تداول السلطة..!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

الديمقراطية هي الأيقونة الغائبة عن موروثنا الثقافى وهى البديل الحضارى لمشروع ومشروعية"الغلبة والتغلب"؛ تلك الخصلة السائدة فى أعماق العقل الجمعى فى مجتمعنا..

ورغم وجود اﻻعتقاد الذى يقول إن هناك ميلا وطبعا إنسانيا إلى احتكار السلطة، فإن تطور التجربة البشرية أصبحت تنظر إلى السلطة اليوم ليس باعتبارها مفسدة فحسب، إنما إلى السلطة المطلقة باعتبارها مفسدة مطلقة، كما قال المنظرون والفلاسفة.

عندما صدر كتاب برتراند راسل الشهير: السلطة (أو ربما: السطوة) كتب واحد من المعلقين إن (مفتاح الديناميكية الاجتماعية الذي وجده ماركس في المال, وفرويد في الجنس, يجده راسل- بمنطق دامغ - في السطوة أو «السلطة»..
وفي هذا الجانب يقول راسل في كتابه هذا أن هناك قليلين لا يستطيعون أن يقروا باستحالة (أنه عند من ينالون قدرًا ضئيلا من المجد والسلطة فإن قدرًا ضئيلا آخر يضاف إليه سيكون أمرا مرضيًا ﻷن هذا النوع من الشهوة لا حد له ولا يمكن إشباعه).

إن حسم مسألة السلطة سيؤدى إلى انصراف كل قوى المجتمع عن سياسات التآمر والتحايل والكيد السياسي واﻻقتتال والعنف

وقرأت يوما أيضا....
(إن التعرض للبطش والقسوة يؤدي بالناس إلى واحد من اتجاهين: أولئك الذين يخافونه ينزعون إلى الاختفاء والتهرب، أما أصحاب الجرأة فإنه يحفزهم إلى أن يسعوا إلى المراكز التي تمكنهم من ممارسة البطش بدلاً من التعرض له).

وهذا هو ما يفعله الذين يتمردون في وجه شياطين القمع الوحشي، وعندما ينتصرون عندئذ يصبحون هم الشرعية والقانون؛؛ وهو ما تواتر فى مشهدنا السياسى عبر التاربخ وحتى اليوم..

ورغم أن المعنى الكلمة تداولًا موجودًا فى لغتنا بمعنى «تداولت الأيدي الشيء: أى أخذته هذه مرة وهذه مرة» إلا أنني أعتقد بغياب، بل وعدم اإقرار بأهمية «تداول السلطة» ذلك المنجز الذي عرفته البشرية فى تاريخ تطورها السياسى؛ وذلك سبب رئيسى للتناحر الدائم بين جميع القوى الواقفة بعضها للبعض الآخر بالتخوين والإقصاء، بدل التعاون والتفاهم والحوار والتداول..

إن ما نراه في كثير من دول العالم من استقرار وتقدم ورفاه وأمن، هو فى ظنى نتيجة حسم شعوب تلك الدول لقضية السلطة وتداولها من خلال الاتفاق على تقاليد وأعراف وقيم تضمن لكل فئات المجتمع الوصول إلى السلطة بشكل سلمى وبصورة عادلة ومرضية، بعد قرون من اعتماد مقولة لويس الرابع عشر (أنا الدولة والدولة أنا).

إن حسم مسألة السلطة سيؤدى إلى انصراف كل قوى المجتمع عن سياسات التآمر والتحايل والكيد السياسي واﻻقتتال والعنف، والتوجه عند انتخابها واختيارها نحو العمل لإقناع محيطها الاجتماعي بصوابية رؤيتها وبرامجها..

إن مبدأ التداول السلمي على السلطة قائم على أساس المنافسة الحرة النزيهة مابين القوى السياسية المتعددة، حيث تتم هذه المنافسة في إطار الأحكام الدستورية والقانونية دون الخروج عنها، لأن الخروج عنها يعني خروجا عن القانون والنظام، وبالتالي خروجا عن العملية الديمقراطية بأسرها. وبهذا فإن التداول السلمي على السلطة إنما يعني الرضا والشرعية التي يمنحها الشعب للسلطة في مزاولة أعمالها المنصوص عليها في القانون من قبل الحزب أو الأحزاب المؤتلفة التي حصلت على هذا الرضا والشرعية بعد عملية الانتخابات.

لقد تعلمنا، وسنتعلم ونتيقن أكثر، أن السلم المجتمعى ﻻ يتحقق إﻻ بتداول السلطة وأن موروثنا عن الغلبة والتغلب يجب تجاوزه.

وعندما تختفى تلك القيمة من قاموسنا السياسى ويكون الاستمرار في الحكم بسبب اﻻستخدام القاسي للقوة أو التلاعب بالرأي العام تحت مبرر اﻻستقرار؛ ينجم عن ذلك تفاقم للتوترات والتناقضات، واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة تحت سطح الاستقرار الشكلي. ويصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة.

ورغم كآبة أوضاعنا اليوم ورغم وجود المغيبين ومرضى اﻻستحواذ والمتكالبين على السلطة من أهل الدجل والنفاق.. إﻻّ أننى أرى أننا نجحنا «نسبيًا» فى كشف الغطاء عن أهل الوصاية على الدين وتبين لنا خداعهم وكذبهم وتدليسهم فى سنين قليلة بعد رواج لبضاعتهم استمر لعقود تحت مظلة المظلومية.

لقد تعلمنا، وسنتعلم ونتيقن أكثر، أن السلم المجتمعى ﻻ يتحقق إﻻ بتداول السلطة وأن موروثنا عن الغلبة والتغلب يجب تجاوزه. ﻷن ما يجرى على الأرض أمر دموى ﻻ نتكسب منه إﻻ الخراب والدماء وزهق الأرواح.. حتما سنقترب أكثر فى قادم الأيام من كشف زيف الكثير من المسلمات المتوارثة "كالعادل المستبد "وغيرها...التي بدأنا نقدها وسنستمر..

ورغم يقينى أن نظرية حرق المراحل لم تثبت واقعيتها في أي مجتمع من المجتمعات، والتطور دائما يأتى متدرجا ولايمكن الانتقال من مرحلة محددة من التطور إلى غيرها ما لم تستنفد الأولى كل إمكانيات التقدم في إطار العلاقات الاجتماعية السائدة.. ولكن ﻻ يجب أن ننسى أيضا أن ما كان ينجز فى عشرات السنين صار بالإمكان فى عصر التقنية والمعلوماتية "ضغط الزمن" لتقليل عمر المراحل..وذلك ما نتمناه ونطمح إليه فى تجربتنا الوليدة.

ولنتذكر مرة أخرى.. أننا لسنا بدعة بين الشعوب.  فكل الأمم التي نراها اليوم تمثل الحضارة الحديثة، مرت بمراحل مؤلمة ودموية حتى استقرت على ماهى عليه اليوم..

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ناجي عقل

    21.06.2015 الساعة 15:23

    وحدهم اهل العلم والمعرفة والقلم والابداع يستطيعون المساهمة في نقل شعب ما من حالة تخلف الى حالة تقدم، وما المواضيع التي نشرتها حتى الآن إلا مساهمة كبيرة في توعية القارئ العربي لينتقل من حالة الفوضى التي يعيش فيها إلى حالة النظام المنشود.