يبقى العقل ماو صياد! الذّكرى الثامنة والستون لقرار الأمم المتَّحدة بشأن استقلال ليبَيا

شكري السنكي |
شكري السنكي

دارت معارك ضاريّة بين الِلّيبيّين والمستعمر الإيطالي على مدار عشرين عاماً متواصلة فِي فيافي الصحراء وفوق الجبال وبين السهول والوديان، وقبل ذلك دارت معارك داخل مدن البلاد الرئيسيّة وقد انتهت باحتلالها بعْد أن دفع الِلّيبيّون أثماناً باهظة.

لم تتوقف المعارك بين الِلّيبيّين والمستعمر الإيطالي منذ دخول الاستعمار إِلى ليبَيا العَام 1911 حتَّى ساعة استشهاد أمير المجاهدين وأسد الصحراء وشيخ الشهداء عُمر المختار يوم 16 سبتمبر 1931.

لم تتوقف المعارك بين الِلّيبيّين والمستعمر الإيطالي منذ دخول الاستعمار إِلى ليبَيا العَام 1911 حتَّى ساعة استشهاد أمير المجاهدين وأسد الصحراء وشيخ الشهداء عُمر المختار يوم 16 سبتمبر 1931. وقد دفع الِلّيبيّون ثمن مقاومة وطرد المستعمر الإيطالي واسترداد حريتهم أكثر مِن نصف عددهم ذهب شهيداً فِي القتال وَفِي السّجون والمعتقلات. وَمِن العَام 1930م إِلى سَاعة إصدار الجمعيّة العامـّة للأمم المتَّحدة قرارها رقم (289) فِي 21 نوفمبر 1949، القاضي باستقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاثة (برقة، وطرابلس، وفزَّان) في تاريخ أقصاه يناير 1952، لم يتوقف عمل النخبة فِي المنفى يوماً لأجل دعم مواطنيهم فِي الدّاخل معنوياً ومادياً، وإبقاء خيار المقاومة، كذلك التفكير فِي الوسائل المجدية لتحقيق الاستقلال وإخراج المستعمر مِن بلادهم مِن خلال مشروع سياسي محدد الأهداف ومنضبط المسار.

كان الأمير إدْريْس السّنُوسي هُو قائد الجهاد وصاحب المشروع الوطنيّ الّذِي قاد إِلى الاستقلال وتأسيس دولة ليبَيا الحديثـة. انطلق الأمير فِي نظرته وحركته من نظرة واقعيّة ورؤيّة واضحة مصاغة فِي مشروع سياسي يكفل التحرَّك بفاعلية والاتصال بكافة الأطراف المؤثرة فِي العالم، مقدراً حدود تأثير الحركة الوطنيّة وحجم القوة الّذِي تمتلكه، ومتبنياً سياسة (خذ وطالب).

راهن الأمير إدْريْس السّنُوسي على انتصار الحلفاء على المحور، وشكّل فِي أغسطس 1940 جيشاً لتحرير البلاد (جيش التحرير السّنُوسي) فِي المنفى بمنطقة أبي رواش عند الكيلو (9) بهضبة الهرم على الطريق الرئيسي الصحراوي القاهرة الإسكندرية، والّذِي دخل الحرب العالميّة الثانيّة مع قوَّات الحلفاء تحت مظلة الجيش الثامن البريطاني وخاض معارك ضاريّة مع جيـوش المحـور المكونـة مِـن الإيطاليين والألمـان.

وَبعْد انتصار الحلفاء على المحور، دخلت البلاد فِي وضع جديد يتلخص فِي إدارة عسّكريّة بريطانيّة فِي إقليم برقة وإقليم طرابلس، وإدارة فرنسيّة فِي إقليم فزّان. وكان الأمير إدْريْس قد أخذ عهداً مِن البريطانيين قبل التحالف معهم، بأن يدعموا هدف استقلال ليبَيا إذا مَا انتصروا فِي الحرب على المحور، وبناءً على ذلك قاد عملاً سياسياً عظيماً لتحقيق هذا الهدف، وتشكلت الهيئات والجمعيات والأحزاب السّياسيّة في جميع مناطق البلاد لمساندة هذا المسعى وتحقيق هذا الهدف العظيم.

كان واضحاً لدى الِلّيبيّين أن هناك اتجاهاً مِن قبل الدول الكبرى المنتصرة فِي الحرب على فرض وصايّة دّوليّة على ليبَيا مِن خلال الأمم المتَّحدة

وكان واضحاً لدى الِلّيبيّين أن هناك اتجاهاً مِن قبل الدول الكبرى المنتصرة فِي الحرب على فرض وصايّة دّوليّة على ليبَيا مِن خلال الأمم المتَّحدة، وأصبح ذلك أكثر وضوحاً بعْد سقوط الحكم الفاشستي كنتيجة للحرب العالميّة الثانيّة، وذلك بتبلور مشروع الانتداب وتقسيم الوصاية على البلاد بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا.

بِالإضافةِ إِلى هذا المشروع، دخلت دول أخرى على الخط، وكانت هناك أطماع لجهات وأطراف مختلفة فِي ليبَيا، وأمام هذا التنافس الشديد بين كُلِّ هذه الدول والأطراف أصبح مِن الصعب الاتفاق على مسألة الوصاية دون إحالتها إِلى الأمم المتَّحدة. أحالت الدول الكبرى أو الأربع الكبّار وقتئذ الولايّات المتَّحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا، فِي سبتمبر 1948، الملف الِلّيبيّ إِلى الأمم المتَّحدة، وبعدها دخلت المسألة الِلّيبيّة على طاولة التفاوض الدّوليّ.

وَفِى هذه الأثناء، جرى اتفاق سرى بين وزير خارِجِيّة بريطانيا أرنست بيفن ووزير خارِجِيّة إيطاليا كارلو سفورزا، والّذِي عُرف فيما بعْد باسم (مشروع بيفن سفورزا) يضع ليبَيا تحت الوصايّة الدّوليّة لمدة عشر سنوات، ويسعى للحصول على أصوات ثلثي الأعضاء حينما يتمّ التصويت فِي صيف 1949 على المشروع فِي اجتماع الجمعيّة العامّـة للأمم المتَّحدة، وتكون الوصايّة لبريطانيا على برقة وتتولى إيطاليا إدارة طرابلس وتتولى فرنسا إدارة فزَّان.

ووقتئذ، كان الِلّيبيّون موجودين فِي الأمم المتَّحدة، تقديراً منهم لأهمية هذا الصّراع ووعيهم بأهمية وجودهم فِي دوائر صنع القرار، وأن يكونوا قريبين مِن الحدث، وكانوا موجودين مِن خلال وفدين أحدهما يمثل ولايّة برقة، ووفد آخر يمثل ولايّة طرابلس الغرب. وحينما شرعت الأمم المتَّحدة فِي مناقشة المسألة الِلّـيبيّة كان الِلّيبيّون حاضرين، وقد تشكّل الوفد الِلّيبيّ الّذِي حضر دورات الأمم المتَّحدة مِن وفدين، الأوَّل عَن برقة ويتكون مِن: (عُمر فائق شنيب، خليل القلاّل، عبْدالحميد العبّار، عبْدالرَّازق شقلوف).. والوفد الآخر مِن هيئة تحرير ليبَيا ويمثّل إقليم طرابلس ويتكوَّن مِن: (منصُور بن قدارة، الدّكتور علي نورالدّين العنيزي، الدّكتور محَمّد فؤاد شكري «مستشار»)، بِالإضافةِ إِلى ممثل عَن الطائفة اليهوديّة في طرابلس، ومندوبين عَن جمعيّات الأقليات الإيطاليّة المُقيمة فِي طرابلس.

وفِي يوم 19 مايو 1949، عقدت الجمعيّة العامّة للأمم المتَّحدة جلستها للنظر فِي مشروع بيفن سفورزا، والّذِي كان يتطلب لتمريره موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين مِن أصل (58) ثمانيّة وخمسين دولة. وقد نجح أحد أعضاء الوفد الِلّيبيّ فِي كسب تأييد ممثل دولة هايتي لدى الأمم المتَّحدة، والّذِي كان صوته علامة فارقة أدَّت إِلى إسقاط مشروع الانتداب ثمّ إحالة الملف الِلّيبيّ مجدَّداً لجلسة الجمعيّة العامّة يوم 21 نوفمبر 1949للتصويت على مقترح استقلال ليبَيا.

سقط مشروع الوصاية بفارق صوت واحد، صوت أميل سان لو ممثل دولة هايتي لدى الأمم المتَّحدة، الّذِي صوَّت ضدَّ المشروع مخالفاً تعليمات بلاده. ولولا سقوط هذا المشروع، مَا كان لمشروع «استقلال ليبَيا» أن يُعرض على الجمعيّة العامّة للتصويت فِي ذلك اليوم المشهود الموافق 21 نوفمبر 1949، ومَا كان لقرار الاستقلال أن يصدر، القرار القاضي بأن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة فِي موعد أقصاه أوَّل يناير 1952.

صحيح أن صوت أميل سان لو كان علامة فارقة فِي القرار الأممي الّذِي ترتب عليه قرار الاستقلال، فلولا صوته لتم الانتداب الاستعماري على ليبَيا، وأخذت القضيّة مساراً آخر. هذه حقيقة، ولكن بجانبها حقيقة أخرى، تقر بأن الجهد الدّبلوماسي الّذِي بذله أعضاء الوفد الِلّيبيّ كان عظيماً وذكياً إِلى أبعد حدٍ، وأن نجاحهم، الّذِي لم يكن يتوقعه أحد سواهم، فاجأ الجميع وأفشل المشروع الاستعماري، وذلك حينما نجحوا فِي إقناع مندوب هايتي ليصوت ضدَّ مشروع الانتداب مخالفاً تعليمات بلاده، ومِن بين أولئك الرجال العظام الكبّار وَفِي مقدمتهم الدّكتور علي نورالدين العنيزي والأستاذ عبْدالرازق شقلوف.

كان هناك تصميم وإصرار يؤكدان إيمان الوفد الِلّيبيّ بعدالة قضيتهم وثقتهم بنفوسهم فِي قدرتهم على انتزاع الاستقلال مِن مخالب المستعمر وإفشال مشروع بيفن - سفورزا، وقد جسدت غنَّاوْة العَلمْ الّتي قالها السّيِّد عبْدالرازق شقلوف حينما جاءه شخص ليحدثه قبيل التصويت على أن التصويت سيكون فِي صالح المشروع نظراً لقناعة الحاضرين المشككة على قدرة الِلّيبيّين فِي إدارة بلدهم، وبأن ليبَيا غير مؤهلة للاستقلال، فقال الغنَّاوْة التالية: (يبقى العقل ماو صياد … أن كان ما لعب في ريشهن). ولا شكّ أن الغنَّاوْة تؤكد على المعنى الّذِي ذهبنا إليه، وتحمل دلالة واضحة على مدى قناعة الوفد اللّـيبيّ بقدراته وإمكانياته ومدى إخلاصه وتصميمه على النجاح فِي مهمته.

وقد حقق الوفد مَا راهن عليه، وكسب الصوت الفارق فِي التصويت، وحققوا مسعاهم ونالت ليبَيا استقلالها بسقوط مشروع الانتداب الاستعماري على بلادهم ولعبوا فِي ريش مَنْ قالوا إنهم غير جديرين بِالاستقلالِ ولا قادرون على إدارة شؤون بلادهم.

تمَّ إسقاط مشروع الوصاية، وعقدت الدّورة الـرّابعة للجمعيّة العامـّة للأمم المتَّحدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949، وتمَّ عرض مقترح «استقلال ليبَيا» في الجلسة المائتين والخمسين للتصويت، فصدر القرار برقم (289/4) ويقضي باستقلال ليبَيا بأقاليمها الثلاثة (برقة، وطرابلس، وفزَّان) في تاريخ أقصاه يناير 1952. وقد تمّ اتخاذ هذا القرار دون اعتراض مِن أيّ دولة وأُقر بأغلبية الأعضاء، حيث صوتت لصالحه تسع وأربعون (49) دولة وامتنعت تسع (9) دول عَن التصويت.

«قرار الاستقلال»
أخيراً، منحت الجامعة الِلّيبيّة لأميل سان لو شهادة دكتوراه فخريّة وهي أوَّل دكتوراه تمنحها الجامعة بليبَيا، وأطلق اسمه على شوارع وميادين ومدارس متفرقة بليبَيا. ووجهت المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة إِلى السفير أميل سان لو دعوة رسميّة لزيارتها، وقد زارها العَام 1957، وتمّ استقباله هُو وزوجته استقبالاً رسمياً حافلاً وأقيمت لهما الاستقبالات والاحتفالات وتمّ منحهما الهدايا التذكاريّة. ويُذكر أن المَلِك إدْريْس السّنُوسي كان قد أصدر قراراً قبل ذلك، يقضي بتعيين السفير أميل سان لو سفير هايتي لدى الأمم المتَّحدة، مستشاراً للسفارة الِلّيبيّة فِي الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة – وبنفس المرتب الّذِي كان يتقاضاه مِن دولته – بعدما فصلته هايتي مِن منصبه لأنّه صوَّت ضدَّ مقترح تقسيم ليبَيا، وخالف تعليماتها. وقام المَلِك إدْريْس – طيّب الله ثراه – بتكريم الدّكتور علي العنيزي والأستاذ عبدالرازق شقلوف، وذلك بمعاملتهما معاملة خاصّة تليق بمقاميهما الرفيعين الكريمين، ومنحهما الأوسمة والأنواط، وقلدهما أعلى المناصب فِي الدولة الِلّيبيّة الوليدة.

الوقوف عند هذه المناسبات الوطنيّة العظيمة وأولئك الرجال الأفذاذ الّذِين أسهموا وحملوا على عواتقهم أمانة وشرف رفعة الوطن، ليس حنيناً للماضي أو شعارات ترفع لعجزنا على مواجهة تحدّيات الحاضر، بل هُو أساس لابُدَّ مِن البناء عليه

وختاماً، صدر «قرار الاستقلال» فِي مثل هذا اليوم الموافق 21 نوفمبر منذ ثمانيّة وستين عاماً، وإذ نقف اليوم أمام هذه الذّكرى الغاليّة على قلوبنا وهذا الحدث التاريخيّ العظيــم، لابُدَّ أن نذكر إدْريْس السّنُوسي قائد الجهاد والأب المؤسس للدولة الِلّيبيّة، فقيادته الحكيمة كانت وراء كُلِّ إنجاز تحقق ونجاح تمَّ الوصول إليه، فلا مَنَاصَ مِن ذكره عند كُلِّ مناسبة وطنيّة، والوقوف عند شخصيته لاستخراج الدروس والعبر المستفادة مِن سيرته ومواقفه ووصاياه. ولنذكِّر بمسيرة الحركة الوطنيّة فِي زمن حرب التَّحرير وولادة الدولة الِلّيبيّة والّتي لا نجد لاجتماع عناصر متنوّعة فِي حركة أخرى مثلما كانت فِي حركتنا الوطنيّة، فِي تضحياتها ومرونتها وصلابة موقفها، وفي انفتاحها ووعيها وموقفها المبدئي، وفي إنجازاتها وتجرّد ونبل واستقامة ونزاهة مَنْ قادها. ولذلك، نحن بحاجة فِي كلّ حين، وفِي كُلِّ مناسبة وطنيّة إِلى التذكير بسيرة آبائنا المؤسسين وكيف كانت حركتنا الوطنيّة، لتصنع هذه السيرة القوى الوطنيّة القادرة على مواجهة التّحديات والحفاظ على إرث الأجداد، ولنقدّم النّموذج الأمثل الَّذي يمكن أن يكون القدوة لكلّ الأجيال فِي المُسْتقبل.

والوقوف عند هذه المناسبات الوطنيّة العظيمة وأولئك الرجال الأفذاذ الّذِين أسهموا وحملوا على عواتقهم أمانة وشرف رفعة الوطن، ليس حنيناً للماضي أو شعارات ترفع لعجزنا على مواجهة تحدّيات الحاضر، بل هُو أساس لابُدَّ مِن البناء عليه وأن تستمر قيمه ومبادئه، وتجربة تقوينا أمام هذا الاستكبار وهذه التَّحديات، الّتي تعمل على تفتيت بلادنا الّتي دفعت أغلى الأثمان مِن أجل حريتها واستقلالها وعزّتها وكرامة مواطنيها.

رحم الله أولئك الرجال المخلصين الأفذاذ الّذِين تركوا الأثر الطيب والذكر الحسن، وتركوا بصماتهم على مساحات البذل والعطاء والسلوك لأجيالٍ قادمة.. وكل عام وأنتم طيبون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات