عام يغاث فيه الناس

علي الدلالي |
علي الدلالي

ودع الليبيون والليبيات عاماً على خلفية تسويق الوهم وإشاعة الظلام و«طرطرة» المولدات «صينية الصنع» وطوابير المصارف والمحروقات وغاز الطهي، ما جعل أحد الزملاء يطلق عليه «عام الطابور» بامتياز، في استنساخ لفقه العامة خلال قرون ما قبل الحداثة، حيث الجهل والفقر والمرض والاستعمار والتخلف، التي أنتجت فيما أنتجت تقويم الشارع الذي كان يطلق على الأعوام اسم أبرز أحداثها السيئة، حيث سمعنا بـ «عام الطاعون» و«عام الجدري» و«عام الثلج» و«عام الهجة» على سبيل المثال، واستقبلوا عاما آخر قد لا ينجو من ثقافة تسويق الوهم وإشاعة الظلام وتكريس كوابيس الطابور، إذا استمر العناد والصراع المحموم على السلطة والمال والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة وسياسات التخوين والاستقواء بأجندات خارجية تستبيح سيادة ليبيا ووحدتها الوطنية ومواردها وأجوائها ومياهها الإقليمية، وهو ما تؤشر إليه قراءة التصريحات الأخيرة لمتصدري المشهد الليبي زوراً وبهتاناً.

المجلس الرئاسي وحكومته المعترف بها دولياً عجزت عن إطلاق الدراسة في موعدها، ووقف لهيب الأسعار، ورفع الذل والمهانة التي يتعرض إليها الليبيون والليبيات
عندما ننظر إلى العام 2017 نجد أن المجلس الرئاسي وحكومته المعترف بها دولياً عجزت عن إطلاق الدراسة في موعدها، ووقف لهيب الأسعار، ورفع الذل والمهانة التي يتعرض إليها الليبيون والليبيات على أعتاب المصارف وإسكات «طرطرة» المولدات المدمرة للبيئة والأعصاب ومحاربة الفساد ونهب المال العام وكف أيدي تجار الحروب والأزمات والسوق السوداء والإتجار في البشر والتهريب من الوقود إلى السلاحف والقضاء على انتشار السلاح والخطف والحرابة وتكميم الأفواه وتقييد الحريات، وهي كوارث صادمة، الواحدة منها فقط كفيلة بإسقاط أية حكومة في أي مكان من العالم ومحاسبتها.

ونرى أن البرلمان عجز عن تحريك أزمة الانسداد السياسي قيد أنملة، وعن تحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات السيادية وتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري وعقد جلسات منتظمة وقفل الميزانيات ووقف نزيف المال العام، واستمرَّ في تضليل الرأي العام الليبي بوجود حكومة موقتة يقتصر دور رئيسها على توقيع مراسيم العطلات الدينية والوطنية، وإصدار بيانات التضامن مع ضحايا التفجيرات الإرهابية التي تهز بين الفينة والأخرى الشقيقة الكبرى مصر.

ونلاحظ أن المشير أركان حرب قائد الجيش الليبي، خليفة بلقاسم حفتر، لم يحترم عقول الليبيين عند إصدار بيانه عن تحرير بنغازي، حيث قال في كلمة متلفزة وجهها إلى الشعب الليبي في يوليو 2017: «نزف إليكم اليوم بشرى تحرير مدينة بنغازي من الإرهاب تحريراً كاملاً غير منقوص» غير أن الناطق العسكري باسم الجيش الليبي، العميد أحمد المسماري، يخرج علينا يوم 28 ديسمبر 2017 أي بعد ستة أشهر، ليعلن تحرير منطقة «إخريبيش» بالكامل، ويقول إنها آخر معقل للجماعات المتشددة في بنغازي، وبين «التحرير الكامل غير المنقوص» وتحرير «إخريبيش» سالت دماء كثيرة وقد يستمر حمام الدم أشهراً أخرى طويلة.

وعلاوة على ذلك تستمر القيادة العامة للجيش الليبي في التلويح بمزيد من الحروب والدماء، وترفع «فيتو التفويض شقيق التصعيد» الذي خرج له عشرة أشخاص في شحات والبيضاء في وجه الانتخابات الرئاسية التي يعمل عليها المبعوث الدولي، الدكتور غسان سلامة، كأحد الحلول للخروج من الأزمة الليبية، التي يشك كثيرٌ من المراقبين في إمكانية تنظيمها العام 2018 رغم كل الآمال المعقودة عليها محليا ودولياً.

- البرلمان عجز عن تحريك أزمة الانسداد السياسي قيد أنملة، وعن تحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات السيادية وتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري

ونرمق في العام 2017 مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، الدكتور غسان سلامة، يقفز بين الخيارات لكسر تمترس المتصارعين على السلطة والمال في ليبيا خلف مشاريعهم الشخصية والقبلية والمناطقية والجهوية وارتباطاتهم الخارجية على حساب الوحدة الوطنية الليبية وغياب أي مشروع لديهم عنوانه ليبيا، ويحاول إخراج الأزمة الليبية من النفق المظلم الذي علقت فيه، ومن بين تلك الخيارات تعديل الاتفاق السياسي والمؤتمر الوطني الجامع وتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

غير أن الليبيين الذين سمعوا كثيراً من الجعجعة محلياً وإقليمياً ودولياً ولم يروا أي طحين منذ انزلاق بلادهم في الفوضى والانفلات الأمني وعدم الاستقرار العام 2011، بدأوا بعد بصيص من الأمل يلحقون الدكتور غسان سلامة بأصحاب الجعجعة الذين سبقوه، وإذا كان ما يشفع له حتى الآن تصريحه العلني والجريء الذي قال فيه: «لا يوجد فساد في ليبيا، بل نهب ممنهج لثروات الشعب الليبي» دون أن يرد عليه أي من متصدري المشهد الليبي في الغرب أو في الشرق ولا في الجنوب المنسي أو من وراء البحر، ما يطرح كثيراً من التساؤلات لعل أبرزها : هل الكل متورط في نهب ثروة الليبيين ويعمل بالتالي على إطالة أمد الأزمة والاحتراب؟!

ولو نظرنا إلى 2017 بعيداً عن السياسة لرأينا معاناة المهجرين والنازحين، في الداخل والخارج، تتفاقم دون أي حل يذكر، ولوجدنا استمرار نزيف المال العام دون تعبيد كيلومتر واحد، وانهيار مستويات التحصيل العلمي وتمدد طوابير العاطلين عن العمل، ولم نسمع عن تقديم متهم واحد متورط في نهب المال العام أو في جرائم التهريب إلى العدالة وجل ما سمعناه من الساعين إلى الحكم حرصهم على وحدة ليبيا وتنفيذ إرادة الليبيين، في حين أنهم جميعاً يعملون لمصلحتهم الشخصية على حساب تفكيك النسيج الاجتماعي الليبي ووحدة ليبيا وسلامة أراضيها.

ليس غريباً، ونحن نستقبل عاماً جديداً ونقف على بعد ستة أسابيع من الذكرى السابعة لثورة فبراير، أن نسمع كثيراً من الحنين إلى النظام السابق، وذلك لهول ما عاشه الليبيون والليبيات خلال السنوات السبع العجاف الماضية.. فهل يستحي جميع المتسببين في هذا القحط وينسحبون غير مأسوف عليهم ليكون العام 2018 عاماً يغاث فيه الناس؟!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات