"الطهقة"!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

"الطهقة" مفردة محلية "ليبية" تعنى الولع الشديد وحماسا طاغيا بأداء عمل ما ثم سرعان ما يأتي الفتور والتقاعس والوقوف عن العمل… أي تأتي الفكرة أو الدعوة لعمل ما فيكون الحماس والاندفاع العفوي ولكن الاستمرارية لا تتحقق.

حاولت أن أجد أصلا للكلمة في قواميس اللغة فوجدت: طهق يطهق طهقا: أي أسرع في مشيه وزعموا أنها يمانية.

وعلى كل حال ما يعنينا هو المعنى باللهجة المحلية... وما لفت انتباهي للمفردة المحلية هو إيماني بغياب (المثابرة والاهتمام) التي هى سر النجاح وهي التى نحتاجها لاستمرار الحماس وحسن الأداء.. وحيث إن الواقع يشهد بغياب أي بناء فكري أو مشروع رؤية مستقبلية ضمن منظومتنا الثقافية تشغل العقل حتى يتبعها أداء الجوارح.. نظرا لذلك الغياب نجد أن "الطهقة" أي الحماس المؤقت هو السائد بحيث فى كل فترة تأتي بعض الأفكار العابرة ومقترحات لحلول نتحمس لها ثم نفتر وتأتي فكرة أخرى يتم التفاعل معها بنفس الكيفية وهكذا دواليك تمضي حياتنا دونما إنجاز ولا تراكم خبرة ولا معرفة.

وتبقى "الطهقة" مرادفة لمعاني الارتجال والانفعالية والتقلب، وحياتنا يحكمها الحماس والعاطفة الجامحة التي تتولد فور استماعنا إلى خطب تحمل شعارات فضفاضة وكلمات رنانة تفجر حماسا كامنا، فما يلبث أن يشتعل نشاطنا، وتأتي الرغبة العارمة في فعل كثير من الأشياء في آن واحد؛ حتى نكاد لا نعرف من أين نبدأ، ويكون التفاعل كالسيل وتتفرق بنا السبل ونتوه في أحلام اليقظة دونما تحقيق فعل على الأرض ثم سرعان ما يأتىي الفتور، فتثبط الهمة بقدر ما علت، وتتراجع العزيمة ونعود للنقطة صفر!

كثيرًا ما كان التساؤل حول ظاهرة الفتور التي تلي تلك الشحنة الكبيرة من الحماس، كيف نتأثر سريعًا بالشعارات وبالكلمات النارية، ونشعر وكأننا خارقون، ولدينا من القدرات ما يمكننا من فعل المعجزات، ثم سرعان ما ينسل من جسدنا الحماس لنعود إلى ما كنا عليه.

يتحلق الجمع، متحلين بروح العزيمة والإصرار للقيام بعمل ما، فيطلقون وعودًا باتخاذ خطوات جادة لتطوير أداء العمل، ثم ما يلبث أن ينتهي الاجتماع، ويذهب الجميع إلى أماكنهم لمواصلة حياتهم الرتيبة، فينشغلون بها، ويفقد الاجتماع أهدافه وجدواه.

لماذا يحدث ذلك، لماذا تحدث "الطهقة"؟

لأن تشخيصنا للواقع يتم اختزاله في توصيف سطحي وليس تشخيصا علميا ممنهجا وبناء على هذا الاختزال فى التشخيص المغلوط، فإن الحماس الذى بدأنا به في التعامل مع الحالة سرعان ما يفتر بسبب توارث الفشل واستمراره لسنوات طويلة مما يولّد إحباطا شديدا ويتخطى حدوده ليتحول إلى لامبالاة عميقة وافتقار للجدية فى تنفيذ ما تحمسنا للقيام به.

وفي اعتقادي أيضا، إن الأمر يتعلق بمسألة مهمة تتمثل فى قصور وغياب في الرؤية الشاملة؛ فأحاديثنا غالبا تفتقر إلى الخطط الموضوعية والآليات الواقعية القابلة للتنفيذ لتحقيق الأهداف المرجوة.. فهناك من يزرع شجرة ويريد جني ثمارها فى اليوم التالى!! ويتناسى أن كل إنجاز لابد له من وعائه الزمنى.

والملاحظة الأخرى في هذا السياق هي التأكد أولًا من أن الأهداف التي نسعى لتحقيقها قابلة فعلًا للتنفيذ؛ أي تتوفر لدينا المعطيات اللازمة لتحقيقها، حيث إن السائد أننا لا ننتبه ولا نحذر من وضع أهدافٍ خيالية يستحيل الوصول إليها في حدود الإمكانيات المتاحة؛ فيؤدي ذلك حتمًا إلى الشلل، والإحباط، وفقدان الرغبة في الوصول إلى ما نريد واستمرار ظاهرة "الطهقة"!! يتبعها اللجوء الى منطق نظرية المؤامرة لتبرير عجزنا ونكوصنا.

قطعا هناك علاقة وطيدة بين "الطهقة" والعشوائية..فالاندفاع الانفعالي قطعا سيؤدى الى سلوك عشوائي ارتجالي غير محسوب البدايات ولا المآلات... ارتجاليّة يغيب فيها الإعداد الجيد والدراسة المسبقة أي لا وجود لخطّة عمل.. وهذا يؤدي إلى حالة من غياب الاستمرارية وروح الديمومة فى الأداء والعمل.. وتمضى حياتنا بين حماس طاغ وفتور مميت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات