تقليدي!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

كثيرا ما تصادفنا مفردة «تقليدي» أو «تقليديين» في الكثير مما نقرأ ونسمع، وأظن أن هاتين المفردتين تحتاجان إلى شيء من الإضاءة، لأني أراهما تقبلان وتحملان الكثير من المعاني والمقاصد.
ما يتبادر للذهن بداية هو أن التقليدين تعني المقلدين لمن سبقهم، ولكن بشيء من الانتباه تبدو هناك مسألة أخرى تتعلق بتنوع أولئك إلى نماذج ودرجات، حيث نجد (تقليديين مجددين) أي أصحاب مذهب تقليدي ولكنهم يريدون تجديد بعض أركانه فقط، كما هناك أيضا (مجددون تقليديون) أي مجددون ذوو مرجعية تقليدية، وهناك أيضا تقليديون على المستوى الاجتماعي أولئك الذين يرتبطون عاطفيا بنوع الملبس أو المأكولات وما إلى ذلك، وتسيطر عليهم حالة من الحنين المبالغ فيه إلى الماضي "النوستالجيا المرضية"!.

نأتي بعد هذا إلى النظر في قاموس المعاني للمزيد من سبر غور المعنى، فنجد أن كلمة تَقْلِيديّ تشير إلى أنها تعني إنسان اتِّبَاعِيٌّ، كلاَسِيكِيٌّ، وهو اسم منسوب إلى تقليد وتقاليدّ، أي جريًا على العادة، أي متمسِّك بالقديم، وتَقليد جمعها تقاليدُ والمصدر قلَّدَ تَقْليدأً أي (نَقَلَهُ الخَلَفُ عَنِ السَّلَف)ِ، أو ما يَتَوارَثُهُ الإِنْسانُ مِنْ عاداتٍ وَعَقائِدَ ومُمارَساتِ أَساليبِ السُّلوكِ وَمَظاهِرِهِ العامَّةِ بأن يُحاوِلَ تَقْليدَ الآخَرينَ: أي السَّيْرَ على مِنْوالِهِمْ... ونفس المعنى يأتينا من الموسوعة الحرة حيث التقليد هو عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقدا بالحقيقة فيه، من غير نظر وتأمل في الدليل، أي عبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل.

وأود الإشارة هنا إلى أن هذا النموذج السادر في تقليديته متعارف على وصفهم بالانغلاقيين أي الذين لا يرون إلا أنفسهم ويريدون أن يعيشوا الماضي في الحاضر دون مراعاة التطور والتغيرات المجتمعية المعاصرة. إنهم أصحاب العقل الوثوقي، العقل الذي يثق في معرفته ثقة تمنعه من اكتشاف نواقص هذه المعرفة أو التغيرات التي تجري عليها وحولها مع مرور الزمن.

السلفي يعتقد دينيا بأن الخيرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأهل السلف، بينما التقليدي «اجتماعيا» أقل حدة فى ذلك الاعتقاد

وهذا هو "التقليدي" الذي ندندن حوله فى هذه السطور لكي نحاول تبين خصائصه وسلوكياته وطريقة تفكيره ومدى تأثيره فيمن حوله، حيث يستجيب الكثيرون في مجتمعنا للكلام الفضفاض والشعارات الرنانة خاصة عندما ترتفع أصوات "التقليديين" لأجل توجيه الاتهام لأطراف عصرية مدنية بأنها تريد «تخريب الهوية والأصالة»، وتسعى لإبعادها عن المقومات الوطنية والدينية، فيما يسمونه بالغزو الفكري، وهو فى حقيقته ليس إلا وجها للتدليس وصراعا بين الحداثة والتقليد، وبالتأكيد هناك بيئة حاضنة أفرادها كثيرا ما يتخوفون، ويتوجسون، بل ويتحسسون من ذوي التوجهات التنويرية ويطمئنون في المقابل ويرتاحون لمن يخرج عليهم بأفكار تقليدية وتصورات تعارض العصرنة، وتنغلق على نفسها في خطاب الهوية الضيق... فهناك نماذج حتى وإن تظاهرت بالعصرنة، ووضعت ربطات العنق تبقى طريقة تفكيرهم لا تغادر صندوق الموروث.

من سمات هذا النوع التقليدي أيضا أنه لا يقبل المساس بمسلماته لأن عقله تمت برمجته منذ النشأة على مفاهيم معينة.. ويميل بشكل لافت إلى ثقافة المشافهة لا القراءة.. ونجد أيضا أن السمع والطاعة مكونان أساسيان في منظومته العقلية.. ويظل يفكر بطريقة قديمة فيما تكون الأحوال والظروف قد تغيّرت من حوله وبالتالي تمضى حياته خارج الزمن بعيدا عن الواقع وحركته.

يصدق هذا الكلام على كثير من الشرائح التي نتعامل معها في حياتنا اليومية وإن كان هذا النموذج موجودا بوفرة في الشرائح غير المتعلمة وذلك أمر متوقع، إلا أنه لا يقل انتشارا في الشرائح المتعلمة خصوصا في عالمنا الثالث الذي يعتبر التعليم فيه تلقينيا شعاراتيا أكثر من كونه مبنيا على استنبات روح النقد والتفكير الإبداعي... فكم من أناس درسوا وعاشوا فى الخارج ورجعوا إلى أوطانهم دون تغير يذكر في سلوكياتهم وعقليتهم وطريقة تفكيرهم، بل هناك من ازداد انغلاقه وتقليديته!.

الملاحظ أيضا انه ليس بالضرورة أن يتغير التفكير بالتزامن مع كل تغيّر يحدث فى الواقع المعاش.. والدليل على ذلك هو وجود تقليديين باستمرار بل إن الكثير من الناس يميلون إلى التقليدية والجمود. وكثيرا ما نلاحظ تعثر تحقيق التغيّر والتطور نظرا لوجود ممانعة كامنة ضد التغيير، نظرا لمناعة داخل الأنظمة بتنوعاتها وممانعة حتى عند الشعوب والأفراد حيث الكثير اعتاد التقليد وأصبح جزءا من تكوينه وأصبح لديه حصانة وممانعة ضد التغيير.

قد يكون من المفهوم ممانعة القوى المهيمنة للتغيير لكونها بُنى مغلقة يفككها التغيير، ولكن ممانعة الأفراد للتغيير قد لا تبدو مفهومة من الوهلة الأولى إلا أن القراءة التاريخية يمكن أن تعطينا مؤشراً إلى أن استكانة الناس وميلهم للتقليد ومقاومة التغيير كانت بسبب خضوعهم لتأثير القوى المختلفة التي تسعى باستمرار إلى بقاء الحال على ما هو عليه؛ إنها السلطة السياسية والدينية التي عملت طوال التاريخ من أجل تثبيت ثقافة ساكنة ورافضة للتغيير إلا في لحظات عابرة، وهنا يأتي السؤال؛ هل هناك علاقة بين التقليدي والسلفي؟.

أظن نعم، السلفي يعتقد دينيا بأن الخيرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأهل السلف، بينما التقليدي "اجتماعيا" أقل حدة فى ذلك الاعتقاد، وارتباطه أكثر بالعادات كاللباس والمأكل وما إلى ذلك.. ولذا التقليدي على الجانب الاجتماعي بالإمكان التفاعل معه ولكن التقليدي من الجانب الدينى نجد صعوبة كبيرة فى "تقليديته" لأن فهمه وتقديره للأمور يتعلق بذلك التأويل السائد للنص المُنَزَّل في العصور الأولى وربما يزداد ذلك التعلق حتى يصل به إلى تشبثه بالتأويل العُنفي الذي يستند في قراءته إلى الماضي الذي اختلفت معطياته عن واقع اليوم. وهو لا يعنيه أن تفكيره خارج الزمن، لأن كل اهتمامه منصب على تأكيد تقليديته وإظهار علوها وأولويتها على أي قراءة أخرى؛ أي دونَ استحضار المتغير التاريخي.. رغم أن إنسان اليوم مؤهل لقراءة ذلك النص قراءة أكثر عمقا بحكم تطور العلوم.

هناك مسألة نفسية قد تغفر للتقليدي الاجتماعي انحيازه وتجب الإشارة إليها وهي أن الإنسان يرفض التغيير لأنه يخاف من المجهول وهي «طبيعة بشرية»، فيفضّل أن يبقى الوضع كما هو عليه لأنه اعتاده وليس لأنه يحبه ومرتاح له ولكن خوفه من المجهول يجعله يقاوم بشدة كل ما هو جديد.. إضافة إلى تأثير البيئة المحافظة التي تربى فيها فيعتاد التقليد ويصبح جزءا من تكوينه ويصبح لديه حصانة وممانعة ضد التغيير؛ ويظن أن تقليده يحميه من الأذى ومظلة يحتمي بها من الآخرين.

التقليديون لن يختفوا أو يندثروا من المشهد، ولكن يفترض ألا تزيد نسبة تواجدهم عن الحد الحرج الذي يعرقل مسيرة الأجيال نحو المستقبل.


 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات