أمية الثورات العربية

علي المجبري |
علي المجبري

بدأت ثورات «الربيع العربي» بتلقائية.. ونجح شقها الأول بسبب عفوية الشعب وتوحيد مطلبه في إسقاط طواغيته، مؤمنين أن الباقي يأتي لوحده.

غير أن شقها الثاني سقط في جحيم الفراغ الأيديولوجي؛ بسبب أمية زعماء هذه الثورات وافتقارهم للمشاريع السياسية التي تجمع الشعبَ وتساوي تضحياته الكبيرة.

فكل ما حدث بعد نجاح الشعب في إسقاط حكامه أو شلِّهم، هو أن أفرادًا وجماعاتٍ استلموا الانتصار وتقدموا به مسرعين سرعة َالفارين من الموت.. فلم يتدبروا أمر البلاد، ولم يتأنوا في اتخاذ قراراتهم.. فتعادوا وانقسموا ولم يتوقف ركضُهم إلا وكل حزب بما لديهم فرحون.

فالحكام الذين أطاح بهم الشعب حل محلهم أنصافُ حكام ادعى بعضهم أنه سيشيد للشعب جنةً على الأرض وقرر الآخر أنه سينقل الشعبَ نفسَه إلى جنة في الفضاء!.. وعلى الشعب أن يختار أحدهما طوعًا أو كرهًا!
ولأن أصحاب المشاريع الديمقراطية والدينية المعتدلة يفتقرون إلى الخبرة السياسية، فقد نجح المشروعان: العسكري معتمدًا على خبرته الطويلة في (العمل) فوق الأرض ودرايته بالسلاح، والإسلام السياسي مدعومًا بخبرته الطويلة في (التخطيط) تحت الأرض وقوته الروحية.. وجعلتهما أكثر قوةً واستبدادًا.

أما الليبراليون فلم يقووا على الظهور بين هاتين القوتين الكبريين؛ لأنهم لم يظهروا يومًا فوق الأرض ولم يتتلمذوا تحتها!

لقد نجح الإسلام السياسي في احتضان هذه الثورات في بداياتها بما اكتسبوه من خبرة (تحت أرضية).. ولكن ما إن هدأت الثورات وبدأت البلدان تدخل مرحلة الدولة حتى بان عجز الإسلاميين الذين لم يمارسوا العمل السياسي فوق الأرض منذ تأسيس حركتهم العام 1928م.

.. فلا هم خبراء بفنون الحكم ولا هم يؤمنون بالتعددية فيُشرِكون غيرَهم في تسيير البلاد!، فالإسلاميون لا يؤمنون بالتعددية حتى داخل الحزب الواحد!!.. وبسبب هذا الفشل الذريع وسخط الشعب عليهم التهمهم المشروع العسكري وأحكم قبضته على الثورات والبلدان على حد سواء.

ليبدو واضحًا أن قادةَ الثورات بمختلف ذهنياتهم لم يمتلكوا فلسفة حكم جاهزة، والمواطنون لم يكونوا واعين لمفهوم الثورة ولم يكونوا ينتظرون غدًا أفضلَ.. فما إن تفتَّتَ الهدفُ الكبير، حتى اتضح أن التكهّن بنجاح هذه الثورات سيكون مستحيلاً استحالةَ أن يتفيأَ الإنسانُ ظله.

* * *
فمنذ وصوله إلى السلطة عطَّل حزب النهضة في تونس الكثير من القوانين المعززة للحريات وضرَب حرية الصحافة وطوَّل عصيّ البوليس وأفقد المرأة التونسية أغلبَ حقوقها التي أورثتها لها تونس الحديثة.
كما لم يعالج قادةُ الثورة البطالة والفساد، ولم تستطع نُخبها أن تتقدم إلا (تعكُّزاً) في طريق الديمقراطية..

فبرغم وجود نخب قوية تدعم الثورة بشكل مستمر إلا أن أغلب هؤلاء أثبتوا أنهم يقبلون (مصطلح) الديمقراطية، لكنهم لا يقبلون (الديمقراطية) نفسها.

فأمية الثورة التونسية لا يمكن أن يخفيها تدافع المواطنين على طوابير الاقتراع أو الخروج للتظاهر؛ فالديمقراطية لم تكن يومًا (صفوفًا) و(صناديق اقتراع) بقدر ما هي برنامج فكري وثقافي واجتماعي كبير، تخطته هذه النخب.. وتجاهلته تماما.. فرائعة الياسمين كَسرت ساقَها السليمة بيديها قبل أن تخطو أولى خطواتها في طريق التغيير!

أما في مصر فإن انشغال قوى الثورة مبكرًا بمسألة تصفية الحسابات والصراعات القديمة قد خَدَّد صلادةَ الثورة وشوّه جماليتها؛ فكان أول مؤشر لأميتها في قيادة الثورات هو اهتمامها بمحاكمة رموز النظام أكثر مما اهتمت بتأمين الثورة وتوفير الدفء لها.

كما أن خروج الإسلام السياسي المبكر عن صف الثورة، ودخوله في حوار منفرد مع العسكر صنع شقًا عميقًا في صف الثورة.. ففتتَ الثورة، ولم يكافأ على فعلته إلا بـ(بروفة حكم) لم تتعدّ سنة ً واحدة، خائبة، وعصيبة.

.. فإخوان مصر الذين تلقّفوا الثورة بعد نجاحها بسبب جاهزيتهم أعلنوا نيتهم، منذ يومهم الأول في الحكم، عن فرض فكرهم القائم على مفهوم الاستبداد السياسي؛ فدستروا محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ودستروا صناعة الـ(فوهرر) المصريّ.

وبهذه البداية الجاهلية ضيعوا الثورة وضيعوا أنفسهم واستنفدوا الوقت الذهبي وهم يفكرون كيف يضعون العربة أمام الجمل.. لقد أسقط الشعبُ مؤسسةَ الإخوان بعد أن علموا أن جَمل «مُرسي» لن يتحرك بمصر خطوةً واحدة.
وفي اليمن تجلت أمية زعماء (ثورة الشباب) في تسليم البلاد إلى أقرباء ومعاوني (صالح) بعد أن أسقطوا (صالح) نفسه!.. فشباب الثورة اتسع بهم الخيال حتى لم يجدوا غير مشايخ نظام (صالح) ليسلموهم لواء ثورتهم المكلفة!

و«لم يكذِّب هؤلاء خبرًا» فقبل أن يُرَد للشباب عقلُهم سلّم هؤلاء الشيوخ البلاد إلى قادة الحوثيين الذين أطفأوا جذوة الثورة بنعالهم، ثم انطلقوا يحاصرون عاصمة البلاد لانتزاعها من الـ(لا أحد) وإعلانها عاصمة دولة (الإمامة) في بلاد اليمن!

فسقطت الثورة قبل أن تكتمل، وسيطر الحوثيون على البلاد بدعم من وكلاء (صالح) دون أدنى مقاومة، حتى بدت (ثورة الشباب) أقرب ما تكون لحركة تصفية حسابات بين الأسر والقبائل.
أما سوريا، فقد قلب ثوارها نصرهم إلى هزيمة، عندما نزلوا، تحت راية الأمية إلى الميادين يقتلون أنفسهم ويشردون أنفسهم ويقطعون رؤوس أنفسهم بشكل لم يقوَ جيشُ بشار على فعله.

لقد سطروا أعظم صفحةٍ في ملاحم الإبادة الذاتية!

أما السؤال الكبير الذي حير كل الخبراء فهو: كيف قلب هؤلاء الثوار تقدمهم الهائل عندما كانوا يقاتلون بأسلحة خفيفة إلى تقهقر شامل عندما امتلكوا الأسلحة الثقيلة!؟

.. إنها أمية الثورة السورية!!.. فالجهل بفنون الثورات أسقط الثوار، ودفع الثورة في دوامة الانقسامات؛ انقسام تلو انقسام، وانقسام داخل الانقسام!.

وهذا الجهل نفسه غذَّى التخاصم والتلاعن بين الأغلبية السنية والأقليات العلوية والشيعية والدرزية واليزيدية والإسماعيلية والمرشدية.. لتتحول (ثورة الشعب) إلى مجرد مصادمات وعداوات جانبية.

وفي السودان قال الرئيس البشير: السودانيون يستمتعون بالربيع العربي قبل سنين من إحراق البوزيدي نفسه!!.. فقفل باب الكلام، وصدّق السودانيون، وخرجوا من الربيع بلا ثورة!

وأما في ليبيا فقد ترك الشعب الحبل على الغارب، فتقاتل الثوار بكل أنواع السلاح وكل فريق لا يتطلع إلا إلى قتل الآخرين وجرّ الجمل بما حمل؛.. فهؤلاء لا يثقون بهؤلاء وكلهم يطلقون أحكامهم الأمية: فكل إسلاميٍّ مجرم، وكل ديمقراطيٍّ عدو الله، وكل عسكريٍّ محكوم عليه بالموت سلفًا!!

لقد قاتلوا القذافي متحدين ولم يتقاسموا نصرهم متحدين!

هذه الأمية أشعلت الحرب بين رفاق الأمس لتحصد آلاف الأرواح الغالية على الشعب الليبي ؛ فالثوار المدنيون المسلحون لا يثقون في (ولاء) رفاقهم العسكريين، والثوار العسكريون لا يثقون في (قدرة) المدنيين المسلحين.
وبين بديلين لا يتحدان ولا يتجاوران ولا يُطيق أحدهُما رؤيةَ الآخر حيًَّا انهارت البلاد وانتُزِعت بوصلتها كما تُنتزع بوصلة الطائرة المخطوفة.

لقد كان في إمكان الثوار المدنيين المسلحين والثوار العسكريين، الذين يرفضون الاختلاط، أن يتعايشوا دون حاجة إلى الصدام.. تمامًا مثلما يتعايش الزيت والماء في الحيّز الواحد، أو الحزن والفرح في الصدر الواحد.
لكن أمية الليبيين في التعامل مع الثورات، جعلت المدنيين المسلحين يتَّحدون مع قوات أنصار الشريعة، ليخوضوا حربهم (نصف المقدسة) ضد جيش ليبيا الذي ساندهم طوال حرب التحرير!.

* * *
هذا السقوط المدوي لثورات عام 2011، جعل حتى الراديكاليين المتطرفين يصرفون النظر عن الدعوة للثورات التي أثبتت أميتها وجهلها بأدبيات وفنون الثورات.

فالجماعات المسلحة التي خرجت على حاكمها المستبد لم تستطع أن تتخلص من أسلوب حاكمها المستبد.. فما إن شعروا بانتصارهم أو تكهّنوا به حتى وجهوا سلاحهم إلى أنفسهم.. فمارسوا التدمير الذاتي، وانتهكوا حقوق أنفسهم وحرياتهم بشكل لم يسبقهم إليه أحد.

.. فباسم الوطنية يقتلون، وباسم الدين يقتلون، وعلى الهوية يقتلون.

فأفشلوا الثورات، وهزأوا بالحريات، وتنكّروا للديمقراطية، وهرعوا من جديد إلى (المنقذ الفرد) ليقودهم بعقلية الذكر المسيطر في قيادة قطعانه.

وفي غياب المشاريع السياسية الجاهزة للانتقال من الثورة إلى الدولة سقط الشعب في جحيم الفراغ نفسه!، وظهرت المشاريع السلطوية التي جرّت هذه البلدان إلى النتيجة المحتومة؛ قتلُ الشعب وظهورُ العشرات من العواصم والمدن المنكوبة.

فهذه الثورات أنتجت أنظمةً ومنظوماتٍ أشد تسلطًا واستبدادًا؛ فقد استبدلت استبدادًا مفهومًا يمكن أن نضع خططًا لتوقيه باستبداد غير مفهوم لا يمكن توقع خطواته!.

لقد حققت شعوبنا ما يمكن أن تحققه القوة، لكنها عجزت عن تحقيق ما يجب أن تحققه المعرفة!.

فالثورات الكاملة، في كل تاريخها، لا تنجح إلا بوعي الشعوب؛ ولكن ما حدث عندنا هو أن الشعب هتف في الشق الأول من الثورة: «الشعب يريد إسقاط النظام».. فأسقطوه و(ارتاحوا) !!.

* * *
أما أهم أسباب انهيار (الربيع العربي) فهو تجزئة هذه الثورات؛ حيث أصبحت كل ثورة مجموعةَ ثورات في ثورة واحدة!.. كل ذهنية ثارت لحساب نفسها واستعدت لجرّ الجمل.. فلم تسهر هذه المجموعات إلا على حماية ممتلكاتها، بينما الثورة التي يمتلكها كل الشعب لم يسهر عليها أحد!.

لقد فشلت ثوراتنا بسبب جهلنا وأميتنا بـ(فن) الثورات.. فلا واحدة منها أنتجت فكرًا ولا مفكرًا، بل عادت أكثر ما عادت ناشطيها وكتّابها وفنانيها ومفكريها!. كما لم تنسق فيما بينها ولم يوحّدها أيُّ برنامجٍ أو قيمةٌ كبيرة!.. كانوا في عهد طواغيتهم يحنُّون إلى صناديق الاقتراع، ولكن ما إن أسقطوهم حتى أزالوا من رأسهم الصناديقَ والاقتراع.

فثورات الربيع العربي لم تتوحد إلا في عبارة واحدة اشتهرت بقوتها الذاتية وسحرِها الذي أسكر حتى الأجانب: «الشعب.. يريد.. إسقاط النظام» !!.

هذه الانتفاضات لا تعدو أن تكون إرهاصات لثورات قادمة لم يحن وقتها بعد. فالشتاء الطويل الذي مرّ على بلداننا العربية، غير الجاهزة للتغيير، لن يجعل الربيع يحل بالشكل الذي يتمناه المتفائلون.

.. فأي ربيع وبيوتنا العربية امتلأت بالأرامل والثكالى والأيتام وصور المفقودين!؟.. لقد بدا واضحًا أن هذه الثورات لا تساوي ضحاياها!.

ورغم كل هذه التضحيات لم نر من نتائج هذه الثورات إلا عودةَ النظام القديم بتنكيلٍ جديد، وازدراءَ الديمقراطية، وغالبًا اندلاع َحربٍ أهلية.

فلا ربيع في الأفق!.. وربما سيتأخر كثيرًا في منطقتنا العربية، بسبب ثقافتنا الجاهلية وأميتنا في قراءة الثورات. فعلينا أولاً أن نخلقَ الربيعَ في عقولنا، وأن نؤمنَ بالديمقراطية ونتقبّلَ أن نكون شركاء في السَّقي والحصاد.

فلم تُذِب شمسُ هذا الربيع إلا القدر اليسير من ثلوج الشتاء العربي.. لقد أنجزنا في أفضل أحوالنا (نصفَ ثورة)!..

نعم، لقد أنتج هذا (الربيع) أنصافَ ثورات.. حتى إننا أصبحنا نراها دافئة من جانب وشديدة البرودة من الجانب الآخر،.. تمامًا كالرجل يعرّض جسده للمِدفأة من جانب واحد!!.
* *

--------------------------------------------
هامش:

أطلق على الثورات العربية عام 2011 تعبير (الربيع العربي) تيمُّنا بـ(ربيع براغ) عام 1968 و(ربيع أوروبا الشرقية) في مطلع التسعينات من القرن الماضي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات