طعم الديمقراطية التونسيَّة

عزة كامل المقهور |
عزة كامل المقهور

تلقيت دعوة كريمة من مركز كارتر للمشاركة في مراقبة الانتخابات التشريعية التونسية يوم 26. 10. 2014، والتي رأيت فيها فرصة لمواكبة المسار الديمقراطي التونسي الذي عاصرته من بواكيره، فأنا من ليبيا دولة من دول ما سُمّي بالربيع العربي، تراجع مسارها ودخلت في درب وعر معبّد بالدماء.

جئت إلى تونس وغمرني شعور جميل بأنني في بلدي، تحركت في العاصمة بحرية وأنا أتحدّث بلهجتي فيفهمني الجميع، ولم أشعر بلحظة خوف أو تردد لما قد يحدث من اختراقات أمنية في هذه الفترة الحساسة من تاريخ تونس.

لا أرغب في الحديث عن الجانب العملي من تجربتي هذه في تونس، فنتائجها ستظهر في تقرير مركز كارتر عن سير الانتخابات هذه، لكنني رغبت في الحديث عن الجانب الإنساني الذي لمسته في أثناء هذه الانتخابات.
لا شك أنّ تونس تمر بمرحلة صعبة فالمخاض الديمقراطي صعب، وما يصعب من خروجها من الفترة الانتقالية إلى فترة الاستقرار هو عدة تحديات أهمها على الإطلاق الأمنية والاقتصادية.

عزوف الشباب عن المشاركة بشكل بين في هذه الانتخابات، إنما ينبئ عن لمسة تشاؤم وإحباط تغلغل في نفوس البعض من أن الانتخابات وحدها لا تكفي للعيش الكريم.

لذلك فإن عزوف الشباب عن المشاركة بشكل بين في هذه الانتخابات، إنما ينبئ عن لمسة تشاؤم وإحباط تغلغل في نفوس البعض من أن الانتخابات وحدها لا تكفي للعيش الكريم. والعملية الانتخابية في حد ذاتها ليست بغاية إلا في تلك البلدان التي ذاقت الحرمان منها، وحلمت بها، وتمنّت غمس السبابة في ذلك الحبر السحري اعتقادًا منها أن كل مشاكلها ستنتهي بذلك اللون البنفسجي.. ثم لاحت الحقيقة المرة أن الانتخابات ماهي إلا وسيلة من وسائل عدة لتحقيق الحلم الأكبر في الحرية والمساواة والعدالة والعيش الكريم ودولة القانون والمؤسسات، وإن الانتخابات لها إشكالياتها وإخفاقاتها ونتائجها، ثم الأداء الذي يتبعها من المجلس المنتخب، وما إلى ذلك من تحديات.. وكم من انتخابات مزقت نسيجًا اجتماعيًا، أو فرقت بين أبناء الوطن الواحد، أو غيرت من الخارطة الجغرافية للبلد رغم نزاهتها وشفافيتها وحسن أدائها.

ما حدث في تونس من خلال تجربتي القصيرة، هو أن هذه الانتخابات جمعت أكثر مما فرّقت، فما رأيته في مراكز ومكاتب الاقتراع هو حب تونس والرغبة في أن تنجح في السير قدمًا في المسار الديمقراطي...
السائق "رضا"، كان هادئًا وهو يقود بي السيارة من مكان إلى آخر، ومن مركز إلى آخر ومن مقهى إلى آخر.. حتى شعرت بأنه ينتقل بي من حلم إلى آخر.

في أماكن الاقتراع كان الترحيب التونسي والابتسامة عنوان انتخابات 2014.

بدأت الزيارات الميدانية في اليومين السابقين للانتخابات وتعرّفت على العديدين من أبناء البلد الذين يعملون في هذا المجال، ولم ألق إلا حفاوة وترحابًا، لم أر دفعًا أو ترددًا أو عدم تجاوب أو انغلاقًا. شفافية لا تقف عند حد المهنية في أغلب مكاتب الاقتراع؛ بل تتجاوز لحد التعارف والشرح وإعطاء التفاصيل لمزيد من المعرفة.

كانت "تربة الباي" في باب الجديد محطتي الأولى والأخيرة، بعد أن غطينا ما بينهما عشرة مكاتب للاقتراع.. تربة الباي كانت كوة دافئة ليوم شاق بدأ من السادسة صباحًا، وانتهى عند الثانية بعد منتصف الليل.. كان الأستاذ أحمد مدير مكتب الاقتراع أنيقا بشوشا، يدور حول الصندوق وكأنه يعتني بحديقة بيته، الأستاذ أحمد كان تونسيًا "محرارًا"، قلبه على أمه تونس وحسب، لا تشعر إلا بانتمائه لوطن لا يريد له أن يأفل، حتى وإن كان مآلنا نحن البشر الأفول، يريد أن تستعيد تونس خضارها وجمالها وحيويتها لكي تستقبل أحفاده الذين سيقترعون يومًا ما ويختارون خانات مختلفة على أوراق الاقتراع.

كم فرحت وأنا أرى المرأة مديرة للمركز وللمكتب الانتخابيين، تملك مساحة من القرار، وتدير عملاً سياسيًا وقانونيًا يعمل على تداول السلطة سلميًا.

عمل الشباب في الهيئة الفرعية للانتخابات بجدية وهدوء وتفانٍ، وكم فرحت وأنا أرى المرأة مديرة للمركز وللمكتب الانتخابيين، تملك مساحة من القرار، وتدير عملاً سياسيًا وقانونيًا يعمل على تداول السلطة سلميًا. حين داهمنا الليل في المكتب الانتخابي في باب الجديد في انتظار عملية العد والفرز اقتسم الجميع الكلأ والماء، بمن فيهم ممثلو الأحزاب السياسية وكنا معهم، ومع انتهاء العملية وبعد أن نال منا التعب، كنا قد أصبحنا أسرةً واحدةً.. رئيس المكتب والأعضاء، ممثلو الأحزاب السياسية والقوائم، المراقبون المحليون والمراقبون الدوليون.

سمعت من العديدين أنّ المهم هو أن يستمر المسار الديمقراطي، وأن يؤمن المواطن بأن التغيّر الذي ينشده لا يكون إلا بأدوات انتخابية وهو طريق طويل ووعر وشاق؛ لكنه يصل حتمًا بتونس إلى الطريق المعبد المنير، وأنه لا بديل عن هذا الطريق سوى العنف، نار وقودها الشباب يدفعهم إما إلى الموت أو إلى التجرد من الإنسانية، وكليهما فناء.

طعم الديمقراطية لا يختلف كثيرًا إلا في نوع البهارات وكميتها، لقد كان لتجربتي حضور الانتخابات التشريعية في تونس شعور خاص هو مزيج من الأريحية والمعرفة بالمكان والناس، إضافة إلى السعادة الغامرة والترقب والأمل في أن تنجح.. وذاك الشعور بالأسى لما يحدث على بعد كيلومترات في بلدي ليبيا.

إنَّ نجاح التجربة الديمقراطية في أي بلد تحتاج إلى حاضنة تفوق حدوده، فالثورات التي حدثت في المنطقة زادت من ارتباطها، ولا أرى نجاحًا يمكن أن يطال تجربة دون أن تكون دول الجوار تسير في ذات الطريق حتى وإنْ تخلّفت عن جارتها.. إنَّ القول بتفتيت تجارب المنطقة والإغراق في إظهار الخصوصية الوطنية ليس سوى مسكنٍ وليس حلاً.. فالديمقراطية إما أن تعم لتتحصن، وإما أن تتآكل دون أن تزدهر.
هنيئًا لتونس... وهي تستطعم ديمقراطيتها وتشاركنا فيها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات