درنة والمنقار الذي لا يعرف الهزيمة!

شكري السنكي |
شكري السنكي

درنة النسيج الاجتماعي الّذِي لم تخترقه رصاصات الكلاشينكوف.. الثقافة الّتي هزمت الغلو والتطرف.. الفنّ الّذِي زرع الحبّ والبسمة فِي القلوب.

درنة عاصمة الشّرق الثانيّة، والشامخة بتاريخها وعطاءات رجالاتها على مدار التّاريخ.. درنة الّتي تحتضن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضم قبر الصحابي زهير بِن قيس ورفاقه مِن الصحابة والتابعين.. درنة النفس العروبي والروح الأندلسيّة، المتأثرة بمحيطها والمؤثرة فيه، المدينة الّتي احتضنت معابد ثلاثة أديان تعايشت معاً عبر التاريـخ.

درنة عُمر فائق شنّيب وعبدالرازق شقلوف وعبدالحميد الديباني وعبدالكريم محمّد لياس وخليل البناني وعبدالله سكته وعبدالستار الثلثي ومحمّد عبدالكريم عزوز وإبراهيم الأسطى عُمر وأحمَد جبريل وأحمَد فؤاد شنّيب ورجب مفتاح الماجري.. مرضية النعاس وفتحية عاشور وفاطمة عاشور وفوزية العجيلي.. البلاّلي وليزي وسَالم بِن زابية ومُصْطفى البتير.. عوض عون وفهيم رقص وغنيم والبّاح والفيتوري ومكراز وسلطان والطشاني وساسي وكربال والحصادي وبِن خيال.. وغيرهم كثيرون.

درنة السّياسة والثقافة والرياضة والفنّ.. درنة الحضارة والتاريخ والجهاد، والدراونة الّذِين كانوا وما زالوا، مغرمين بالموسيقى والسينما، وقريبين دائماً مِن الصوفيّة، ولهم أورادهم وقصائدهم الخاصّة.

درنة الجهاد ضدَّ الاستعمار الإيطالي، وعنوان الوحدة الوطنيّة والميثاق التصالحي الّذِي وُقع فِي العَام 1946م، وعُرف بـ(ميثاق الحرابي).. درنة مفاوضات الاستقلال وبناء دولة ليبَبا الحديثــة.. درنة الموقف الوطنيّ ضدَّ استبداد حكم القذّافي الشمولي، والتضحيّات العظيمة الّتي قدمت فِي ثورة فبرايـر.

درنة بدايات الاستقلال وتأسيس دولة ليبَيا الحديثة، والّتي ازدهرت بِالمؤسساتِ التربويّة والإعلاميّة والمثقفين والفنّانين والرياضيين والكتَّاب والشعراء والكوادر الخبيرة والمدربة، وبحق كانت درنة فِي تلك المرحلة واحة لأخصب مراحل الإبداع اللّيبيّ فِي التعليم والسّياسة والفنّ والشّعر والأدب، والّتي تركت أثراً عميقاً فِي أدباء وشعراء تلك المرحلة.. درنة الّتي كان لها مشروعها الثقافي ضمن المشروع الوطنيّ – قبل مجيء الانقلابيين فِي سبتمبر 1969م – لتأسيس شخصيّة ثقافيّة مميزة لليبَيا.

درنة المائدة العامرة بِكُلِّ أصناف الطعام، وبالتحبيشات الدرناويّة الخاصّة جدَّاً.. درنة الزعتر والبردقوش والإكليل والنعناع.. القرنفل والشمري والبطوم وعسل النحل.. الياسمين والفل وماء الورد والزهــر.

درنة أرض الزهــــر والحنـــة.. ونسائم البحــر وجناين الورد. درنة الفنّ والمزمار.. وقد بدأ المزمار الشّعبي - ومع ظهور فرقة درنة للفنّون الشعبيّة - يدخل فِي بعض الأغاني والموسيقى الِلّيبيّة، وبعدها أصبحت بعض الموسيقى والأغاني الدرناويّة جزءاً مِن التراث الجبلي، والنغمة الّتي تميز الفنّ الجبلي الِلّيبيّ عن الفنّ والأغاني الجبليّة العربيّة كنمط الأغنيّة الجبليّة السّائدة فِي لبنان.

درنة الّتي كانت، والّتي ستبقى إِلى أبدِ الآبِدِين.. ستبقى شامخة بثقافتها وفنّونها وتراثها رغم أنف مَنْ يكيدوا لها ولا يريدون خيرها وسلامتها. ستبقى درنة جميلة دائماً بسحر جمال طبيعتها الخلابة، وبما أنعم الله عليها مِن جبال محاطة بها مِن كلّ جانب، وشلال ووديان متعرّجة تشق طريقها وسط جبالها المرتفعة، وخضرة ساحرة تكسوها وتغطي مساحاتها الممتدة إِلى شواطئ البحر.. وستبقى درنة أبداً مركز شعاع للعلم ومنبعاً للثقافة، ومقطوعة موسيقيّة تدندن على أوتار حبّ الوطن وشديد الولاء له.

درنة الرَّافضة الحصار، والعاشقة للحريّة، والمغرمة بِالحيَاةِ مِن أعماقها.. درنة رنة (نغمة) الدربوكة الخاصّ، ومعزوفة الزمارة المُزدوِجة (المقرونة)، والأشعار الّتي تتغنى بالوطن وبسحر الطبيعة وجمال البحر والأشجار والجبال.

درنة الجهاد والنَّضال والثقافـة، والّتي صدت متآمري الخارج، ومتطرفي الدّاخل، ونهضت وستنهض فِي كلِّ مرَّة بوعي سكّانها وتجانس أهلها وتعايشهم السّلمي.

أخِيْراً، سيحتفظ الدراونة بلهجتهم الخاصّة وأسلوب حياتهم المتفرد وموسيقاهم المميزة.. وستبقى درنة مزمار الوطن الّذِي يحرك الأحاسيس وينقل التراث إِلى الأجيال المعاصرة.. وسيظل المزمار الدرناوي كمَا عرفناه واستمتعنا بموسيقاه.. وستبقى درنة محفورة فِي قلب كُلِّ لّيبيّ مُحب للوطن والفنّ والثقافـة والجمـال.

آه يا درنـة.. مَا أجملك.. ومَا أروع مزمارك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات