قراءة في معايرة

الهادي بوحمرة |
الهادي بوحمرة

قام فريق من مركز دراسات القانون والمجتمع- جامعة بنغازي بإعداد معايرة لمشروع الدستور، والتي كانت نتيجتها حصول المشروع في نهايتها على 78 نقطة من100. وقد ورد في الدراسة أنها اعتمدت على معايير محددة تمثلت في المشترك الإنساني والصياغة والظرف الانتقالي والخصوصية الليبية. وبغض النظر عن مناسبة هذه المعايير لدراسة مشروع دستور أعد من هيئة منتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، وبعيداً عن الجدل في تراتبية المعايير، وتغيرها من باب إلى آخر، تظل الدراسة وجهة نظر من مركز بحث علمي في ليبيا أولى مشروع الدستور اهتماماً لم توليه له غيره من الجامعات والمراكز البحثية في ليبيا، الأمر الذي يسمح بطرحه للنقاش بشكل محدد، بعيداً عن الكلام المرسل، وعن مواجهة ما ورد فيه انطلاقاً من انطباعات غير منضبطة. وبالاطلاع على هذه الدراسة يمكن ملاحظة الآتي:

(1)

بدأت الدراسة بتوطئة حاولت فيها اختصار مواقف المعارضين المشروع، إلا أنه كان وصفاً انتقائياً، حيث ورد في بدايتها أن هناك من يعارض المشروع، لأنه يخشى من تأسيسه دولة دينية، دون أن تورد المقصود بـ(الدولة الدينية)، ودون أن تذكر الاتجاه المعارض المضاد له الذي يقول إن المشروع لا يعطي للشريعة موضعها المناسب في المشروع، وإن المشرع قائم على بناء السياسات التشريعية والتنفيذية كافة على حقوق الإنسان كما تنص المادة الأخيرة من باب الحقوق والحريات، وتخلص إلى أن المشروع يؤسس لدولة (علمانية)، وهو ما عبرت عنه بوضوح مؤسسات رسمية منها دار الإفتاء بمدينة البيضاء. كما ورد في التوطئة رأي بعض المعارضين للمشروع الذين يقولون إن المشروع فيه افتئات على حقوق مكونات بعينها، وتجاهلت الرأي المعارض الذي يقول إن هذا المشروع لا يستجيب لرأي الغالبية العربية التي ترى ضرورة إضافة وصف العربية لاسم الدولة، ولزوم حصر الدسترة على اللغة العربية. ومن شأن إيراد أقوال كل أطراف المعارضة أن يضع المشروع في وضعه الحقيقي، باعتباره حلاً وسطياً بين الاتجاهات كافة في ليبيا.

من ناحية أخرى، أشارت التوطئة إلى أن المشروع وافقت عليه الهيئة بأكثر من ثلثي الأعضاء، دون أن تعطي المعلومات الدقيقة بهذا الشأن. ومن شأن القول بأن الهيئة صوتت على المشروع بـ43 صوتاً من عدد 44 من الحاضرين، ومن عدد 57 مجموع الأعضاء الفعليين أن يعطي قراءة مختلفة لأهمية المشروع، وتسمح بمقارنة دقيقة مع المسارات الدستورية في الدول الأخرى. وقد ربطت التوطئة إقرار مشروع الدستور بمضي مدة ثلاث سنوات من عمل الهيئة، دون أن تقارن مدة عمل الهيئة بمدة عمل الهيئات الدستورية المنتخبة، ومنها مدة عمل المجلس التأسيسي التونسي الذي عمل في ظل مؤسسات قائمة وظروف لم تدخل فيها البلاد في حروب أهلية، ورغم ذلك بدأ المجلس عمله في نهاية 2011، وانتهى في سنة 2014م.

(2)

اعتمدت الدراسة معايير محددة لمعايرة مشروع الدستور، وقامت على أساس إعمال هذه المعايير، وإنزالها من الفريق على مواد وأبواب المشروع. وبالاطلاع على ملاحق الدراسة، نجد أن أوراق العمل، التي أعدها أعضاء فريق الدراسة كل على حدة، هي التي أنزلت بالكامل على المشروع، وتم النظر في نصوصه انطلاقاً منها. ما يعنى -حسب وجهة نظرنا- أن التقييم الفردي تم تبنيه بشكل جماعي، وهو ما يؤدي للقول بأن نتيجة المعايرة هي عبارة عن جمع لتقييمات فردية تختص كل منها بجزء من أجزاء المشروع. فوجهة نظر الدكتور زاهي المغيربي بشأن نظام الحكم والحكم المحلي الواردة في ورقته الملحقة بالدراسة هي التي اعتمدت لتقييم بابي نظام الحكم والحكم المحلي، ووجهة نظر الدكتورة جازية اشعيتير في حقوق المرأة في الدستور هي التي اعتمدت بشأن تقييم النصوص المتعلقة بهذه المسألة، ووجهة نظر الدكتور نجيب الحصادي بشأن مفهوم الشريعة ونص المادة السادسة هي التي تم إسقاطها بالكامل على المشروع.

نظرة الدكتور سليمان السحاتي بشأن مسار الهيئة هي التي اُعتمد عليها في تكوين فكرة عامة عن مراحل عملها وتواصلها مع فئات المجتمع الليبي

ونظرة الدكتور سليمان السحاتي بشأن مسار الهيئة هي التي اُعتمد عليها في تكوين فكرة عامة عن مراحل عملها وتواصلها مع فئات المجتمع الليبي، وهو نفس الأمر الذي اتبع بشأن ورقة الدكتورة هالة الأطرش. وما يؤكد ذلك، اختلاف تعليل تقييم نص من باب إلى آخر. فعند النظر في المادة 84 من المشروع التي تنص على القسم وضعت درجة 10/10 ، أما عند تقييم قسم أعضاء المحكمة الدستورية وضعت درجة 7/10. والتسبيب الذي ورد في إنزال الدرجة هو أن القسم فيه تراتبية الله ثم الوطن، ما يعني أن فيه تغليب ما يعتقد العضو أنه إخلاص لله على إخلاصه للوطن. وهو نفس السبب الذي يوجب إنزال درجة تقييم النص الأول إذا كان التقييم قد تم من فريق واحد، وباستعمال نفس المعايير.

وما يلاحظ في إطار وضع معايير لتقييم مشروع كمشروع الدستور هو السؤال الآتي: هل المشروع يعد حلاً وسطياً بين مختلف الاتجاهات السياسية والمناطقية والثقافية في ليبيا أم لا؟. وهو معيار لم يعط حقه في تقييم نصوص الدستور رغم أننا نعتقد أنه المعيار المناسب لمعايرة مشروع ينتظر الاستفتاء عليه لكي يتحول لدستور دائم.

(3)

إن نصوص المشروع هي من وضع هيئة منتخبة من مختلف مناطق ليبيا، ومن مختلف التوجهات السياسية، وتعبر عن ممثلين للدوائر الانتخابية، وقد تم اعتماده بعدد 43 عضواً من مجموع 57 عضواً فعلياً، وهم أعضاء موزعون على كافة المناطق والدوائر الانتخابية. فالأغلبية هي أغلبية على مستوى الهيئة، وأغلبية على مستوى كل منطقة انتخابية على حدة. ومن ثم، لا يعبر عن وجهة نظر عضو أو أعضاء محدودين، وذلك على خلاف الدراسة التي أعدت من فريق مكون من خمسة أساتذة أفاضل من نفس الجامعة، ومن نفس المدينة. ويتضح من خلال تقييمهم لنصوص مفصلية، أنهم من اتجاهات فكرية متقاربة. على خلاف أعضاء الهيئة المنتخبين الذين هم من اتجاهات مختلفة، واختلافهم الفكري هو بقدر الاختلاق الفكري القائم في المجتمع الليبي. ومع ذلك، كانت نتيجة المعايرة 78/ 100، ما يعنى أن التوافق بين ما يزيد على ثلثي أعضاء الهيئة كان في إطار احترام التفكير الأكاديمي والتجارب الإنسانية بقدر كبير. مع ملاحظة أن الدراسة في مقدمتها لم تشر إلى ذلك بشكل واضح، رغم أنه ركيزة أساسية كان يجب أن تحكم التقييم للنصوص كافة وللمسائل الخلافية بشكل خاص. فهي لم تشر إلى عدد الأعضاء المصوتين على المشروع، ولا عدد الأعضاء الحاضرين، ولا عدد الأعضاء الفعليين، فاعتماد مشروع بعدد 43 من عدد44 من الحاضرين، ومن عدد 57 من الأعضاء الفعليين، يختلف عن التصويت على أغلب الدساتير في العالم مع أن الهيئة التأسيسية خضعت لشرائط من النادر أن تخضع لها هيئة تأسيسية.

(4)

إن الدراسة، التي يفترض أن تكون أكاديمية بقدر كبير، تجاهلت منطلقات كان ينبغي أن تعتمد عليها، ومن أهمها المقارنة بدساتير الدول الأخرى. فعند النظر في نص عاصمة البلاد، رأت الدراسة أنه كان على الهيئة أن تعتمد عاصمتين للبلاد، رغم أن جل الدساتير تعتمد عاصمة واحدة. وقد قيمت المادة على هذا الأساس، رغم أن الدراسة في بدايتها قامت بتثبيت أسس تقييم الباب الأول، بقولها إن الغلبة ستكون للمشترك الإنساني على الاستحقاقات الانتقالية. كما أنها تجاهلت نهج كثير من الدساتير المقارنة بشأن إحالة العلم والنشيد للقانون، وانطلقت من أنه لا خلاف أساسياً بشأنهما، رغم أن الخلاف بشأن تثبيت علم ونشيد الاستقلال كان واضحاً في الهيئة، وواضحاً من خلال مذكرات قدمت للهيئة من وفود حضرت للهيئة من مدن ومناطق ليبية، ومن اتصالات للهيئة مع ليبيين في الداخل والخارج موثقة في أعمال الهيئة، ما كان للدراسة أن تتجاهلها.

موقف الدراسة من تقييم نصي العاصمة والعلم والنشيد يؤكد التقييم المنفصل وغير المترابط لنصوص المشروع، فتقييم نص العاصمة لا يأخذ في الاعتبار أن المشروع نص على أن بنغازي مقر للسلطة التشريعية بغرفتيها (م 90) ، ما يعنى أن المشروع اعتمد لحل مسألة العاصمة على وجود عاصمة (تشريعية) هي مدينة بنغازي، مع نصه على كون مقر المحكمة الدستورية مدينة سبها (م135). كما أن النص المتعلق بالنظر في المادة الخامسة التي تنص على العلم والنشيد تجاهل النظر إليه مع نص المادة 197 التي تنص على أنه: ( مع مراعاة المادة الخامسة، يستمر العمل بالعلم والنشيد النافذين....).

(5)

انطلقت الدراسة من مسلمات ليست بمسلمات، وكان من المناسب فحصها في الأنظمة المقارنة بشكل أكثر عمقاً. فربطت المعايرة بين سبب وجود مجلس الشيوخ، والمساواة في التمثيل في تكوينه بين المناطق الانتخابية الثلاث.

وقالت حرفياً في إطار تعليقها على نص المادة 75: (يجب أن يكون التمثيل فيه مناطقياً ومتساوياً). فما هو أساس هذا الوجوب؟. وهذا وإن كان التساوي خياراً مناسباً، لكنه ليس الخيار الوحيد، الذي يفضى للقول بعدم صحة الخيار المعتمد في المشروع، حيث إن هناك عدة تجارب مقارنة لا تعتمد التساوي بين المناطق الجغرافية أو التاريخية أو الولايات في مجلس الشيوخ منها الدستور الأسترالي. كما أن الدراسة لم تقم بأي مقاربة بين التشكيل ونصاب اتخاذ القرار في مجلس الشيوخ، والذي يحدث موازنة بين المناطق الانتخابية الثلاث. وهو ما يفضى لفاعلية تتقابل مع المساواة في التمثيل. وهي-أيضاً- لم تقرأ النص المتعلق بتكوين مجلس الشيوخ قراءة تكاملية مع النص الذي يتعلق بتأليف مجلس النواب، والذي اعتمد معيار السكان مع مراعاة المعيار الجغرافي. ولا يمكن أن تنتج القراءة المنفصلة لنصوص دستور متكامل نتائج صحيحة. وما يمكننا ملاحظته أنه بشأن القضايا الخلافية، كان فريق الدراسة في اتجاه رأي المعارضين للمشروع، وتبنى إلى حد بعيد دفوع المعارضين، رغم كونهم أقلية، دون إعطاء كثير اهتمام للأغلبية الموصوفة التي اعتمدته. فالإقرار بأن هناك مسائل خلافية، وأنه لا يمكن التعامل معها بمنطق رياضي، أو وفق تصورات جاهزة، أو آراء فردية، وأن المشروع ينتظر الاستفتاء عليه، يوجب أن يكون الحصول على الأغلبية التي تزيد على الثلثين والممثلة لكل المناطق والدوائر الانتخابية محل اعتبار.

(6)

اعتمدت الدراسة على انتقاد المادة الثانية من المشروع، لأنها نصت على أن اللغة العربية لغة الدولة دون إحداث أي مقاربة عميقة بينها وبين تعبير اللغة الرسمية. ودون أن تحدد الدراسة الدلالات الحقيقية لمثل هذا التعبير. كما أنها، وخلافاً لما ورد في التوطئة تأتي الدراسة في التعليق على هذه المادة، وتقول إنها تؤكد تخوف ذوي التوجهات العربية التي وصفتها بالسائدة. ومن الغريب أن أهمية ما ورد في هذه المادة لاستقرار ليبيا والوئام المجتمعي فيها لم يمنع الدراسة من تسبيب معايرة المادة بقولها إنها تضع التزامات مادية وثقافية يصعب الإيفاء بها.

(7)

اعتمدت الدراسة في انتقادها لنص المادة السادسة التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع، على أن هذا النص يهدد بدولة دينية، وهو الرأي الذي ورد في ورقة الدكتور نجيب الحصادي. ومن المعلوم أن المشروع يقوم بشكل واضح لا لبس فيه على الدولة المدنية. فلا وجود بالمطلق لأي شبة من شبهات الدولة الدينية، فالتشريع تضعه السلطة التشريعية المنتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، والقول بدستورية القانون، أو عدم دستورية للمحكمة الدستورية، وهي دولة تقوم على التداول السلمي على السلطة. والقول بأنه يهدد بدولة دينية ينصرف إلى مفهوم الدولة الثيوقراطية بمعنى دولة رجال الدين إذا كان للمصطلحات معنى.

أما بالنسبة للنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، أو مصدر للتشريع، أو مصدر رئيسي للتشريع، فإنه في جميع الأحوال لا يمكن أن يذهب إلى أبعد من التزام المشرع بثوابت الشريعة الإسلامية والقطعي منها، حيث لا أحد يقول بإلزامية الاجتهادات الفقهية. فالشريعة الإسلامية منها الثابت، ومنها المتغير، ولا إلزام إلا بالثابت، فليس للمحكمة الدستورية أن تحكم بعدم دستورية نص لمخلفته لرأي فقهي. كما أن الشريعة الإسلامية بمصادر الحكم المختلفة تستوعب كافة التجارب المقارنة والاجتهادات الإنسانية، ما لم تخالف أصلاً من أصولها. وهو ما يحول الخلاف حول النص على مصدرية الشريعة الإسلامية إلى خلاف لفظي. فهل يمكن توقع أن المحكمة الدستورية تحكم بعدم دستورية نص قانوني لمخالفته لاجتهاد مالك أو الشافعي أو غيرهما؟. ومن الغريب أن الدراسة تطالب بوضع تعريفات، رغم أنه من المعروف أن التعريفات من مهمة الفقه، لا من مهمة واضعي النصوص الدستورية أو القانونية. مع ملاحظة أن النص يمثل خطاباً للسلطة التشريعية، التي تلتزم بالضوابط الدستورية كافة عند ممارستها اختصاصاتها.

(8)

انتقدت الدراسة مشروع الدستور لعدم تضمنه مسائل من المتعارف عليه أن تتضمنها القوانين، ولا ترد في الدساتير. ومن ثم، فإن الدراسة أنجزت دون تحديد معيار تعتمد عليه للتمييز بين النص الدستوري والنص القانوني. وما رأت الدراسة أنه يجب أن ينص عليه مشروع الدستور هي مسائل لا ترد حتى في الدساتير الموصوفة بكونها تفصيلية. ومن تلك المسائل القول في الدراسة إنه كان على المشروع أن يتضمن تجريم التهريب الضريبي، وانتقاد المشروع لأنه لم يحدد اختصاصات المحافظ. رغم أن هذه المسائل هي شأن قانوني بامتياز لا دستوري. ومن ذلك -أيضاً- مطالبتها بأن ينص الدستور على حظر منح اللجوء السياسي للإرهابيين والمتهمين بجرائم دولية، رغم أن المادة 14 تنص على تنظم أوضاع وشروط اللجوء السياسي بقانون)، ويمكن وفقاً لهذا النص أن يتولى المشرع هذه المسألة، وفقاً لاعتبارات المصلحة العامة والسياسة التشريعية التي يتبعها.

(9)

في تقييمها لباب السلطة القضائية، ذهبت الدراسة إلى الاستناد إلى انتقاد المادة 128 بقولها إنه: يجب النص على إلزامية مبادئ المحكمة العليا للمحاكم الأدنى، وهو أمر محل خلاف لا يجهله أي قانوني. ولا يمكن بناء تقييم مشروع الدستور على خيار، وترك آخر. وربما عند الدخول في مناقشة كليهما، ومدى مناسبة الأمر للمبادئ التي يقوم عليها الدستور، لتبينت سلبيات مثل هذا التسبيب لتقييم المشروع. وفي إطار السلطة القضائية، تقول الدراسة إن النيابة العامة تتبع وزير العدل، وهو موقف تم إنزال تقييم المادة 119 بناء عليه، رغم أنه حتى في الدول التي تفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق تعتبر النيابة العامة من السلطة القضائية. ما يعني أن اعتبارها من السلطة القضائية في دولة تجتمع فيها سلطتا الاتهام والتحقيق في يد النيابة العامة أولي. باختصار، أن هذا الرأي ليس بالرأي الراجح ولا بالسائد ولا بالمشهور، ومع ذلك تعتمده الدراسة للإنقاص من الدرجة الممنوحة للنصوص الوارد فيها.

(10)

اعتمدت الدراسة في نقدها مشروع الدستور بشأن تشكيل المحكمة الدستورية على سبيل المثال، وعدم نصها على التجديد لأعضائها على القول بندرة الخبرة في ليبيا، وهذا محل نظر كبير فليبيا سنة2017، وما بعدها، ليست ليبيا 1951م. خاصة فيما يتعلق بالخبرات في المجال القانوني. الأمر الذي كان يستوجب استبعادها كسبب للإنقاص من تقييم المشروع.

(11)

تجاهلت الدراسة في بابي الحكم المحلي والنظام المالي مسألة أساسية قائم عليها المشروع، ووقعت في نفس تجاوز حقيقة البناء في مشروع الدستور الذي وقع فيه الأستاذ الدكتور إبراهيم بوخزام، وهو أن مشروع الدستور قائم على التمييز بين القوانين العادية والقوانين الأساسية. فمن المعروف أن من أهم وسائل تجنب ذكر أحكام تفصيلية في الدستور هو الإحالة للقوانين الأساسية، وهذا ما اعتمده بشكل واضح مشروع الدستور، وإن كان لم يصفها بهذا الوصف، لأن الوصف هو شأن فقهي. فقوانين النظام المالي والحكم المحلي هما قانونان يسنهما مجلس النواب، ويقرهما مجلس الشيوخ. ومن ثم، فهي تختلف عن القوانين العادية التي يقرها مجلس النواب فقط، ودور مجلس الشيوخ بشأنها دور استشاري فقط، وإجراءاتها تختلف عن إجراءات غيرها من التشريعات. ومن هنا كان المنهج يتمثل في ترك القواعد التي تحكم النظام المالي لقانون النظام المالي، والذي هو قانون أساسي، يختلف من حيث مرتبته القانونية عن نظام الميزانية. كما اكتفى المشروع بدسترة ركائز اللامركزية، وترك تفاصيلها لقانون الحكم المحلي، الذي هو قانون أساسي، يجب أن يسن من مجلس النواب، ويقر من مجلس الشيوخ، مع وجوب أن يكون من ضمن الأغلبية التي تقره ثمانية كحد أدنى من كل منطقة انتخابية. ولو انطلقت الدراسة من هذه المقدمة لربما اختلفت تقييمها لبابي النظام المالي والحكم المحلي بشكل جذري. كما أن ما تطالب به الدراسة، وتنتقد بناء البابين عليه، لا علاقة له بالمنهج الذي اتبعته الدساتير المقارنة التي اعتمدت نظام اللامركزية المدسترة. ويمكن مقارنة مشروع الدستور الليبي بما ورد في الدستورين المغربي والتونسي، حيث إن ما ورد بهما يتجاوز ما قررته الدساتير التقليدية، ومنها الدستور الفرنسي 1958 وتعديلاته.

(12)

اعتمدت الدراسة في انتقاد استعمال مصطلحات على فهم غير صحيح للإطار الذي وردت فيه. فمصطلح (فحص المؤسسات)، الذي ورد في إطار نص العدالة الانتقالية يعكس تعبيراً أدق من مصطلح الإصلاح المؤسسي، الذي انتهت إليه الدراسة. ذلك أن هيئة العدالة والمصالحة التي تطبق برنامج العدالة الانتقالية لا تقوم بإنفاذ الإصلاح، الذي هو شأن تشريعي تنفيذي، وإنما تقوم بفحص المؤسسات، الذي هو مقدمة للإصلاح. فالإصلاح يستوجب إصدار تشريعات أو تعديلها، ويستوجب إجراءات تقوم بها السلطة التنفيذية. ومهمة هيئة العدالة والمصالحة هي فحص هذه المؤسسات، وبيان الخلل في بُناها التشريعية، والتوصية بما يلزم لإصلاحها. وفي إطار التعليق على نص العدالة الانتقالية، انتقدت الدراسة استعمال مصطلح المساءلة والمحاسبة، وقالت بضرورة استعمال مصطلح الملاحقة القضائية، وهو أمر يعكس عدم الفهم الدقيق لآليات العدالة الانتقالية، حيث إن المساءلة والمحاسبة تتجاوز الملاحقة القضائية، وأن للعدالة الانتقالية آليات قضائية وآليات غير قضائية، مما يجعل من مصطلح المساءلة والمحاسبة أكثر ملاءمة لمفهوم العدالة الانتقالية.

الدراسة تطالب بالنص على حقوق الطفل كافة، المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية، متجاهلة النص الذي يعطي للاتفاقات التي تصادق عليها ليبيا مرتبة أعلى من القانون وأدنى من الدستور

وفي مجال حقوق الإنسان، طالبت الدراسة بالنص على حقوق الطفل كافة، المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية، متجاهلة النص الذي يعطي للاتفاقات التي تصادق عليها ليبيا مرتبة أعلى من القانون وأدنى من الدستور، ومتجاهلة النص في المادة 59 المتعلقة بحقوق الطفل على الآتي: (وتبنى تشريعاتها وسياساتها على المصلحة المثلي للطفل). ومصطلح (المصلحة المثلي) يتضمن قيمة مضافة لمشروع الدستور الليبي مقارنة بغيره مستمدة من اتفاقية حقوق الطفل، وهو كاف لإلزام المشروع بحقوق الطفولة كافة.

وفي إطار ضبط المصطلحات والانطلاق من معانيها الدقيقة، نجد أن الدراسة انتقدت المشروع باعتباره لم ينص على حق الإضراب في المادة 56، رغم أن المادة نصت بوضوح على ضمان الحقوق النقابية.

كما وصفت الدراسة بعض المصطلحات الواردة في المشروع بكونها غامضة، رغم أنها انطلقت في المقدمة من ضرورة المصطلحات المرنة. لكنها عند تقييم النصوص، خلطت بين الغموض والمرونة. فمصطلح الجرائم الجسيمة هو مصطلح مرن. والنص عليه لا يختلف عن النص على الجرائم الخطيرة مثلاً في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966م. بل إن الجرائم الجسيمة أكثر وضوحاً من مصطلح الجرائم الخطيرة؛ وفقاً لمعيار التمييز بين الجرائم المتمثل في نوع ومقدار العقوبة المقررة للجريمة. فهذا المصطلح وغيره من المصطلحات المرنة غير المحددة والقابلة للتحديد تسمح للمشرع بأخذ متغيرات في الاعتبار لإنفاذ النص الدستوري.

ومن التعبيرات التي انتقدتها الدراسة مصطلح الوظائف السيادية الذي ورد بمناسبة حظر مزدوجي الجنسية توليها. رغم أنه لا يمكن حصر هذه الوظائف في نص دستوري. وإيرادها تحت هذا التعبير من شأنه أن يسمح للمشرع بتعديل نطاقها وفق تطور الواقع السياسي والاجتماعي، ويمنح مرونة للمشرع يحتاجها لتطوير التشريعات وفقاً للسياسة التشريعية التي يرسمها، تحت رقابة المحكمة الدستورية. ومن ثم، فإن المرونة هي إيجابية أكثر من كونها سلبية تستوجب إنزال تقييم المشروع انطلاقاً منها.

الدراسة وصفت استعمال المشروع في المادة 38 الحبس الاحتياطي بعدم الوضوح، وطالبت بالنص على حظر العقوبة السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريقة النشر والعلانية

ومن ذلك -أيضاً- أنها وصفت استعمال المشروع في المادة 38 الحبس الاحتياطي بعدم الوضوح، وطالبت بالنص على حظر العقوبة السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريقة النشر والعلانية، رغم أن المقصود هو سلب الحرية كإجراء جنائي وليس كعقوبة. والفرق واضح جلي بين الاثنين. كما أن المقصود هو قضايا الصحافة، وليس كل الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية. ونعتقد جازمين أن التقييم بني على عدم فهم للنص ونطاقه.

من ناحية أخرى، طالبت الدراسة باستعمال مصطلحات تستعمل للتوصيف الفقهي في الصياغة التشريعية، وهو خلط بين مهمة الفقه ومهمة المشرع. من ذلك أنها انتهت إلى ضرورة النص على وصف الرقابة السابقة في الفقرتين السادسة والسابعة من المادة 139، رغم أن النص لا لبس فيه عند نصه على أن من اختصاص المحكمة الدستورية (مراجعة المعاهدات والاتفاقات قبل التصديق عليها) (ف6،م139)، وعند نصه أن من اختصاصها (مراجعة قوانين الانتخابات والاستفتاءات قبل إصدارها) (ف 7 م 139).

ومن الغريب أن الدراسة تنتقد المشروع لتبنيه مصطلحات تقول إنها غريبة على الثقافة القانونية الليبية كمصطلحي التفريع والتدبير الحر، وكأنها تطالب بأن تنغلق الثقافة القانونية الليبية على مصطلحات سبق لها اكتسابها، ومن المعلوم أن نقل مصطلحات يعني نقل أنظمة، وأن الاستفادة من التجارب الإنسانية المتجددة تستوجب التجديد في المصطلحات المستعملة والإضافة عليها. وبالاطلاع على هذين المصطلحين في مجال الحكم المحلي، وما كتب في الفقه المقارن تحتهما، يمكن الانتهاء إلى الإقرار بأهمية إدراجهما في مشروع الدستور الليبي، باعتبارهما من ركائز التصورات الحديثة للامركزية.

(13)

قياساً على دساتير قليلة منها الدستور المصري، ترى الدراسة أنه كان على مشروع الدستور النص على نسبة 4 من المائة من الدخل القومي تخصص للتعليم. مع أنه يمكن للقارئ أن يقارن بين النص الوارد في المشروع، والذي ينص على إعطاء الأولوية للتعليم بمختلف أنواعه وللبحث العلمي في نسب توزيع الدخل القومي وبين رأي الدراسة. مع الأخذ في الاعتبار أننا أمام نصوص دستورية، لا نصوص قانون موازنة.

(14)

انتقدت الدراسة نص المشروع على الأغلبية المطلقة للأعضاء المنتخبين (الفعليين)، بقولها إنه كان على المشروع أن يتبني الأغلبية البسيطة، أي أغلبية الأعضاء الحاضرين، دون أن تأخذ مثالب هذا الطرح. فتبني نصاب الأغلبية البسيطة يؤدي إلى إلغاء قوانين تسن بأغلبية مطلقة بقوانين تسن بأغلبية الحاضرين. والنص على الأغلبية المطلقة يحد بقدر كبير من هذه الاحتمالية. وهو سبب من أسباب أخرى لاستبعاد تبني خيار الأغلبية البسيطة ترد بشكل متكرر في أدبيات الفقه المقارن، وقد كان على فريق الدراسة الاطلاع عليها، وأخذها في الاعتبار عند تقييم المشروع.

(15)

لم تقرأ الدراسة النصوص قراءة متكاملة بشأن الجنسية، ويتضح ذلك من أنها انتقدت المشروع بعدم نصه على حق أبناء الليبية في الجنسية، رغم أن المشروع أحال تنظيم الجنسية للقانون في إطار ضوابط محددة، وعلى المشرع عند وضعه له أن يتقيد بالدستور. فمشروع الدستور يقوم على المساواة بين المواطنين والمواطنات، ما يعنى أن القانون الذي يعتمد التمييز بين أطفال الليبية وأطفال الليبي هو نص غير دستوري وفق أحكامه. الأمر الذي يمكن أن يستنتج منه أن القراءة التي أجريت للنصوص لم تكن قراءة قانونية دقيقة.

(16)

الدراسة في عدة مواضع تطالب بتكرار ما يفيد الاختصاص وكأننا أمام مقالات فقهية. ومن ذلك، أن نص المادة 133 ينص بشكل واضح على أن اختصاص القضاء العسكري بشكل لا لبس فيه ينحصر في نظر الجرائم العسكرية التي يرتكبها عسكريون، وأنه بذلك يحظر عليها محاكمة المدنيين، إلا أن الدراسة تطالب بتحويل النص إلى شرح مضمونه بداخله، وذكر نتائج إنفاذه في متنه، وقالت بضرورة إن ينص على عدم جواز محاكمة المدنيين.

الدراسة تقترح -أيضاً- صياغات بديلة لا تستجيب للمصطلحات التي جرى العرف على إدراجها في النصوص الدستورية، ومن ذلك الصياغة البديلة التي اقترحها إدراج عبارة (باستثناء شرط السن حيث يشترط ألا يقل....)، في تعليقها على نص المادة 76، والتي تنص على (ألا يقل عمر المترشح عن أربعين سنة ميلادية....). ومن المعلوم أنه لا يستقيم في الصياغة القانونية إيراد كلمات من قبيل (حيث). وهو نوع من الخلط بين الأسلوبين التشريعي والقضائي.

(17)

تجاهلت الدراسة المنهج المقارن، رغم أنها تقول إنه أحد أهم المعايير التي اعتمدت عليها. ومن ذلك انتقادها للنص المتعلق بالجنسية الذي يحيل تنظيم الجنسية للقانون في إطار ضوابط دستورية، تتمثل في الأمن الوطني والمصلحة العليا للبلاد وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. وإحالة الجنسية للقانون هو المنهج السائد في الدساتير المقارنة. مع ملاحظة أن النص الخاص بالجنسية (م 186) الوارد في باب الأحكام الانتقالية لم يكن من المناسب أن ينفصل النظر فيه عن النظر في نص المادة 10 الوارد في الباب الأول، حيث إنهما لا يقبلان التقييم بشكل منفصل.

(18)

انتقدت الدراسة نص المشروع في مادته 185، بقولها إن مدة التمييز الإيجابي للمرأة بوضع (كوتا) يجب أن يكون لمدة 12 سنة بدل النص على الكوتا لمدة دورتين انتخابيتين، دون أن تحدد أسباب ذلك، ما يجعل من الانتقاد مجرد رأي شخصي، ومع تجاهل أن هذا النص هو نص تمييز إيجابي مؤقت، ورد إلى جانب التمييز الإيجابي الدائم، الذي ورد في المادة 49 بالنص على حق تمثيل المرأة في الانتخابات العامة بشكل دائم. فعدم الأخذ في الاعتبار ضمان التمثيل الدائم، أثر في النظر للمقاعد المحجوزة للمرأة في النص الانتقالي. مع العلم بأن هذا الأمر تمت مناقشته بشكل واسع مع منظمات المجتمع المدني، وأن هناك اتجاهاً ينادي بالمساواة بين المواطنين والمواطنات على إطلاقه، وهم -أيضاً- لهم حق الاستفتاء على المشروع. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمكن تقييم مشروع دستور ينتظر الاستفتاء عليه من الليبيين جميعاً بمواقف شخصية.

مقدمات غير صحيحة
وأخيراً، فإن هذه الدراسة، التي أعدها فريق مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، اعتمدت على مقدمات غير صحيحة، ومن ذلك أنه ورد فيها أن الهيئة لم تقم بالاتصال المباشر، دون أن يطلع فريق الدراسة على أرشيف الهيئة، والمذكرات التي تلقتها من المواطنين، ومن منظمات المجتمع المدني، ومن الأجهزة المختلفة في الدولة، ودون أن يجرى مناقشات مع أعضاء الهيئة. كما أنه لم يطلع على لقاءات الهيئة في مختلف مدن ليبيا، فالهيئة قامت بعقد لقاءات ونقاشات وتشاورات مع الليبيين في الداخل والخارج، وخاصة في دولتي مصر وتونس، وزارت المدن الليبية إلا قليلاً منها منعت ظروف أمنية من زيارتها بشكل جماعي. ومن ذلك، قطع طريقها لمدينة بني وليد نتيجة لاشتباكات مسلحة بين مدينتي ترهونة وبني وليد، وعدم تمكنها من الهبوط في مطار الكفرة بعد التهديد، واضطرار قائد الطائرة لتغيير وجهته إلى مطار 59 بجالو.

الدراسة ذكرت أن ممثلي الأقليات قاطعوا الهيئة دون أن تأخذ في الاعتبار أن ممثلي الطوارق هو من ضمن الموافقين على المشروع

من ناحية أخرى، ذكرت الدراسة أن ممثلي الأقليات قاطعوا الهيئة دون أن تأخذ في الاعتبار أن ممثلي الطوارق هو من ضمن الموافقين على المشروع، ودون الاطلاع على اللقاءات الموسعة التي عقدتها الهيئة مع الأخوة الأمازيغ، والتي كان آخرها اللقاء مع عمداء البلديات الأمازيغية بمدينة يفرن قبل إعداد المسودة الأخيرة، التي تم التصويت عليها فيما بعد، وتحولت لمشروع للدستور. ولأهمية مناقشة مثل هذه الدراسات، فإننا بصدد إعداد دراسة تتناول المعايير التي اعتمد عليها فريق المركز ومدى دقة أعمالها على كل نص على حدة، نأمل أن تنشر قريباً.

د. الهادي بوحمرة
كلية القانون جامعة طرابلس
عضو الهيئة التأسيسية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات