن البشر ليسوا كتل حجارة صلبة ينهون مشوارهم كما بدأوه، بل هم كائنات حية تتفاعل مع الكون، لذلك تراهم وهم يقومون بفعل تغيير العالم يتغيرون هم أيضاً، فالثورة هي الفكرة المتقدّمة التي تتطلب من الناس أن يتبدلوا في ذات الوقت الذي يبدلون فيه العالم المحيط بهم.

لقد مات فانون للمفارقة في مستشفى في الولايات المتحدة الأميركية بسرطان الدم في فجر الستينيات، لهذا لم يتمكن من رؤية كل شيء أمامه: حقيقة الإخفاق المرّ للبشر الذين يشبهون للأسف وإلى حد ما بما نفاه عنهم: كتل الحجارة الصلبة والذين تقريبًا ينهون مشوارهم كما بدأوه وهو ما تجلى في توابع وزوابع مابعد انتصار الثورة باستقلال الجزائر عام 1962: استيلاء جنرالات الجيش الوطني وهيمنتهم على السلطة حتى يوم الناس هذا، الانسداد السياسي الذي مثلته أحادية حزب جبهة التحرير، تنامي الدولتية واقتصادها التابع (الكمبرادوري) خلف الشعارات الفلاحية واشتراكية التسيير الذاتي وبعد ذلك الدولتي الممركز، التصاعد الجديد لإسلام أصولي فظ وماضوي، الانغلاق الثقافي والمجتمعي الذي قاد الجزائر إلى نفق الحرب الأهلية فيما سميي بالسنوات السوداء التي لازالت جذورها المسمومة تنبت في أرض الجزائر حتى اليوم وكل معطيّات ضروب الفشل التي لفت الانتباه إلى بعضها المفكر والاقتصادي المصري الشهير سمير أمين في كتاباته العديدة وحلّلها بتبصر وعمق فيما بعد د.غازي حيدوسي خبير التخطيط الاقتصادي والمفكر الجزائري الذي واكب تجربة السياسات المغلقة والتنميات المهدرة قرابة ثلاثة عقود في بلده بما أسماه في كتابه الذي صدر بالفرنسية عام 1995 بعنوان «الجزائر: الاستقلال الناقص».

الثورات: خصوصياتها ونمذجتها، نقصها وإخفاقاتها، وحتى إفشالاتها ومضاداتها، موضوعة عالجتْها في شقها الذي يعني ثقافتنا ووجداناتنا وأنظمة معرفتنا، السلسة الفكرية الثمينة التي كتبت بقلم المفكر الجزائري مالك بن نبي في إبان الأزمة أو ما أسماه عنوانا لأحد كتبه في مهب المعركة وكتب أخرى تحت عنوان كبير موحٍ هو مشكلات النهضة أو الحضارة، وكتابات لعلي شريعتي وعبد الله العروي وأنور عبد الملك وسمير أمين ومحمد أركون وغيرهم وفي الشق العربي والعالمثالثي، عدا كتب فرانتز فانون التي ذكرناها آنفا، كتب: لحنا آرنت (في، الثورة) ولريجيس دوبريه في (الثورة في الثورة) وليون تروتسكي في (الثورة المغدورة) وهربرت ماركوزة في (الثورة والثورة المضادة) وكتاب لكاتب من أميركا اللاتينية في نفس الموضوع اقتنيته وقرأته لدى قدومي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي إلى بنغازي لدراسة الفلسفة في جامعتها، وكتب أخرى قرأتها ونسيتها تقبع اليوم مع كتبي التي ألقت بها أيدي الإتلاف العائلي إلى الضياع الذي هو أحد تجليات مصائر الفشل الأخلاقي لإنسان ليبيا المخفق وهو مايبدو أمامنا جليا اليوم في واقع المجتمع و السياسة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات