4- المأساة والملهاة عند الفاخري والنيهوم

محمد الدُوقاق |
محمد الدُوقاق

ولقد برقت في رأس الفاخري، أيضا، فكرة مشابهة عن تجربته مع الكلمات، وكتبها بصيغة مختلفة، فلم يحدد معاناته، أو تجربته، بالكلمة فقط وإنما ربطها برؤياه للكاتب الملتزم الذي يُودع روحه وقلمه المبادئ التي يؤمن بها ويعيش من أجلها. لقد بعث الفاخري برسالة شخصية من بريطانيا عندما كان يدرس اللغة الإنجليزية هناك، برسالة إلى صديقه عمر جعاكه في الربع الأخير من سنة1970، وهي التي أصبحت فيما بعد، مقال "بيع الريح للمراكب" الذي نشر بادئ الأمر بمجلة الإذاعة سنة 1988 ، ثم أصبحت عنوانا لمجموعته القصصية الثالثة. يقول في رسالته:

حكايتي عجيبة
وفيما كانت بقية الفئران تلهث خلف الفتات المتساقط عند الموائد، كنت أتسلى بالتمرغ في الورق. كنت أقرض الكتب، والشعر كذلك، وأنظر إلى كل الفخاخ المزروعة على طول الطريق. كنت فأرا حقيقيا..
وكان من الممكن أن تكون حياتي سهلة ومبهجة للغاية أو أنني اكتفيت بذلك، غير أن حلما آخرا أكثر حماقة كان قد نبت في رأسي الصغير الممتلئ بالرعونة والطيش.. لقد بدأت أحلم بأن أضع الجرس في رقبة القط، وكان ذلك بداية غربة من نوع آخر.

أخي عمر..
وبينما كانت الفخاخ تنهش في أقدامي دون انقطاع، كنت لا أزال أحمل في قلبي كل العناد والإصرار، وذلك الخلم القديم في أن أصبح طائرا ذات يوم.

حكايتي عجيبة..
ولقد انطلقت عبر البحار، ونمت في المرافئ والجزر، واستمرت رحلتي ألفا من السنين، أو يزيد، وتعرفت على كل الصيادين، والبغايا والسكارى والأمهات والشحاذين، والرعاة، والمقامرين، والأطفال. تعرفت على كثير من القلاع والتيارات، والأمواج والرياح. وعدت في في نهاية المطاف. كنت قد أصبحت طائرا حقيقيا لا شك فيه وكانت عيناي ممتلئتين بآلاف الصوري، والسموات والألوان، وكان جرابي معبأ بالحكايات، وكان في إمكاني أن أطير حتى ألمس قبة السماء.. أن ألمس سقف العالم..".

وفي رسالة أخرى بعث بها إلى أخية مصطفى يوم 5. 10. 1999 نجد رأيا آخرا له في الكتابة، يقول:

أخي الحبيب مصطفى موحشة هي الكتابة!.
فأنت ما إن تفرغ ما في صدرك للآخرين عن طريق الكلمات حتى تشعر بالخواء، والوحدة، والوحشة، إذ إنك أعطيت كل ما لديك، ولم يعد في جوف قلبك سوى الريح التي تذرع أبعاد الصحراء.. إنها الوحشة. إنها بقدر ما تربطك بالآخرين، بقدر ما تشعرك بمدى وحدتك. أنت تنظر إلى الأمام لكي تعرف الماضي، وأنت تتطلع إلى الخلف حتى تستشرف المستقبل!. لكنك تقف في نقطة (عبر حدث) لا علاقة لها بالزمان والمكان.

إنها نقطة تنبثق منك، لكنها لا تعود إليك؛ لذا تشعر أن جزءا من قلبك قد مات، أو ضاع على أقل تقدير!. عندئذ تصبح الكتابة أمرا صعبا بكل مقاييس أولئك الناس الذين يتوخون كل الأمانة والصدق.
إنها ليست ترفا، أو موهبة- كما يقول بعض النقاد البلهاء- بل هي عذاب متصل في صحوك ومنامك. وفي أحلامك اليقظة والخدرة على السواء!!.

موحشة هي الكتابة وخاصة عندما تكتب لمن تحب. إنك تحاول بإصرار أن تزرع قلبك بكل ما فيه على الورق لكن الورق لا ينبت دفئا إلاّ حين يحترق.. كذلك القلب!!."

هاتان رسالتان كتبهما بصدق حقيقي لصديقيه، عمر ومصطفى، شقيقة، كان أحد أقرب أصدقائهّ!. وفيهما أستطيع أن أقول خليفة كان يكتب وفق هذه المعايير فبقدر ما كان الرمز واضحا في رسالته إلى عمر جعاكة كانت المباشرة هي الأسلوب الذي كتب به إلى شقيقه مصطفى؛ وذلك يعني أن الرمز لم يغب عن أسلوب خليفة والمباشرة أيضا، وهذا كان أسلوب النيهوم أيضا.

ولعل ما طرحناه يمكننا أن نستخلص أنه لا الكلمات ولا الأفكار ولدت كاملة في فكري النيهوم والفاخري، وإنما تخلقت صغيرة كالنواة الضئيلة التي نمت وترعرعت ثم ارتفعت شامخة، من أرض الله، وعانقت سماءه، ذلك لأن موهبتهما، أعني نواتيهما كانتا حقيقيتين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات