الإسلام السياسي !!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

فى ظني أن المشكلة الأساسية في ما يدَّعون بأنه مشروع الإسلام السياسي على مر التاريخ، كانت نظرة الحكام للدولة وهل هي مدنية أو دينية، أي ان السلطة من أين تُستمد؟ من الأمة أم من الله، بمعنى آخر وحسب المفردات المستعملة في قواميس الإسلاميين، هل الحاكمية لله أم للبشر.

من جهتي، أؤمن بأن الحاكمية في الأرض يجب أن تكون للبشر، وأن الله استخلف الناس فيها، وعليهم تدبير شؤونهم بأنفسهم، وأن الحاكم لا يتمتع بأي مميزات سوى أنه حاكم مسؤول أمام الناس وفق قوانين لا يجب تخطيها، بمعنى آخر، أؤمن بدولة القانون والمؤسسات، وفصل السلطات وغيرها مما أبدع العقل البشري في مجال السياسة.

بالنسبة للإسلام السياسي اليوم، هناك فريقان، فريق يدَّعي أنه يؤمن بالدولة المدنية، وأنه وسطي ومستنير، وأظن أنه يقول ذلك تَقِيَّة ولؤمًا وخداعًا «الإخوان نموذجًا»، الذين عندما أتيح لهم القبض على مقاليد السلطة قبضوا عليها وعضوا عليها بالنواجذ واستباحوا كل المبادئ والقيم فى سبيل اﻻحتفاظ بها استحواذًا وإقصاءً وعنفًا...!!، وهناك فكر متطرف تكفيري واضح جلي نظَّر له قديما ابن تيمية وعبد الوهاب.. وحديثا أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، وهو الذي لا يعترف بالآخر أصلاً...كأنصار الشر والدواعش والقاعدة والسلفية الجهادية.. إلخ.

لنلقِ نظرة خاصة للمسلمين الآوائل، لنتعرف كيف ينظرون إلى السلطة وممارستها، من خلال ما قاله الخليفة الأول أبوبكر، عندما بايعه الناس فقال لهم: لقد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن أسأت فقوموني

يقول د محمد شحرور...«إن للإسلام الحالي أربعة جوانب: قيمي وشعائري وتشريعي وجانب رابع هو الجانب السياسي وفيه تكمن المأساة أما الجانب القيمي– مجسداً بالمثل العليا عموماً في التنزيل الحكيم– فليس محل خلاف، وأما الجانب الشعائري– بما فيه من صلاة وصيام وزكاة وحج– فهو أيضاً ليس محل خلاف، تبقى الإشكالات قائمة حصراً في الجانبين التشريعي والسياسي، ليس بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى وحسب، بل بين طوائف ومذاهب الأمة الإسلامية ذاتها. ففيهما يتجلى– تطبيقاً وممارسة– الانحراف والتحريف في فهم التنزيل السماوي الموحى، وفيهما يتجسد الفقه التراثي كأداة من أدوات الاستبداد الديني التي تدعم الاستبداد السياسي وتبرره، وتجعل من هامانات المؤسسة الدينية حراساً على جسر العلاقات بين الإنسان وربه، وبينه وبين الآخرين، لايمر أمر في الاتجاهين إلا بإذنهم».

لنلقِ نظرة خاصة للمسلمين الآوائل، لنتعرف كيف ينظرون إلى السلطة وممارستها، من خلال ما قاله الخليفة الأول أبوبكر، عندما بايعه الناس فقال لهم: لقد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن أسأت فقوموني. حيث تجلت هنا نظرة الحاكم المسلم لمصدر السلطة ومحاسبة الحكام وهم الناس والشعب، ولو كان مصدر التشريع واضحًا أنه مستمد من القرآن والسنة اللذين كانا القانونين الوحيدين في تلك الحقبة وأجمع الناس على احترامهما.

وأفهم مما سبق أن مؤسسة الدولة وهي تمارس وظائفها وأدوارها، فإنها تمارسها بوصفها مؤتمنة ووكيلة عن الناس للقيام بها، وليس بوصفها ممثلة للحق الإلهي.. وتبقى فكرة الخلافة والخليفة اجتهادا بشريا لتلك الحقبة الزمنية حسب ما كان شائعا من أمر الإمبراطور فى بلاد الفرس والروم..

وتبقى الدولة حاجة اجتماعية وضرورة سياسية وحضارية، وكل وظائفها وأدوارها ومسؤولياتها، لا تخرج عن نطاق خدمة المجتمع من موقع المسؤولية والسلطة.. والدولة، أو السلطة، تستمد مشروعية بقائها واستمرارها من قدرتها على الوفاء بحاجات الناس وتطلعاتهم المتعددة.. فهي معنية بأمن الناس الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأي تراجع عن هذه المسؤوليات يضر بشرعية السلطة، وبمدى قبول الناس بها.. فالمجتمع هو الحاضن الأكبر لمؤسسة الدولة، لأنها إحدى مؤسساته التي أنيطت بها مسؤوليات محددة ووظائف معينة.

وقد مررت بأفكار منطقية أخرى عن نظرة الإسلام إلى السلطة وممارسة السياسة، فى كتاب هام وثوري فى ظنى اسمه «الحرية أو الطوفان» للدكتور حاكم المطيري، وفيه يبين أن الإسلام وضع خطوطًا عريضة للحكم، ولم يغص في التفاصيل التي يجب على البشر أن يحددوها وفقا لمقتضيات العصر وتطور التاريخ.

وأخيرًا..
فالدولة ليست خارجة عن قيم كالعدالة والحرية والمساواة، بل هي تجسيد لهما.. ورغم انحراف الدولة في مراحل مديدة من التجربة التاريخية الإسلامية عن هذه القيم، إلا أن ذلك ﻻ يشرع للدولة الاستبدادية، ولا يؤسس للنموذج السلطاني.. بل على العكس تمامًا.. حيث أن الانحراف التاريخي، يحملنا مسؤولية تاريخية باتجاه محاولة إظهار تلك القيم الأساسية في السياسة والحكم فى موروثنا، وليس السير على ما سلكه الأولون، بل الواجب هو ممارسة القطيعة المعرفية والسلوكية مع كل أشكال الاستئثار بالقرار والاستفراد بالحكم.. فالإسلام المنزل في كل تشريعاته وأحكامه، يستند إلى الرضا وحرية الاختيار، وليس من المعقول أن يبني نظامه السياسي بعيدا عن مقتضيات الحرية والشورى والعدالة.

وإذن، فإنني أرى أن قضية الحاكمية تجاوزها الآباء المؤسسون فى دستور 51 فى المادة 40....الحاكمية لله وهى وديعة لدى الأمة والأمة مصدر السلطات.

.... «يكفي ما أضعنا من وقت»

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : كانون

    20.01.2015 الساعة 17:27

    أوجزت فأحسنت ....ويكفي من العبط ومن العيت ومن إضاعة الوقت يا أهل الكهف....العملة بائرة ,,والله لو بُعث محمد لسفه سياستكم باسم الدين لتحريف ألأسلام الذي هو "رحمة للعالمين" وفاتحة لحضارة حقوق الإنسان دون مكيالين .