أخطـاء سنـة أولـى سياسـة!

محمد بن نصر |
محمد بن نصر

المشهد السياسي الليبي مشهد بائس بكل المعايير! ويزيده بؤساً كل يوم أخطاء سنة أولى سياسة التي تتكرر في مجال التحليل والوصف، لأن التقدم على جانب العمل لا يتحقق بغير تقدم يسبقه ويؤسس له على جانب النظر. في ضوء ما تقدم أود معالجة ثلاثة مواضيع يرتكب فيها المحللون أخطاء سنة أولى سياسة وهي: أولاً فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات؛ وثانياً علاقة الإخوان ورموز التحالف بالنظام السابق؛ ثم أخيراً تنافس القوى الإسلامية وعلى رأسها الإخوان، مع الليبراليين وعلى رأسهم تحالف القوى الوطنية.

أولاً: فوز تحالف القوى الوطنية في الانتخابات
في أول انتخابات أجريت في 07/ 07 /2012، جاء تحالف القوى الوطنية في المركز الأول. وإحراز المركز الأول لا يسمى فوزاً في الانتخابات البرلمانية التي تتوزع فيها الأصوات بين المشاركين في الانتخابات بحيث لا يحصل أي منهم على ما يتجاوز 50%. في مثل هذه الحالات على صاحب المركز الأول أن يحول المركز الأول إلى "أغلبية" عبر تحالفات مع غيره من القوى السياسية الممثلة في البرلمان بحيث يتجاوز التحالف الجديد عتبة الخمسين في المائة، ومن ثم يشكل "حكومة ائتلاف"، وإذا لم يحصل ذلك تكون النتيجة إخفاقاً في تشكيل حكومة ائتلاف و ليس فوزاً في الانتخابات: (مثلما حصل عقب الانتخابات المغربية الأخيرة التي ذهب ضحيتها بن كيران، لفشله في تشكيل ائتلاف). 

أما الفوز فهو ما يحصل في الانتخابات الرئاسية حيث يعتبر من يحصل على ما يتجاوز 50% في الجولة الأولى فائزاً. وإذا لم يكن ذلك ممكناً في الجولة الأولى تجرى جولة ثانية بين صاحبي المركزين الأول والثاني، لتحسم النتيجة بفوز أحدهما. القول إذن بأن التحالف فاز في الانتخابات المذكورة قول غير دقيق، وبصراحة مخالف للحقيقة. استعارة مصطلح "الفوز" لوصف "المركز الأول" الذي وصل إليه تحالف القوى الوطنية في انتخابات 2012 نوع من أخطاء سنة أولى سياسة! وقد حققت الاستعارة نتيجتها السفسطائية، فانقلب الإخفاق في تحويل المركز الأول إلى أغلبية "فوزا مسلوبا".

اعتمدت قوى التحالف في خطابها على ادعاء ما يسميه العراقيون "المظلومية"، أي أن التحالف فاز ولكن الإسلام السياسي سلبه الفوز! ومن يومها ونحن نسمع عن فوز التحالف بالانتخابات، وهو ما لم يحصل! لم يكن لقيادة التحالف مصلحة في مواجهة مكوناته بحقيقة أنها فشلت في جمع أغلبية تمكنها من أن تكون على رأس "حكومة ائتلاف"، ولم يكن لخصوم التحالف من الحصافة ما يمكنهم من إظهار الحقيقة عارية. نحن إذن في مواجهة عدم دقة في انتقاء المصطلحات، بحيث تمت التسوية، أو انعدمت التفرقة، بين الفوز وتحقيق المركز الأول!

ثانياً: علاقة الإخوان والتحالف بالنظام السابق
كان النظام السابق مخترقاً على كافة مستوياته، بما في ذلك الدائرة الأولى حول القذافي. وكانت أغلب القوى التي اخترقت النظام السابق جهات أجنبية، ومن ضمنها الموساد! ولما كان النظام يعامل الإخوان كأعداء فقد تعاملوا معه بالمثل وكانوا الجهة/المنظمة الليبية -ربما الوحيدة- التي اخترقته..! 

هذا الاختراق الذي كان يأخذ مجراه في الخفاء ظهر على السطح عندما شارك الإخوان في مشروع "ليبيا الغد"، وأصبحوا ممن يظهر بانتظام في دائرة سيف، إذ كان هذا الأخير هو صلتهم بأبيه في المفاوضات حول إطلاق سراح المعتقلين بأبي سليم من الإسلاميين (الإخوان والمقاتلة).

لم يخبرني الإخوان بأنهم قد اخترقوا نظام القذافي، لكن أي إنسان على دراية بجوهر العمل السياسي (الصراع)، وحجم التناقض الأيديولوجي بين مشروع الإخوان و أحلام/أوهام القذافي لابد أن يصل إلى النتيجة التي وصلت إليها أنا بالخصوص، لاسيما وأن التجربة التاريخية قد دلت على فعالية الاختراق للإتيان على ما تبقى من أنظمة تعد أيامها الأخيرة، ومن ذلك أن الترابي اخترق منظومة الاتحاد الاشتراكي، في السودان، فلم يلبث بعدها جعفر النميري إلا قليلاً!

من جهة أخرى، ليس لي معرفة شخصية بالدكتور محمود جبريل، لكني أظن أنه كان يعمل في ذات الاتجاه من خلال مشروع "ليبيا الغد"! أتصور أن هدفه كان تغيير النظام من داخله، ولم يكن سيف بالنسبة إليه أكثر من حصان طروادة الذي يتجاوز حصوناً يصعب اختراقها بهجوم مباشر.

وعندما حانت ساعة القذافي استطاع الليبيون، وهم على قلب رجل واحد، قلب النظام بهجوم شاركت فيه القوى المؤثرة في العالم. لكن، ويا للأسف، كان لمنظر الغنائم مع نهاية 17 فبراير ذات الأثر المشئوم الذي كان لها في غزوة أحد! تنازع الليبيون فذهبت ريحهم وثرواتهم..! وأسوأ هزيمة حققها الليبيون في حق أنفسهم كانت "قانون العزل السياسي" الذي توسع حتى تجاوز حدود المعقول، ومن ثم أنتج عكس المأمول منه، فإذا بنا نواجه اليوم احتمال عودة النظام السابق، الذي تجري الآن محاولة تبييضه اعتماداً على غياب الأمن والسيولة..إلخ، بالرغم من أن ما يحدث الآن مجرد امتداد لعبث النظام السابق!

وأنا لا يقلقني من يحاول تبييض النظام السابق لأن فساد ذاك النظام حوّله من خفير إلى وزير، أو مكنه من نهب المال العام حتى تحول إلى مليونير! ما يدعو إلى القلق هو تعاضد تلاميذ سنة أولى سياسة ضد "الحق في التنظم" أو"الحق في العمل المنظم"، حزبي وغير حزبي. وهذا من شأنه تسليم المجتمع للفوضى الدائمة (مثل أفغانستان والصومال والعراق!)، أو لبعض ورثة النظام السابق ليسوقوه كالقطيع لأربعين سنة أخرى. هذا النوع من التعاضد السلبي سيقضي على الحرية التي اكتسبت بثمن باهظ، لأن أصحاب المصالح الاقتصادية والإستراتيجية في هذا البلد -أقصد من الأجانب- الذين جاءوا بعسكري ليؤخر نهضة ليبيا لأربعين سنة، لازالوا قادرين على الإتيان بعسكري آخر لنفس المهمة ولنفس المدة، وهم يناورون بنا اليوم لإنجاز ذلك! ولا يبدو لي ظاهراً بوضوح أن تلاميذ سنة أولى سياسة يقلقهم هذا الاحتمال!

ثالثاً: التنافس بين الإسلاميين والليبراليين
بدل حكومة توافق ظهر بعد 17 فبراير استقطاب كاذب بين الليبيين: (إسلاميين وعلمانيين). وهذا الاستقطاب كاذب لسببين؛ أولهما أن كل الليبيين مسلمون، وثانيهما أن البنية الفكرية للمثقف الليبي في الغالب علمانية: الوطن والوطنية والمواطنةــــ بما في ذلك جل الإسلاميين! ولما كان هذا الاستقطاب كاذبا تحول وصف إسلامي وعلماني إلى نوع من التنابز بالألقاب، وليس وصفا حقيقيا لموقف فكري أو مشروع سياسي. وفي خضم الأحداث اتُهم مندوب الأمم المتحدة طارق متري بأنه من الإخوان المسلمين، مع أنه مسيحي، وهو ما يعني أن استخدام المصطلحات لم يكن يجري وفق ضوابط تجعل المصطلحات تعكس الحقيقة بصورة من الصور.

لقد فرض الاستقطاب نفسه على الجميع، وصارت الكثير من المقارنات تجري انطلاقاً من افتراضه كثابت من ثوابت المشهد الليبي، مع تغيير طفيف بحيث حل وصف "ليبرالي" محل "علماني"! ولما كان الاتهام المستعجل قد حل محل التحليل الرصين، تكرر في وسائل الإعلام، على لسان خصوم الإسلاميين، أن الدول الغربية تريد الإخوان أن يحكموا ليبيا. وأنا أعتقد أن الدول الغربية، كلا على حدة، تريد من يخدم مصلحتها في ليبيا، فإذا كان الإخوان هم الطريق السالك لخدمة مصلحتها فهي على الأقل لن تمانع.

على كل حال كانت الأمم المتحدة والدول الغربية تتصل وتحاور كل الفاعلين على الأرض، وقد اشتُهر أن السفيرة الأمريكية كانت تستقبل زعيم إحدى المليشيات بقبلتين على وجنتيه، بالرغم من قلة أهميته وخفة عقله. كل هذه التفاصيل مهمة لتكوين صورة جامعة للمشهد الليبي، لكنها لا تشرح ظاهر العلاقة الطيبة بين الإخوان/الإسلاميين وسفراء الدول الغربية في ليبيا، وهو ما أثار حفيظة خصومهم، وجعلهم يعتمدون في شرحها وتحليلها على نظرية المؤامرة. والمؤامرة موجودة عبر التاريخ لكنها ليست الأداة الوحيدة لتحليل التاريخ، سوى عند تلاميذ سنة أولى سياسة! وأنا لا ألوم أي محلل على استخدام المؤامرة كأداة تحليل، لكن عندما توجد حقائق موضوعية يمكن أن تفسر الحدث لا داعي لاستحضار المؤامرة، بل يجب استبعادها.

ما هي الحقائق التي تجعل الدول الغربية تفضل، أو فضلت في الماضي، التعامل مع الإخوان على غيرهم (والسؤال يخص ليبيا)؟ أعتقد أن من الضرورة بمكان أن يجيب عن هذا السؤال غير مسلم حتى لا يُتهم بأنه من الإخوان، أو يصطف مع الإخوان، أو يدافع عنهم! ومن حسن حظنا أن غير المسلم الذي سيجيب عن هذا السؤال ليس موجوداً فقط، بل هو من أهم المشاركين في المشهد الليبي، بعد 17 فبراير، باسم الأمم المتحدة، ونيابة عن أمينها العام!

ما هي الحقائق التي تجعل الدول الغربية تفضل، أو فضلت في الماضي، التعامل مع الإخوان على غيرهم (والسؤال يخص ليبيا)؟

كتب الدكتور طارق متري كتاباً عنوانه "مسالك وعرة: سنتان في ليبيا ومن أجلها"، وفيه عدد الكثير من مظاهر سنة أولى سياسة في ليبيا بعد 17 فبراير! وقد أظهر الرجل تفهماً عميقاً للنفسية الليبية المضطربة، وفهماً أعمق لأثر العهد السابق السلبي على قيمة نبيلة هي "الحرية"، عندما قال: "تلقيت شتائم كثيرة على صفحات التواصل الاجتماعي، وهذا مألوف في بلد سُلب الناس فيه حريتهم عقوداً طويلة، يمارسونها بنهم يصل بهم أحياناً إلى قلة الأدب.."!(ص 39).

والمقارنة بين الإسلاميين والليبراليين أكثر أهمية مما سلف، وقد نقلها الدكتور متري في صورة حوار بين سفراء غربيين (في أمسية غير رسمية) وفيها تظهَر بعض الأسباب الموضوعية التي تجعل الإنسان يفضل التعامل مع الإسلاميين وليس الليبراليين. يقول الدكتور متري: "تخللت السهرة إشارات مرحة لهذه الشخصية السياسية أو تلك، ففتحتُ البابَ أمام مقارنة بين الإسلاميين وخصومهم السياسيين. وأشاد سفيران من الحاضرين بجدية الأولين وحسن التنظيم عندهم وسهولة الاتصال بهم وتحديد المواعيد وضبط محضر الجلسات وإصدار بيانات صحافية أمينة للمداولات وواضحة في اختصارها. وأخذ على الآخرين، الذين يدّعون مشاركة الليبراليين الغربيين في الكثير من القيم، تضعضع صفوفهم وغياب قياداتهم المتواصل عن البلاد، أو عن السمع، وانفعالهم أثناء الاجتماعات. وخلصا إلى تبرير التفاوت بين علاقة منتظمة ومحكومة بالعقلانية والاستعداد للحوار، وأخرى متقطعة ومتوترة أو محيرة"(ص 224).

الاختيار بين الإسلاميين والليبراليين جرى إذن على قاعدة"العقلانية" و "الفعالية"، التي توافرت عند الأولين وانعدمت عند الآخرين. كان الدكتور متري خبيرا ببؤس المشهد الليبي ولذا نبه السفيرين إلى أن إظهار موقفهما هذا سيكون بالنسبة لليبراليين "حجة إضافية على انحياز بريطانيا والولايات المتحدة المفترض إلى الإسلاميين"(ذات الصفحة).
حديث الدكتور متري عن الليبراليين كان يتحول في أكثر من مرة إلى حديث صريح عن تحالف القوى الوطنية الذي "ضم خليطاً من الأشخاص الذين أتوا من مشارب مختلفة، لا يشدهم أي رابط تنظيمي قوي، ولا يلتقون بالضرورة في التزامهم وطنية ليبية مدنية وحديثة"!(ص 97). وفي الهوجة الليبية كانت هناك تباينات داخل كل فريق، "لكن غياب الانسجام في المواقف كان ملحوظاً أكثر داخل تحالف القوى الوطنية" (ذات الصفحة).

تحالف القوى الوطنية كان تحالفاً هشاً عموده الفقري كاريزما الدكتور جبريل، الذي ظهر كرجل دولة من الطراز الأول بين رجال الدولة في ليبيا

لا ظلم إذن في القول أن تحالف القوى الوطنية كان تحالفاً هشاً عموده الفقري كاريزما الدكتور جبريل، الذي ظهر كرجل دولة من الطراز الأول بين رجال الدولة في ليبيا، الذين لا يتجاوز الظاهرون منهم عدد أصابع اليد الواحدة، لكنه تاريخياً يظل المسئول الأول عن الإخفاق في تحويل المركز الأول إلى أغلبية تمكن التحالف من قيادة حكومة ائتلاف بعد انتخابات 7/7! ولا يقلل من قيمة الدكتور جبريل، ولا من قيمة غيره خسارة جولة من الصراع السياسي، ولا سبق التعامل مع النظام السابق، ما لم يكن مصحوباً بدم مسفوك أو مال منهوب، غير أن الحكمة لم تكن حاضرة في ما مضى، فهل تحضر فيما بقي؟!

بقي عليّ أن أقول قبل الختام أن ليبيا الحالية لا يمكن أن يحكمها حزب واحد مهما كانت نوعية قيادته، ولا جماعة واحدة مهما حسن تنظيمها، ولا قبيلة واحدة مهما كثر عددها، ولا مدينة واحدة مهما عظم شأنها. لابد من التوافق لتجاوز أخطاء سنة أولى سياسة التي ضيعت علينا إلى حد الآن سبع سنوات. بناء الدول يتم بالتوافق بين مختلف التوجهات السياسية، إن لم يكن بإجماعها، وما يتم بغير ذلك لا يعمر طويلاً..! ومع ذلك يظل السؤال: هل هناك فعلاً توجهات سياسية أو أيديولوجية مختلفة؟ أم هي مجرد غرائز متصارعة تمزق فريسة أسمها ليبيا، في هوجة ممتدة منذ سبع سنوات؟! المشهد بائس فعلاً..!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات