هل أتى دور لبنان؟

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

جورج براون، رئيس الوزراء البريطاني السابق ونائب رئيس الوزراء أثناء الحرب على العراق سنة 2003 والإعداد لها، صدرت مذكراته أخيراً بعنوان «حياتي، زماننا». في حياته وزماننا كانت الحرب على العراق حربَ تدمير عمد للدولة وجيشها واقتصادها ونسيجها الوطني، حلّت من بعدها كوارث بذات الأبعاد والآثار في أرجاء منطقتنا العربية. كانت الحرب على العراق أولى حلقات ربيعٍ لم نشهد له زهراً وإنما موتاً وخراباً.

لا تزال مشروعية حرب العراق موضِع جدلٍ كبير في بريطانيا، وإن كان هناك قبولٌ عامٌ بأن توني بلير ما كان له أن يجُرّ بلاده إلى الحرب وسط الشكوك الكبيرة في حقيقة الادعاءات الأميركية

لا تزال مشروعية حرب العراق موضِع جدلٍ كبير في بريطانيا، وإن كان هناك قبولٌ عامٌ بأن توني بلير ما كان له أن يجُرّ بلاده إلى الحرب وسط الشكوك الكبيرة في حقيقة الادعاءات الأميركية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية. كان قرار الحرب على العراق، وبناءً على ما انكشف من حقائق ونتائج تحقيقات، قراراً أميركياً محسوماً مبنياً على حساباتٍ سياسية واقتصادية وأمنية (وإسرائيلية) غيرِ قابلة للمراجعة. ورأى بلير- رغم المعارضة الشعبية غيرِ المسبوقة في بلاده لتلك الحرب- ألا يفوّت فرصة التعلّق بقطار الحرب والحصول لبلاده على بعضٍ من ثمارها ولشخصه مجداً ومكانة. ولم يكن لنائبه جورج براون صوت معترض.

وبعد انكشاف كثيرٍ من خفايا الإعداد للحرب وحملةِ التضليل المروِّجة لها، كان لا بدّ لجورج براون في مذكّراته، أن يفسّر مسايرته- في أدنى تقدير- للانخراط في حربٍ كارثية «غيرِ عادلة» بُنيت على ادّعاءاتٍ كاذبة، فكان أن اتّكأ إلى ادّعاء الجهل بالحقيقة بقوله إن الولايات المتحدة لم تُطلع بريطانيا على حقيقة القدرات التسليحية المتواضعة للعراق وقتها. في ذلك القول تجاهلٌ لحقيقة انتظاره أن يتولّى رئاسة الحكومة تنفيذاً لاتفاقٍ سابقٍ بينه وبين بلير، لم يكن براون ليفرّط فيها وقد أصبحت قاب قوسين. وكان عليه في النهاية أن يدافع عما فعله وما لم يفعله.

بغض النظر عن الحقيقة أو خلافِها كما يصوّرها هذا أو ذاك خدمةً لمصالحه، تبقى المراجعةُ واستظهارُ الحقيقة والمحاسبةُ من قبل المؤسسات الدستورية والمعارَضةُ والإعلامُ الحرُّ والرأيُ العام أركاناً لتوازنات المشهد السياسي عندهم وضوابطه، لا إفلات منها.

غزو العراق وما تلاه من حروبٍ في ليبيا وسورية واليمن وأضرار فادحة لحقت بالمنطقة كلِّها تمّت بأشكالٍ من المشاركة الميدانية والتمويل والتسليح والتحريض من دول عربية.

الأمر في منطقتنا مختلف جداً. غزو العراق وما تلاه من حروبٍ في ليبيا وسورية واليمن وأضرار فادحة لحقت بالمنطقة كلِّها تمّت بأشكالٍ من المشاركة الميدانية والتمويل والتسليح والتحريض من دول عربية. وبالرغم من الحصاد المرّ لتلك الحروب لم يكن في تلك الدول حسابٌ أو مراجعة أو اعترافٌ بأخطاء في التقدير أو السياسات. بل نجدها ماضيةً على نفس النهج التدميري، فنرى دولةً عربيةً أخرى، هي لبنان هذه المرّة، في عين العاصفة. هي «فوضى خلاقة» يُبنى على آثارها صُلحٌ وتوطينٌ وهجراتٌ وهيمنةٌ على جسدٍ بلا حَراك. وليهنأ العرب بانتصاراتهم الوهمية على سنةٍ أو شيعةٍ أو علمانيةٍ أو سلفية أو ثوراتٍ مزعومة أو انقلاباتٍ عليها.
سيستمرّ تدمير الدول والجيوش ومقدّرات الأمة ومستقبل أجيالها حتى يأتي تغييرٌ صادقٌ يبني ولا يهدِم، ينشد الحياة لا الموت، يصدُق أهلَه ولا يَـكْذِبهم. قد لا يكون قريباً ولكنه آتٍ.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات