حديث السكن والألفة 16- أصعب الاختيارات (1/2)

حنان عبدالرحيم |
حنان عبدالرحيم

ليس هناك أصعب من اختيار شخص سوف تُشركه حياتك وتتشارك معه في حياته. قد لم يسبق لك أن قابلته في حياتك، أوقد تكونان ترعرعتما، أو درستما، أو عملتما معا؛ ففي الأحوال كلها الأمر خطير للغاية، لأن فشل هذه الشركة وحلها لا يمكن أن ينتهي من دون ندوب وجروح نفسية ومعنوية ومادية، ناهيك أن الجروح قد لا تندمل أبدا بسبب ما ينتج عن شراكتكما من أطفال، خصوصا إن وصلوا مرحلة اكتسبوا خلالها أفكارا ورؤية لم تنتبهوا إليها خلال زواجكما.

الإحصائيات الأمريكية تقول أنه من سنة 1940 إلى سنة 1946 ارتفعت إحصائيات الطلاق من 17% إلى25% ومن المؤكد أن سبب ذلك تداعيات الحرب العالمية الثانية. أما وصولها في نهاية الستينيات إلى حوالي 55%، مرجعه إلى المساواة التامة بين الجنسين، والحريات المتاحة وسهولة الحياة، وانحسار العقيدة الدينية. لقد تناولت جامعة بنسلفانيا مشكلة ارتفاع نسبة الطلاق لتصل إلى تأسيس كيان تسمى بالمجلس الاستشاري لشئون الزواج، فصار بمثابة عيادة اجتماعية لهذا الموضوع، مهمتها حث الشباب على التفكير المنظم في مستقبل الزواج، وإخضاع حالتهما أو رغبتهما للدراسة والتدقيق قبل عقد الزواج، أو بمعني أدق عقد الشراكة هذه، بحيث يتحصل الزوجان على تقرير عن واقع الحال، يعكس حقيقة وضعهما ومدى تناسبها للمضي قدما في هذه المشاركة. ولقد كانت النتائج التي اتخذها من اقتنع بنتائج استشارة هذه المجلس ناجحة إلى حد كبير.

ما يقوم به هذا المجلس بالدرجة الأولى هو التصدي لخداع النظرة الأولى، أو ما يسمى الحب من النظرة الأولى، فكان أول ما نبهوا إليه أن هذا الذي يرونه (حبا) هو في الحقيقة لا يخرج عن كونه واحدة من اثنتين : إما انجذابا جنسيا، أو الاقتراب الشديد، غالبا من حيث الشكل، من المثل الأعلى لما يرسمه المرء في خياله لمن يريد أن يشاركه حياته.
عوضا عن هذا التسرع وضعوا اختبارا دقيقا لمعرفة مدى توافق الشخصيتين في زوج ـ أو فلنقل شريك – المستقبل. ويتلخص هذا الاختبار في تحديد الشخصية من خلال أجوبة حقيقية ودقيقة على أسئلة تتناول الطرفين، يتأسس عليها مدى توافقهما. والأسئلة هي كالتالي:

1- هل الشريك ميال للاختلاط، أم يفضل العزلة؟
2- متفاهم، سلس، أم عنيد؟
3- عصبي، أم هادئ الطبع؟
4- خجول، أم جرئ؟
5- متقد العاطفة، أو لا؟
6- مثالي، أم لا؟
7- رصين أو متقلب؟
8- قلق، أم لا يبالي؟
9- محافظ، أم متحرر؟
10- يعتمد عليه، أم لا؟
11- رصين أم أهوج؟

ونلاحظ أن الاستبيان لم يتناول مسألة الدين، وإن كان بمقدورنا أن نظمها إلى السؤال (9) لأن المتدينين في دراسات أخرى، كانوا أقل في نسب الطلاق، وأكثرهم هدوءا وطمأنينة؛ ولعل مرجع ذلك أن ذوى الفضيلة، مقتنعون بأن الممارسة الجنسية يتعين ألاّ تمارس أبدا إلاّ من خلال الزواج. ولعل ذلك سببه أن المجتمع الذي قامت فيه هذه الدراسة يعلم أن مجتمعهم لا يرى أن التجارب السابقة للزواج قد تؤثر في توافق الشريكين، ولكن هذا بالتأكيد أمر له أهميته البالغة والمعلنة والرئيسية، التي ليست محل نقاش في مجتمعنا وقناعتنا الدينية خصوصا لما يتعلق بالجانب الأنثوي.

ولكن من الناحية العلمية، العملية، فإن نتائج هذا الاستبيان ترسم الصورة الحقيقية للشريك، وتعكس مدي نضجه الروحي، وهو الذي يعد من أهم عناصر الزواج الناجح، لأنهم يتمتعون بمقدار من النضج يجعلهم في مأمن من مغبة شرور العقد النفسية والعصبية، والبعد عن الأوهام والقلق وعدم الثقة في النفس وهكذا فإنه كلما ارتفعت نسبة التوافق بين الطرفين كان زواجهما أكثر نجاحا واستقرارا وسكنا وألفة، فالنضج الجنسي يتوفر بفاعلية عالية لدى الناضجين عاطفيا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات