ليبيا: المسارات الثلاثة والنقلة المطلوبة

فضيل الأمين |
فضيل الأمين

الإرهاق الشعبي من الاضطراب السياسي تزداد حدته في المشهد الليبي وتصاحبه انعكاسات واضحة، ليس فقط على المشهد السياسي المضطرب، ولكن، أكثر من ذلك، انعكاسات كارثية على وحدة التراب الليبي وكينونة الوطن.

هناك حاجة ماسة للاستقرار السياسي في البلاد. هناك حاجة ماسة للارتفاع فوق الصراعات السياسية من أجل توفير الاستقرار اللازم لدوران العملية الانتقالية وبناء الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يجعلها قادرة على امتصاص واستيعاب الدعم الدولي الفني في مجال بناء المؤسسات وتدريب الكوادر و"مأسسة" العمل ومحاربة الفساد.

هناك حاجة ماسّة لتقديم المسار الوطني على المسار السياسي. فالمسار الوطني سيخدم المسار السياسي، ولكن التنافس السياسي "على سلطة لم تتشكل بعد" لن يخدم المسار الوطني، بل يعرقله.

هناك حاجة ماسّة لخلق حد أدنى من الواقعية المطلوبة. فالاستقرار والحد الأدنى من الواقعية المطلوبة أمران لازمان لأي انتقال في أي وقت، ويصبح الأمر ملحًا أكثر في مراحل ما بعد الصراعات المسلحة والثورات غير الدامية والدامية. فالاستقرار والواقعية هما صنوان للتحرك إلى الأمام. وفي غيابهما تتملك المشهد حالة الشلل المستمر. عندما يحاول الجميع قراءة المجهول وتوقع غير المتوقع، فيصبح الشلل والعجز هو سيد الموقف.

وهناك حاجة ماسة للالتفاف حول الحوار الوطني واعتباره المخرج الوحيد للبلاد من حالة الصراع المستمر والتنافس المحموم على ما لم يتشكل بعد، من أجل تشكيله على هوى واحد أو لون واحد أو رأي واحد أو اجتهاد واحد. فالحوار يساعد على تقديم الوطني على السياسي وإعادة المسار الوطني باعتباره المحور الذي يجب أن تدور عليه رحى المرحلة الانتقالية والعملية السياسية، من باب "دعونا نبني البيت ثم نتنافس أو نقتسم الغرف".

هناك ثلاثة مسارات في الشأن الليبي اليوم، وهي جميعًا مسارات هامة وأساسية. وبفهمها وعدم الخلط المباشر فيما بينها يمكننا أن نتحرك في الاتجاه الصحيح، إذا ما وضعنا نصب أعيننا ما طرحته من نقاط ماسة في بداية هذا المقال.

هناك ثلاثة مسارات في الشأن الليبي اليوم، وهي جميعًا مسارات هامة وأساسية. وبفهمها وعدم الخلط المباشر فيما بينها يمكننا أن نتحرك في الاتجاه الصحيح.

المسار الأول: المسار الدستوري، ومها تكن لدينا من ملاحظات حول هذا المسار الدستوري، من حيث كينونته في خارطة الطريق في الإعلان الدستوري وكيف تم التوصل للجنة الستين وانتخابها ومدة الـ120 يومًا التي تم تخصيصها لصناعة الدستور، إلا أن الحقيقة أن هناك مساراً واضحًا ومحدداً بزمن ومهمة وفريق عمل يقوم به، هو في حد ذاته أمر مطلوب وجيد. ليس ممتازًا إطلاقًا، ولكن كما قيل "تذهب للحرب بالجيش الذي لديك وليس بالجيش الذي تتمناه". قد نضطر لتعديل فترة الـ120 يومًا. قد تتجه لجنة الستين للتفكير في تطوير الإعلان الدستوري الحالي واعتباره دستورًا موقتًا لفترة معقولة لاستقرار البلاد؛ وقد تعدل دستور 1951 المعدل 1963 تعديلاً واسعًا بحيث لا يبقى منه إلا دلالته "التاريخية" وهي، في حد ذاتها، دلالة رمزية هامة، وتعتبره دستورًا موقتًا لفترة انتقالية معقولة من أجل الاستقرار والواقعية اللازمتين؛ وقد تصنع دستورًا جديدًا ينال قبول الشعب.

مهما يكن من أمر، هذا مسار يتجه الوجهة الصحيحة وبطريقة أقرب إلى الصحيحة، إن لم نقل صحيحة، ضمن جدول زمني قد يحتاج إلى تعديل ليكون أقرب إلى الواقعية والعملية. ولكن، مع كل ذلك، هذا مسار إيجابي صحيح يجب الاستمرار فيه والمحافظة عليه وترشيده ومتابعته وليس نقضه أو عرقلته بالمزيد من المزايدات أو التخوفات.

المسار الثاني: مسار تقييم أداء الحكومة والمؤتمر الوطني، وعلاقة كل منهما بالجداول الزمنية المرتبطة بخارطة الطريق والمهام الموكلة إلى المؤتمر. ويشمل ذلك اقتراح تعديلات هيكلية مثل اقتراح اختيار رئيس دولة أو ما يسمى التمديد لعمل المؤتمر بعد ما أسميه النهاية "الافتراضية" 7\2\2014 للمؤتمر، التي صنعها البعض كبعبع خيالي لا سند دستوريًا له من أجل أهداف سياسية، وساهم في تقويتها على أرض الواقع ضعف أداء المؤتمر والحكومة لأسباب موضوعية وأسباب الصراع السياسي بين الكيانات على السلطة التي لم تتشكل بعد. هذا المسار يتم التعامل معه عبر المبادرات وعبر لقاءات التشاور التي أشرف عليها مكتب الأمم المتحدة في ليبيا.

ومهما حاولت الكتل الوصول إلى التوافق على خارطة طريق وجدول زمني فيما بينها عبر صفقات سياسية، إلا أن هذا لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تعامل حقيقي وشفاف مع الشعب، من أجل محاولة إعادة اكتساب الثقة والمصداقية عبر آليات وخطوات شجاعة تقنع الشارع الليبي أن التمديد ليس لمصالح شخصية ولا أهداف حزبية، ولكن لمصلحة وطنية، وأن المؤتمر سيضحي ببعض امتيازاته ويلزم نفسه بعهد محدد ومهام محددة ضمن جدول زمني محدد يخدم هذه المرحلة الانتقالية الصعبة. هذا المسار لا يجب أن يخلط مع مسار الدستور لأنه مسار سياسي إجرائي ومحدد بامتياز.

المسار الثالث: مسار الحوار الوطني، وهو مسار أساسي محوري لبناء الدولة، التي ليست موجودة، بل موجود، فقط، بعض مؤسساتها المترهلة بالبيروقراطية والفساد والفوضى.

ودور الحوار الوطني هو خلق التوافق الوطني اللازم لكي نتحرك جميعًا إلى الأمام في دولة واحدة، بغض النظر عن شكلها أو هيكلها الذي هو من شأن الدستور. التوافق الوطني عبر الحوار هو المستلزم الأساس في مراحل الانتقال بعد الثورات. ولقد لاحظنا في غيابه ما حدث ويحدث في جارتنا الشرقية، ولاحظنا في وجوده، ولو المحدود، ما حدث ويحدث في جارتنا الغربية. عبر مسار الحوار نضع الإطار الصحيح لبناء دولة ليبيا المعاصرة الثانية، دولة القرن الواحد والعشرين التي تقوم على التوافق قبل التنافس. فإذا كانت العمليات الانتخابية أساسها التنافس، ونتاجها الفائز والخاسر، فالتوافق والوفاق الوطني أساسه ومخرجه هو الفوز للجميع، ليس بكل ما يريدون، ولكن ضمان أنه ليس هناك خاسر؛ ضمان فوز الوطن، والمجموع، قبل أن ننزع إلى التنافس التقليدي من أجل تداول السلطة.

في ليبيا هذه هي المسارات، وفي ليبيا تتحرك هذه المسارات، وفي ليبيا لا يجب أن تختلط هذه المسارات اختلاطًا سياسيًا مصلحيًا. ففي حين أن الدستور "عقد اجتماعي"، وفي حين أن الشأن السياسي العملي "إطار تفاوضي آني"، يبقى الحوار هو "العقد السياسي الذي يجمع حبات العقد أو المسبحة" في إطار التوافق دون إقصاء أو إبعاد أو تهميش أو استثناء؛ أساسه، المواطنة، ونتاجه هو الوطن الواحد للجميع.

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات