الملك إدريس السّنوسي في ذكراه الخالدة

شكري السنكي |
شكري السنكي

فِي يوم 25 مايو قبل واحد وثلاثين عَامًّا، طَوَى الزَّمَان آَخَر صفحة مِن سجل تاريخ حياة المَلِك إدْرِيْس السَّنوُسي الأب المُؤسِّس لدولة لِيبَيا الحديثة.
أَقِف اليوم للحديث عَن المَلِك إدْرِيْس في ذكِرَاه الخَالِدَة، مِن زاويّة مُختلفة عَن الزَّوايا التي سبق وأَن عرضتُهَا في كِتابات أخرى، ومن جانب آخر من جوانب حياته رحمة الله عليه.

أقف متحدثًا عنه، والوطن يعيش اقتتالاً بين أبنائه، وفتنًا واضطرابات مُختلفة، واتساعًا في رقعة الخطر والمخاطر.

ربّما يرى البعض أن الحديث عَن المَلِك إدْريْس في ظلّ الانقسامات والتهديدات والمخاطر التي تواجه الوطن -وإن كان في ذكرى وفاته- حديث في غير محله ولا في وقته المناسب بل خارج السّياق بالمرَّة، ومن جهتي، أرى الوقت مناسبًا، وأن الحديث عن الأب المؤسس في ذكرى وفاته واجبُ لأنه مِن مقتضيات الوفاء ومحاولة للخروج مِن هذا النفق المظلم عبر طرح فكرة الملكية الدّستوريّة والعودة إلى شرعيّة دستور 1951م بتعديلاته اللاحقة.

حقًا، لقد كان السّيِّد إِدْريْس ملكًا صالحًا متواضعًا، عمل في صمت، وتحققت في عهده إنجازات عظيمة لكنه لم ينسب أيًا منها لشخصه الكريم لأنه كان يرجو مرضات ربه ويبتغي الأجر والمثوبة منه وحده ولا ينتظر مِن النَّاس جَزَاءً وَلا شُكُورًا.

والحديث عن السّيِّد إدْريْس السّنوُسي يعني الصلة بالتَّاريخ، والانطلاق من التراكم، والتذكير بالسّنوُسيّة التي كانت مظلة سياسيّة لكلِّ الِلّيبيّين، والمرجعيّة في مواجهة الانحراف والتطرف، أو كمَا قال الدّكتور محَمّد عبدالعزيز وزير الخارِجِيّة في الحكومة الِلّيبيّة الموقتة: "نحتاج في ليبَيا إلى مظلة سياسيّة تجمع كلّ الِلّيبيّين، وفي اعتقادي، أن نظام الملكيّة الدّستوريّة سيوفر الوفاء للمملكة وللمَلِك، والوفاء للمرجعيّة السّنوُسيّة وهذه مهمّة جدَّاَ في مواجهة التطرف المتشدد".

وفِي شخصيّة المَلِك إدْريْس تتجسد وتتجلى قيم العدل والصدق، الاعتدال والاستقامة، الحكمة وإمعان النظر.

المَلِك إدْرِيْس الّذِي قاد سفينة الوطن إلى بر الأمان، وتحقق في عهده لليبَيا مَا يشبه المعجزة.

المَلِك إدْرِيْس الّذِي حقق الإنجاز وتحقق على يده الخير والرخاء والّذِي لم ينزل يومًا إلى الشوارع طلبًا للتصفيق والهتاف، بل تباعد عَن الأضواء ومواقع الإطراء، ورفض أن يتحدث عَن نفسه أو يصرح ببطولاته.

المَلِك إدْرِيْس وجه ليَبيا الطيب، ووجه تاريخها الناصع، ورمز وحدة الوطن واستقلاله.

إن إحياءنا ذكرى وفاة المَلِك إدْريْس هُو تخليد لذكراه وسيرته العطرة، وفخر واعتزاز بما قدمه هُو ورفاقه البررة مِن أعمال جليلة، وإنجازات كبيرة، وأفعال عظيمة في الدِّفاع عَن الوطن والذود عَن كِيَانِه ومَصَالِحِه، وهو كذلك تحية لكل مُجَاهِد ومُنَاضِل قدّم لهذا الوطن الغالي، كل ما أَستأْمنه الله عنده، في صمت المُخلصِين، وهي مناسبة لابُدَّ أن نحرص على الوقوف عندها، مِن أجل تقديم أعمال هذا الرجل الصالح الجليل ومواقفه وتجربته وخبرته لتكون الأسوة للعاملين في حقل السّياسة، والمثل الأعلى للشباب، والقدوة لأجيالنا القادمة.

لقد كرَّس إِدْريْس السنوسي حياته مِن أَجل لِيبَيا وسعادة شعبِها، وكان نمُوذجًا في رِحلَة كفاحه، وكان في سُلوكه يعكس قيِّمًا راقِية عظِيمة علَى المُستويين الشخْصِي والعام، وهُو مَنْ أكد هذا المعنى في وقت مبكر جدًا، في خطاب ألقاه في مدينة بّنْغازي يوم 30 يوليو1944؛ حيث قال: "ليس لي مأرب ولا غاية في هذه الحياة الفانية إلاّ أن أرى أهل وطني أعزاء متمتعين بحريتهم".

حقًا، لقد كان السّيِّد إِدْريْس ملكًا صالحًا متواضعًا، عمل في صمت، وتحققت في عهده إنجازات عظيمة لكنه لم ينسب أيًا منها لشخصه الكريم لأنه كان يرجو مرضات ربه ويبتغي الأجر والمثوبة منه وحده ولا ينتظر مِن النَّاس جَزَاءً وَلا شُكُورًا.

أخذ المسؤوليّة بحقها، وأدَّى الّذِي عليه فيها، فكان يخاف ربه ويخشاه، ولا يريدها أن تكون يوم لقاء ربه خزيًا وندامة، وكان يخاف الله ويعمل حسابًا للقائه، ويفكر في يوم الوقوف بين يدي المولى عز وجل، ويضع الموت نصب عينيه.

جانب آخر مِن حياته، الاستعداد للرحيل عَن هذه الدنيا
وهذا ما أود التنويه إليه أو الحديث عنه في هذه المرة -كما أشرت إليه سلفًا- (مِن زاويّة مُختلفة عَن الزَّوايا التي سبق وأَن عرضتُهَا في كِتابات أخرى أو من جانب آخر من جوانب حياته رحمة الله عليه) وهو استعداده للرحيل عن هذه الدنيا.

فقد ظلّ الملك إدريس طوال سنوات حياته، يمتلك قبرًا حجزه أو اشتراه، ومن المتعارف عليه في حياة كثير من الصّالحين وعلمائنا الأفاضل اتخاذ القبرٌ، الذي يوجد أحيانًا في المنزل، للتذكير بالموت، وإن الإنسان معرّض لهذا الموتِ في كلِّ لحظة، وإن الآخرة خَيْرٌ وأَبْقَى.

ظلّ الملك إدريس طوال سنوات حياته، يمتلك قبرًا حجزه أو اشتراه، ومن المتعارف عليه في حياة كثير من الصّالحين وعلمائنا الأفاضل اتخاذ القبرٌ، الذي يوجد أحيانًا في المنزل، للتذكير بالموت، وإن الإنسان معرّض لهذا الموتِ في كلِّ لحظة، وإن الآخرة خَيْرٌ وأَبْقَى.

في العَام 1953 زار المَلِك إدْريْس ضريح جده الإمام محمد بن علي السنوسي -رحمة الله عليه- في الجغبوب فاختار مكانًا ليُدفن فيه إلى جواره، فلما تُوفي أخوه السيد الرَّضا في 29 يوليو 1955 أمر بدفنه فيه ثمّ اختار لنفسه مكانًا إلى جواره، فلما تُوفي السّيِّد صفي الدّين السّنوُسي في القاهرة يوم 22 نوفمبر 1967 أمر بنقل جثمانه إلى ليبَيا ودفنه في الجغبوب في القبر الّذِي أراده لنفسه، وبعْد ذلك، اختار لنفسه مكانًا إلى جوار والدته في المكان ذاته، فلما حدث انقلاب سبتمبر عرف أنه صار مِن المتعذر أن يدفن هُناك، فلما استقر في القاهرة بمنطقة الدّقي -عقب الانقلاب المشؤوم- اشترى المَلِك إدْريْس قبرين واحد له والآخر للملكة فاطمة في مقبرة (أبو رواش) بالقرب من القاهرة وهي -مُنذ زمن- مقبرة لليبيين المقيمين بمِصْر، وطلب مِن خادم المقبرة أن يأتي بأحد الخطاطين ويكتب على الحائط خلف قبره الآيّة الكريمة رقم (38) مِن سورة الحج: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِين آمَنُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ).

حدث ذلك قبل أن يلتقي المَلِك إدْريْس المَلِك خالد بِن عبدالعزيز آل سعود بعْد موسم الحج في العَام 1977 ويتحصل على وعد منه يقضي بسماح المملكة السّعوديّة -متى حانت المنيَّة- أنّ يدفن جسده الطاهر في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، وبعْد وفاة السّيِّد محَمّد السّيفاط أبو فروة البرعصي أحد رجالات العهد الملكي وأحد مؤسسي (الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا) في الثامن مِن أكتوبر 1982، منح المَلِك قبره الذي سبق أن جهزه بمقبرة أبو رواش للسّيِّد السّيفاط ليدُفِن بها رحمه الله وتقبله عنده في الصالحين.

وفي صباح يوم الأربعاء الموافق 25 مايو 1983 توفي المَلِك إدْريْس السُّنوُسي، فقام مَلِك السُّعُوديَّة المَلِك فَهِد بن عبدالعزيز آَل سُعُوْد بتنفيذ وعد أخيه المَلِك خالد، فنُقل جثمان المَلِك إدْريْس الطاهر مِن القاهرة إلى المدينة المُنوَّرة في طَائرَة مِصْريَّة خاصَّة، ودُفِن بَعْد صلاة الظهر في مقبرة البقيع المباركة.

وكان الملك الصالح أثناء وجوده بمِصْر في يوليو 1947، نظم بعض الأبيات مِن الشعر عبّر فيها عَن شوقه المتعاظم لأرض الوطن وجباله وترابه وموج بحره وأشجاره وطيوره كذلك لزيارة أولياء الله الصالحين ومقاماتهم وفِي مقدمتهم مقام الصحابي الجليل رويفع الأنصاري الموجود في مدينة البيضاء.

وفِي ختام أبياته المنظومة، دعا المولى عز وجل أن يكون حسن الختام (بيثرب) المدينة المنورة إلى جوار جده المُصْطفى محَمّد صلى الله عليه وسلم، فقال:
وحسنُ ختامِ آخرِ العمرِ نعمة * * * بيثرب حيث النبي المبشرُ

فاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه وحقق أمنيته بعْد ستة وثلاثين عامًا، وكتب له أن يُدفن كما ذكرنا في تلك البقعة الطاهرة (البقيع) إلى جوار جده المصطفي صلى الله عليه وسلم وبجانب قبر ابن عمه الإمام المجاهد السّيِّد أحمَد الشّريف رحمة الله عليهم جميعًا.

رَحِم الْلَّه المَلِك إِدْرِيْس السُّنوُسي في ذِكرَاه الخالدة، وسلام على رُوحه الشَّرِيِفَة الطَاهرة في عليين.

وفي الختام أشكر لكم تفضلكم بالاستماع إلى كلمتي هذه وأدعو الله أن يوفقكم ويحفظكم، وأن يمن على وطننا العزيز ليبَيا بالخير والأمن والأمان والاستقرار والازدهار، وأن يبارك جمعكم هذا ويجازي القائمين عليه أفضل الجزاء، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: هذه الكلمة أرسلتها للمشاركة في إحياء ذكرى وفاة مؤسس دولة ليبَيا الحديثة المَلِك الصالح محَمّد إدْريْس السّنوُسي، المنعقد مساء يوم الأحد الموافق 25 مايو2014 بقاعة (المركز الِلّيبي للمحفوظات والدّراسات التاريخيّة) بشارع ميزران.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ادريس الاحلافي

    10.03.2015 الساعة 13:55

    المؤرخ الاستاذ شكري السنكي .. تناولك لسيرة الملك الراحل ادريس السنوسي رحمه الله واحسن اليه ، من زوايا مختلفة واضاءات لجوانب لا يعرفها الكثيرون .. هو ما نحتاج اليه من كتاب صادقين يعيدو ترتيب الصورة من جديد بعد ان شوهوت في نظر اجيال لم تعرف الملك ادريس كما عرفناه وعشنا عصره .. نامل ان يضع مناهج التاريخ لمدارسنا مؤرخين صادقين امثالكم .