عمر الككلي.. تكتيك الكتابة واستراتيجية الدكتاتورية

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

سؤ الفهم، أو بالأحرى شؤمه القدري، الذي عبّر عنه الكاتب البير كامو في مسرحية بهذا العنوان. يتواشج بأبريل الكابي في جامعة بنغازي عام 1976 وبالمصير الذي التبس الكاتب ـ القاص عمر أبوالقاسم الكّكلي، صديقي وزميلي في دراسة الفلسفة، ورفيقي اليوم في امتهان كتابة المقالات الأسبوعية التي تدور حول مواضيع مختلفة. والالتباس صار محنته ومآل كتابته السجنية، وسلاح أعدائه مُذ تقصّده الطُلاّب الـ7 أبريليين من أنصار السلطة بسوء الفهم، وقد ساعدتهم في تحطيمه دون هزيمته مفارقة شخصيته الكامنة في جوهر كيانه الذي صعُب عليهم فهمه فلم تهضمه معدتهم الطاحنة لصلابة الزلط فأجلّوا سجنه ثلاث سنوات ونغصّوا عليه أعوامه الجامعية الأربعة ثم قبل تخرّجه، أدوا به في آخر المطاف إلى السجن السياسي الذي طاله من 1978 إلى 1988.

التبست الككلي عند غرمائه شخصيتان أو صورتان: الصورة القتّالة للذات المُعبر عنها بمصير الشاعر فردريكو غارسيا لوركا وهي صورة ناعمة ورغم الامتعاض منها يمكن تأجيل العسف بها: وسامته، ورقة صوته، كلاماً وضحكاً برنّة براءة الطفل وسبسبة شعره ميالاً إلى البني، وهوس ارتدائه لباساً مال في لونه إلى برتقالي ضارب للحُمرة، وهي طرائق تعمّدها مغرية لعسل ملكات النحل الطالبات الجميلات فجذبت عليه زنابير السلطة ولسعهم المسموم فتقصّدها أعداؤه ليصموه بتهمة الماركسية أو بوصف قاموسهم "الشيوعية الحمراء". أما الصورة المقابلة للأولى، الشّق الثاني لشخصيته، ومركّبها العناد الصلب بالتمترس على المبدأ فيما يراه الصواب، ودفع الضيم عن الذات، ومعاكسة الخطأ بالصّح، والزيف بالحق.

تغييت في هذه السلسلة البيوغرافية التي عنونتها بـ "مصائر الكتابة" الليبية رصد قدر الكاتب ـ الشخص في مصير كتابته وبالعكس. وكما فعلت مع أقرانه من جيله الكُتّاب السبعنيين فإني سأشير إلى أحداث ووقائع ألمت بالككلي بعضها سمعته منه وعايشته وبعضها ماقرأته فيما باح به من كتاباته، وأبتدئ بواقعة دالّة سمعتها منه إبّان تعرفي عليه خريف عام 1974 وقد جلبه رفيقاً جديداً لنا زميله في كلية التربية مفتاح البكوش عضو حلقتنا الثقافية العفوية الملتئمة وقتها يوميا وضمت عداي ومن سيصيرون كتاباً محمد الزنتاني، ورمضان سليم، بمقهى علاء الدين بشارع الاستقلال لصاحبها الإذاعي المرموق محمد السفاقسي فأخبرني الككلي بأنه وصديقه الذي كان برفقته عاشور الطويبي قد طالتهما حملة الشرطة التي حاقت بمن وُصفوا من قبل السلطة العسكرية بالشباب المائعين والهيبين فألقوا به حلق شعره شهراً سجنيا وأزيد بل تدريبه ورفاقه في ثكنة ترهونة العسكرية عام 1971 بغرض المقامرة بهم في معارك فدائية بفلسطين، فيما يماثل عقوبة له مخففة عما سرده رفيق سجنه 1978 ـ 1988 الشاعر الكاتب إدريس بن الطيب ديسمبر 1978 مقدماً لنا صورة ماوقع له في مسرح مدرسة "شهداء يناير" ببنغازي، مشهداً للعنف والضرب والإهانة شمل بعض الأدباء المشاركين؛ واختص الكاتب ـ القاص عمر الككلي بالضرب والصفع ونتف الشعر وقصه بمقص بيد واحد من المعتوهين، من الطُلاّب الأبريليين. وهو ماتأخر حدوثه بعد تلك الليلة في الـ 9 من أبريل 1978 في طريق المدينة الرياضية للكّكلي الذي لم يتجاوب في حافلة مع حمى صُراخ الهتيّفة من الثوريين واستجابات الطلاب المجبرين البائسين وعندما لاحظوا تمنّعه بل امتعاضه من زعيقهم تقاطروا عليه ملوحين بأيديهم وأذرعهم صوبه وهو جالس في مقعده لايحرّك ساكنا وغير آبهٍ بهم ينظر عبر الزجاج في عمق ظلام الجهة الأخرى من الليل البهيم. وهو ما اضطر شخصا ما إلى إخراج الككلي من الحافلة إلى مصير مجهول… فتحرّكت إرادة الخير في طالب (…) هتافه وحنجرته مع الثوريين وقلبه معنا وهو صديقنا أن يلحق بالشخص ويعامله بحزم وحدة فهم منهما أن مخاطبه شخص متنفذ من أصحاب العُرس ـ المأتم وأن سلامة الطالب عمرالككلي من مسؤليته، وبذلك خلصه منه.

صورة هشاشة النعومة البادية مظهراً، ومقابلتها صورة صلابة الموقف والمبدأ الكامنة مضمونا وجوهراً في بيوغرافيا الشخص تتبدى لنا فيما سرده الككلي فيما يشبه السيرة الذاتية ـ السجنية ، منتحيا طرائق الكتابة بمزج الصورتين كعملية" Process" تناوش الدكتاتورية الليبية في أوتوقراطيتها، والتي لايمكن مواجهتها إلا بحرب غوار، اضرب واهرب، وبتكتيكات محدودة، ولكنها فعالة، بكتابة تربك استراتيجيتَها المميتة والمخرّبة. تقريبا هذه هي الجدلية التي وصّفها الكاتب عمر الككلي فيما اقترفه في كتابة سجنياته / قصصه وما اقترفته السلطة العاسفة إزاء شخصه وكتابته، بأن نكلّت به فسجنته عشر سنوات وأبهظت روحه الرقيقة / الصلبة بالأسى، وأضرت به عقلاً ومعرفة وموهبة كتابة كان يمكن أن تلج فضاءات الحرّية ومُتعها ولاتنغلق تقريبا على نفسها في زنزانة سجن العمر الأسيان.

قبل دخوله السجن في أشعاره المبتدئة، وقصصه التي صار لها "الشئ الذي ينأى"عنوانا مجموعاً: كـ "تلوين" و"مشهد غير كامل من جريمة كاملة" و "النسف" وحتى القصص التي كتبها في مبتدأ السجن كـ مسارب الحب فى أحراش الفداحة، والاحتشـــــاد كانت تُلفتني شعريات لغة قصّه دون مضامينها المعرّفة من قبل الناقد رمضان سليم بوصف "شحاذ الحب" فكتابته منولوغية وإن افترضت وافتعلت محاورا توهميّا لتصير ديالوغية لغرض موضوعي كقصة "آقاق الإمكان" التي كُتبت 1979 بعد سجنه بأشهر. وبعد خروجه 1988 ترصّدتُ المتغير المضموني بالاستبدال الديالوغي للمونولوغ في كتابته فوجدته في مجموعة "منابت الحنظل" في قصص "أثناء شرب الشاي"و "دعوة على الغداء"، و"أكوام الريش" أوقصة "تعليقات" في مجموعة "صناعة محلّية" عن شباب يطعنون صاحب سيارة ركنها بشكل لم يرضهم بعد حوار مقتضب. يعني قصّ الشئ، ليس الذي ينأى، بل الذي يقترب ويحدث فعليا في الواقع الليبي العنفي الذي أبعده عنه السجن إلى واقع عنفي مختلف والذي صدمه إبان خروجه ويصدمه حتى اليوم نهاية العام 2017.

ما شّدني في مداخلتي المرتجلة عام 2000 حول مجموعته "صناعة محلّية" تجاوزه للترميز بما أسميته برمزية الكشف التي بيّنتها بشكل لافت قصص "آفاق الإمكان"و "الاستخصاص" و "صناعة محليّة" وهي القصص التي تعتبر قفزة شاسعة عن قصته المبتدئة "القفزة" التي تفسير السلطة لها كان وبالاً عليه ودليل تهمته من قبل نيابة أمن الثورة. وعندما بدأت أقرأ ترجماته عن الإنجليزية لقصص كُتاب عالميين معاصرين ومميّزين فصار سؤالي كيف سيستلهم حساسياتهم، ويستبطن بنيات كتابتهم وطرائقهم في تكنيك كتابته لـ (قصة ـ مقال ـ قصة).

استلهام الحساسية يتجلى في "المباضعة" إذا تجاوزنا وصمها الأخلاقي السلبي في ثقافتنا وهي امتياز الكتابة والجوهر اللعبي الباهر في الكثير من قصّ الككلي المتفاوت روعة، والذي تنسرب فيه "المباضعية" أو التبادل المباضعي مثل "التبادلية المقايضية" أو التبادل البضاعي في السوق بالمعنى الاقتصادي. وقصة "الظهر" تنخرظ بكفاءة في هذا النوع من كتابة القص الذي أشهره (د.هـ. لورنس) في روايته " عشيق الليدي تشاترلي Lady Chatterley's Lover " وواصله كتاب مرموقون كـ: الأميركي (هنري ميلر)، والتشيكي (ميلان كونديرا) فـ "الظهر" هي الأقرب لما نعنيه هنا بمسألة الككلي التي تُوصف بشئ من التسرّع الممتعض بـ (الجنسوية) تقريبا بالمعنى الذي تفيده الجملة الإنغليزية sexual intercourse والذي اشتقه اللسان العربي بنفاذ بكلمة (مباضعة)، أو مرادافتها الأُخر كـ ( وصال، جماع، مجامعة،مضاجعة، رفث، تسافد). ولكن المباضعة هنا لاتتجاوز نفسها إلى مباعضة وتبادل حسب النسق الذي اقترحه لدرس لسني الأدب ميخائيل باختين البنيوي تزفيتان تودورف بـ "المبدأ الحواري" بمايعرّفه دومنيك مانغونو بـ Dialogism أي الحوارية التفاعلية حيث يصبح موضوع الخطاب لامحالة الموطن الذي تلتقي فيه آراء المتخاطبين المباشرين في الحديث والنقاش أو المتواجهين الطبقيين الأيديولوجيين في الواقع الفعلي وهي الحوارية المفارقة للحوارية التناصيّة المدلولة بالألفاظ البلاغية والمتبنينة بالطريقة المتمثلة في تضمين حوار متخيّل في صلب الملفوظ الأدبي.

فالحوارية التفاعلية تظهر بدرجة الصفر في المباضعة أو التبادلية في قصة "الظهر" وهو مايبينه المقطع المقتطف من القصة: " أتوقع أن تكون دانييلا الآن مستلقية على ظهرها فوق السرير، تحت الغطاء، تطالع كتابا [...] أتخيلها وهي تضع الكتاب مكفيا مفرود الجناحين فوق الكومودينو، تزيح الغطاء ناهضة، تدس عريها ودفأها فى الروب البرتقالى [... ] أسمع صوت دانييلا، بلغتها التى لا أفهم منها شيئا، لكني أدرك أنها تطلب مني أن أقوم بدفع الباب. وعندما أفتح الباب: يخطف بصري جزءا من ظهر دانييلا، بالروب البرتقالى، وهي تسارع باللجوء إلى حجرتها".

الخطوة الأولى في الديالوغية التي تتجاوز ربما المنولوغية يمّهد لها هذا المقتطف من قصة "الكلب والسيارة" „قادت المواجهة (بينه وبين أفراد شرطة النجدة) إلى وضع شل حركة الملك، في لعبة الشطرنج، حينما لا تكون معه قطعة أخرى يمكنها الحركة stalemate فتنتهي المباراة بالتعادل!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات