البحث عن الدولة في النصوص الدينية

عبد الوهاب العالم |
عبد الوهاب العالم

لـم يرد مصطلح (دولة)- كمدلول سياسي- في النص القرآني ولا ضمن الأحاديث النبوية على الإطلاق، بل لا توجد إشارة في هذه النصوص إلى (شكل حكم) بعينه على أنَّه الإطار السياسي المفروض على مجتمع المسلمين، في حين اشترط الشرع تنظيم العلاقة بين المسلمين الأوائل ومع جيرانهم من أهل الذمة قياسًا على مدى النفع والضرر الذي يحدثه الفعل الفردي في الجماعة، واضعًا هذا المعيار أساسًا للحكم بين الناس ورد الحقوق وفض النزاعات حتى يكتمل التعايش المشترك ويدوم السلم في الأمة الجديدة، فلا تضطرب أحوالها بسبب صراعات أيديولوجية داخلية فتذهب ريحها، واكتفت النصوص باستعراض مفاهيم فضفاضة كالعدل والإحسان والمساواة على أنَّها مصادر إنسانية ينحت مِنها المجتمع قيمه وقوانين دستوره تصديقًا للإجازة التي أعطاها النبي محمد في الحديث الصحيح حين قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»..

لأي دولة يروِّج دعاة الشريعة ومن أين أتوا بها بالضبط؟

ففي أي جماعة بشرية تمتزج فيها الأعراق وتتعدد الأفكار والنحل يحتم عليها وضعها المتباين اعتماد جملة من القواعد التنظيمية التي لا تنحاز لطائفة دون أخرى للحفاظ على التوازن الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.. وتتطابق هذه النظرية مع نموذج مجتمع المدينة المنورة، الذي نجح إلى حد كبير وإلى أجل معلوم بواسطة هذه السياسة الذكية في تحقيق مبدأ التعايش السلمي ومن ثم الحفاظ على التقدُّم الاقتصادي الذي كان ركنًا مهمًّا في حياة عرب يثرب وقريش.

هنا يتوجب علينا طرح سؤال مباشر: لأي دولة يروِّج دعاة الشريعة ومن أين أتوا بها بالضبط؟.. فالمصادر «الشرعية» التي يركنون إليها ويحلبونها ليصنعوا منها نظام حُكمٍ متكاملاً، هذه المصادر ذاتها تجاهلت شكل الدولة عمدًا لكونه أمرًا يخرج عن مخطط الدعوة التي كانت تتجه دائمًا نحو التوسع والانتشار رامية الإطار السياسي في آخر همومها.. وهذا هو المعنى العميق «للتوحيد» الذي هو المنطلق والأساس لمنهج الرسالة، فقد شددت الدعوة على مصطلح ثوري وهو «الأمة» ليستعاض به عن النظرة العنصرية للآخر.. تلك المتمثلة في قائمة طويلة من التصنيفات العرقية والقبلية الشائعة قبل ظهور الدعوة.. ثم، مع مرور الوقت وانضمام العديد من الأجناس والأقوام غير العربية لتنظيم «الأمة» ابتُكِر مفهومٌ جديدٌ قائمٌ على الحد الأدنى من التوافق بين الجماعات البشرية، وقد ذُكر في عدة مناسبات في القرآن والسُّنَّة.

فقد ورد في الحديث الصحيح: «لا فرق بين أبيض وأسود ولا عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى» وبذلك تحوَّلت المساواة إلى شرط عملي في التعامل بين أفراد هذه«الأمة» الجديدة ورفعت التفضيل والتفاوت بين جميع الأجناس المنضوية تحت الأمة إلى معيار سماوي/ فردي ذلك الذي سُمّي بالتقوى، بينما على الأرض الجميع سواء ولا حكم سوى حكم السماء الذي لا يمكن تطبيقه في مجتمع واقعي حي، وأما العقاب والجزاء الدنيوي إنما هو متروكٌ لأهل الدنيا.

وبالعودة للنقطة الأساسية، وهي الدولة، وتغييبها المتعمد من النصوص الدينية، نجد أنَّ نموذج الدولة عند الإغريق والرومان وفي حضارات الشرق كالصين وآشور على سبيل المثال.. إذا وضعناها جميعًا مقابل الإطار التنظيمي في المدينة المنورة لتبيان أي الكفتين أكثر تطورًا وشمولية وأقرب لشكل الدولة الحديثة.. سيتضح أنَّ نموذج المدينة المحمدية هو الأكثر بساطة وبُعدًا عن نموذج الدولة الحديثة من حيث الجانب المؤسساتي والتنظيري لأنَّه تنظيم اجتماعي فكري في الأساس لا يكترث بالسلطة السياسية بقدر ما يركز على الوحدة الإنسانية من خلال المسار الروحي المُوحد..

ومن الجدير بالمعرفة أيضًا أنْ نعرف أنَّ كلمة «دولة» في العربية لا ترادف كلمة «State» الإنجليزية.

على الرغم مما يطرحه القاموس العربي من أنَّ لفظة دولة تطابق معنى المفردة الإنجليزية سابقة الذكر، فإنَّ هذا شرحٌ مغلوطٌ وغير دقيق، فكلمة دولة العربية جاءت من مصدر «دال»، فنقول: دال الشيء أي انتقل من حال إلى حال.

ويقول مختار القاموس إنَّ الدولة هي انقلاب الزمان فدالت الأيام تعني دارت بين الناس وجاء في الآية: «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، كما تعني أيضًا الحرب الدائرة بين فريقين، ففي معجم المعاني الجامع: «الدولة في الحرب بين فئتين تهزم هذه مرة وهذه مرة» وهي بفتح الدال تعني الغلبة والاستيلاء وقد تكون بضمها كما في القول: كانت لنا عليهم دُولة!! أي سلطة وغلبة.

أما لسان العرب فيقول: والدَّولة بالفتح الفعل وفي حديث أَشراط الساعة إِذا كان المَغْنَم دُوَلاً جمع دُولة بالضم وهو ما يُتداوَل من المال فيكون لقوم دون قوم الأَزهري قال الفراء في قوله تعالى(كي لا يكون دُولة بين الأَغْنِياء منكم) قرأَها الناس برفع الدال إِلا السُّلَمِيَّ فيما أَعلم فإِنه قرأَها بنصب الدال قال وليس هذا للدَّوْلة بموضع إِنما الدَّولة للجيشين يهزِم هذا هذا ثم يُهْزَم الهازم فتقول قد رَجَعَت الدَّوْلة على هؤلاء كأَنها المرَّة قال والدُّولة برفع الدال في المِلْك والسُّنن التي تغيَّر وتُبدَّل عن الدهر.

نستنتج من هذا كله أنَّ الدولة في أصل اللغة والدلالة لا تعني الاستقرار والثبات فهي عند العرب حالة تدول بين الناس، فكيف يمكن بناء نظام سياسي مستقر إذا كان معنى الدولة في اللغة هو الانتقال من حال إلى حال؟.. فعرب الحجاز لم يُعرِّفوا الدولة بالمعنى المحرف الذي اعتمدناه.. بل عرَّفوها بالحرب والاستيلاء على السلطة والحكم لفترة معلومة.. ومن هنا نقول دولة بني أمية ودولة الفاطميين ودولة بني العباس ودولة الأدارسة في المغرب.. وهي لا تعني نظامًا سياسيًّا مستقرًا بقدر ما تعني الفترة التي احتكر فيها الأمويون أو الفاطميون أو العباسيون أو الأدارسة السلطة والحكم، وقهروا فيها القبائل والفئات المعارضة تحت سلطانهم.. فكيف إذن يقترح علينا دعاة الدولة الدينية أو المدنية ذات المرجعية الإسلامية إنشاء دولة تحفظ الحقوق وتتمتع بالاستقرار في حين أنَّ التاريخ واللغة يخبراننا بوضوح أنَّ الدولة عندنا هي حال غير مستقر يحتكر فيه قومٌ السلطةَ حتى ينتزعها منهم قومٌ آخرون.
فشتان بين الدولة التي تفيد (الحال) عندنا..

كلمة «دولة» في العربية لا ترادف كلمة «State» الإنجليزية.

ولفظة «State» الإنجليزية ذات الأصل اللاتيني والأنجلو-فرنسي والتي ترجع للفظة«EState»، كما يشرح لنا قاموس (وبستر) الذي يقول أيضًا إنَّ من معاني هذه الكلمة: (الوضع) و(الطريقة) المميزة في الحياة أو الحالة العقلية أو الجسمانية. في الأساس تعني لفظة «State» حين تأتي اسمًا «الحالة» أو «الوضع» الذي يكون عليه شيء ما. وتعني حين تأتي فعلاً، «يقول» أو «يصرِّح» بشكل رسمي وبالتالي يمكن أن تترجم «يعبر»، ومن هذا الفعل اشتقت كلمة «Statement» التي تعني «التصريح الرسمي» كما أنَّها تعني «كشف الحساب المصرفي».

من هنا يمكننا أن نستنتج أن الدولة «State» في اللغات المتفرعة عن اللاتينية تحيل إلى حالة«تعبيرية» تعبر عن المجتمع أو مجموع الشعب وتقدم، بمقتضى مبادئ الديمقراطية وعبر آلياتها، كشف حساب بأعمالها للشعب، وليست «حالة غلبة»..

ومع هذا كله لا يجوز لنا أن نغفل عن دور القواعد التنظيمية في (المدينة المنورة) لأهمية البيئة والتوقيت اللذين وُضعت فيهما.. ففي سياق نزول الآيات نلاحظ بوضوح تغير أسلوب الدعوة والطرح القرآني بين الفترة الأولى المعروفة بالمكية، أي السور التي نزلت بمكة، والفترة الثانية التي اُصطلح عليها بالمدنية.. والتي نزلت فيها السور بعد الهجرة ليثرب.. فقد كان تغير طريقة الطرح القرآنية هذه، ضرورة تستوجبها تأسيسية الدعوة.. فنحن نعلم أن المدينة كانت تُعرف قبل الهجرة بـ«يثرب» وأطلق عليها أسماء كثيرة بعد الهجرة كان أشهرها المدينة وهو الاسم الذي ساهم القرآن في تثبيته عليها كما جاء في الآية: (ما كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ.. ) إلى آخر الآية 120 من سورة التوبة.

وفي تغيير اسمها للمدينة إشارة شديدة الأهمية على التأسيس لمرحلة متقدمة عن تلك السابقة في مكة بفكر وأيديولوجية جديدين: ففي المدينة وحدها يمكننا سن القوانين.. لأنَّ القانون في الأساس ظاهرة مدينية نتجت عن ثقافة المدينة القائمة على الفردية.. أما مجتمع البداوة فلا يسير وفق القانون بمعناه الموجود في المدينة، فالقانون ظهر في المجتمع المدني لحاجة هذا المجتمع لتنظيم العلاقة بين فئاته المتمايزة.. وهذا التمايز أو التعدد غير موجود في القبيلة، كما أنَّه لا حقوق للفرد مستقلة عن وجود الجماعة في (القبيلة) وكل فعل صائب أو خائب يقوم به الفرد البدوي يعود مباشرة للقبيلة وليس للفرد نفسه، أو ليس له وحده على الأقل، لذلك وجب تغيير الوضع الاجتماعي الذي أدخل شريحة جديدة على مجتمع يثرب وهي «الأنصار»، بهدف احتواء الجميع، ورغم أن هذه الخطة لم تدم طويلاً بل انقلبت فيما بعد لحرب أهلية، فإنَّ المساعي الأولى للتغيير كانت جذرية. فاسم يثرب صار المدينة وفي هذا محاولة لمحو الأثر الذكوري وقطع جذور النسب مع الماضي.. فيثرب هذا هو زعيم قبيلة عبيل العربية البائدة، ويحمل اسمه أثرًا ماضويًّا وعشائريًّا مرفوضًا في مشروع الحداثة المُحمدي فمؤسس المدينة لم يكن مهتمًا بتشكيل دولة متكاملة الجوانب على غرار الممالك العربية المعروفة آنذاك.. وما كانت قوانين المدينة المنورة سوى أمور تسييرية للأحوال العامة مُهيئة لسلم اجتماعيٍّ لم يتحقق!

التعاليم المحمدية تعرَّضت عبر العصور لحكم التفسير والاجتهاد

ولم توضع تمهيدًا لدولة دينية كالتي كانت حلما قوميا لشعب إسرائيل: مملكة دينية يحكمها الماشيح المنتظر برعاية مباشرة من الله نفسه.. وما يؤيد هذا الطرح مما هو معلوم في كتب السيرة هو تأدية الرسول حجة الوداع في العام العاشر الهجري، إذ يقول ابن هشام في السيرة النبوية عن هذه الحجة: فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدها، لكنه عاش بعدها عامًا كاملاً قبل أن يُتوفى في السنة الحادية عشرة للهجرة كما روى ابن كثير في البداية والنهاية والبخاري ومسلم في صحيحيهما.

في هذا العام الأخير لم يزد فيه شيئًا على الرسالة على الرغم من أنه كان بمقدوره التفرغ لوضع أسس دولة أو رسم إطار سياسي على الأقل يتماشى مع طريقه الأمة التي تعاظم سلطانها في ذلك الحين، لكنه لم يفعل، بل تفرغ لأمور أكثر عمقًا تتجاوز الأمور الدنيوية.

وعلى ما سبق فإنَّ التعاليم المحمدية تعرَّضت عبر العصور لحكم التفسير والاجتهاد، كما أخضعها العلماء-على تعدد آرائهم واختلافها- لمصالحهم ونظرتهم المحدودة، وذلك لطواعية النص ومرونة اللغة التي جاءت بها الرسالة.. ولذا استخرج منها كل حزب مراده ووجد فيها مبتغاه وتجاهل بعضهم قراءة الحالة الاجتماعية والحضور الزمني لموضوع البحث..

والواقع أنَّ كل دراسة وبحث في هذا المجال، في ما أرى، سيَلقى الفشل أو القصور في فهم أو استيعاب مجتمع المدينة المنورة والقواعد العامة التي حكمته مادام لم يُنظر إليه ضمن سياق الحركات العالمية والنظريات الإنسانية التي أرادت شد أواصر الأمم.. تحت شريعة الإنسان فقط.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات