من الحوارية إلى الإجرائية

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

أشرت في مقالٍ سابقٍ لي ـ رابطهhttp://alwasat.ly /ar/news ـ عن التفاوض الذي سُمّي بالحوار الليبي ـ الليبي وغموضه إلى الالتباس الذي يحف بكلمة " Process" التي تترجم بكلمة"عملية"المقابلة مفهوميا في أذهاننا للفظة اللاتينية Operation كما ترد في العسكرية أو الرياضيات أو الطب. الأمر الذي يضعها فيما يمكن أن نطلق عليه في عالم المفهوميات بحالة الغموض في السياق وهي الحالة التي تعيشها ليبيا منذ بدء الحوارية الليبية ـ الليبية لحلحلة مسألية الانقسام السياسي والمجتمعي، الذي تبلور مؤسسياً في الرئاسة المتطرّفة لمجلس الدولة الخديج وعسكرتيرية قيادة الجيش المتخفيّة في البرلمان وهو التمحوّر الأسوأ في ليبيا المحفوفة بالهشاشات: الديموغرافية والجيو ـ غرافية السياسية والغنائمية.

بروسيس تأتي منها كلمة بروسيسور وترجمتها في اللغة الحاسوبية السيّارة معالج وحتى نخرج من إشكال المعنى لفعل عالج يُقترح اشتقاق فعل تعليج فتصير كلمة"بروسيس" تعليجة وهنا ندخل في صلب مقال محمد المُفتي "بالتعيين..؟ " في موقع قناة 218 الليبية "والكاتب وهو يدعو إلى تجاوز الحوارية الليبية المنسدّة لعامين بالإجرائية فإنه يتقمص اختصاصه الفعلي كطبيب جراحة، بدل شغفه ككاتب بتاريخ الثقافة والسياسة الليبية في الحقبة الاستقلالية 51 ـ 1969 مُقرّاً بأن الإصرار على شكليات الديموقراطية منطقي نظريا لكنه في تخوم المسألة الليبية أمسى ضربا من خداع الذات الأقربَ للموت البطيء.

الحقوقية والباحثة المرموقة في القانون عزة المقهور في ورقتها لـ "تقييم خطة العمل من أجل ليبيا التي تقدم بها المبعوث الأممي غسان سلامة تتبنّى مفهوم الإجرائية بمعناه في قانون الإجراءات إذ يعني الإجراء " procedure" خطوة أساسية من بين مجموعة خطوات لتفعيل عملية "Process" بإخراج أعمال عقلية محضة كالتفكير وهو ما يتم أثناء النظر في الخصومة من الناحية الإجرائية. ومثالها ندب خبير في دعاوى النزاعات القانونية، بقرار من المحكمة للوقوف على حقيقة ادعاء أطراف التخاصم وهما في النزاعية المؤسسية التشريعية الليبية مجلس النواب ـ الناطق بإرادة القيادة العسكرية ـ ومجلس الدولة. حيث ترى أنّه: "من الصعب أن تقوم مؤسستان عاجزتان مختطفتان من القيمين عليهما، لا تتبنيان آليات الديمقراطية ضمن عملهما الداخلي، ولا تعتمدان الشفافية سبيلاً، وتفتقران إلى المهنية والحكم الرشيد، ويلحقهما اشتباه بالفساد، بعملية معقدة لاستئناف المسار الديمقراطي الليبي، ما لم تخضع كل منهما لإصلاحات حقيقية تنبئ عن حسن النوايا والالتزام بقواعد العمل المهني للمؤسسات الحاكمة“. والإجرائية تستدعي في رأيها ضرورة إصلاح مجلسي النواب والدولة بضم المقاطعين إلى مجلس النواب، وإجراء انتخابات عاجلة لرئاسته وتعديل لائحته الداخلية، بالإضافة إلى مراجعة تشكيل مجلس الدولة وإعلان أسماء أعضائه وطريقة اختيارهم وإعادة "كتلة 94“ المنسحبة أو المستبعدة من رئاسته.

بينما يتبنى محمد المفتي كطبيب جراحة بالطرائقية التشبيهية "Simulation" تسمية الأشياء بقرائنها فيحوّل إجرائية "الجراحة السياسية": من عملية Operation إلى عمليةProcess فيرى أن الأمثل عادةً هو اختيار القيادات المطلوبة بأسلوب ديموقراطي يبدأ من صندوق الاقتراع العام. لكن تحقيق ذلك ” بالحوار” يبدو شبه مستحيل فيتوسل مفتاحاً للأزمة الاستعانة بأطراف محايدة وفق الأسس التالية: "أولاً تأجيل الجدل القانوني واستبعاد الانتخابات مؤقـتا، وهذه إجراءات تلجأ إليها الدول في ظروف عدم الاستقرار فتُقترح المهوّنات عندما تلتمّ المهدّدات. ثانيا تكليف رئيس حكومة عبر سكرتارية الأمم المتحــدة، يختار فريقه من الوزراء، ليبدأ فورا في حل كل المختنقات التي تمسك برقبة المواطن ـ خير نموذج للحكومة التسييرية المطلوبة ماتمّ بتجربة إعادة الحياة لمؤسسة النفط في الشهور الماضية ـ. والسوابق التاريخية تؤكد هذا الأجراء. فتأسيس الدولة الليبية متمثلا باختيار محمود المنتصر أول رئيس للحكومة الاتحادية كان بالتعيين قبل إعلان الاستقلال كحكومة مؤقتة وبعده كحكومة تنفيذية، وحكومة دستورية، بعد إجراء الانتخابات البرلمانية بمثالبها في يناير 1952. ثالثا، اختيار مجلس رئاسي دون صلاحيات تنفيذية، يتصدى للمعضلات الكبرى على المدى الأبـعـد، مثل المصالحة الوطنية واستكمال تأسيس الجيش وسحب السلاح العشوائي والإعداد للانتخابات. وهذا يحتاج إلى زمن وربما سنين حتى تخمــد الحساسيات ويســتعـيد الليبيون الثقة ببعضهم البعض. رابعاً من المهام المبكرة للمجلس الرئاسي إصدار قانون حكم محلي بإنشاء محافظات، وتعيين محافظين مؤقتين، ثم إجراء انتخابات محلية للسيطرة على القوى المحلية وتنازعاتها.

ما الذي دفع بكاتبينا المرموقين كلٌ من مرجعيته وشغفه، المقهور القانون الدستوري وكتابة القصة، والمفتي طبّ الجراحة والكتابة في التاريخ، إلى الإلحاح بتجاوز الحوارية المنسدّة بعمى بصيرة الساسة المصطنعين بأمر الواقع الصدفوي، إلى إجرائية فعّاله تكون المخرج من نفق. بل وضعا أمامنا حقيقتين يتوجب علينا أخذهما في اعتبارنا إذا أردنا أن نخرج من سياق “السياسات الحوارية” إلى سياق "الرؤية الإجرائية": أوّلهما البيئة المريضة التي تحيط بالسياسة داخلياً ويعددها المفتي بوقائع: جناية منطقة الأبيار البشعة بتصفية 37 محتجزاً ورمي جتثهم في الطريق، وقصف درنة المأساوي من طيران مغامر مجهول ـ معلوم، والتمهيد الجاري لحرب السيطرة على العاصمة بحجة تطهير مناطق ورشفانة من الحرابيين، وغيرها من سيناريوات العنف القادم. التي يكون الهدف المباشر والبسيط منها تعطيل مسار غسان سلامه ومنح الرئاسي عاما آخر في السلطة. أو ربما تقسيم فعلي للبلاد. وإقليميا من حروب بينية محدودة هناك حرب شرق أوسطية كبرى على الأبواب، أو هكذا يتوقع المراقبون بعد استقالة الحريري رئيس وزراء لبنان المفاجئة من السعودية وخوفه من العودة إلى لبنان حيث يخشى اغتياله. وإذا اندلعت الحرب بحجة تدمير حزب الله في لبنان فإنها ستجر إليها دولا إقليمية كبرى (إيران وتركيا وإسرائيل). حرب شرق أوسطية كبرى ستعنى أن الاهتمام سيتراجع بالقضية الليبية ويُترك الليبيون لصراعاتهم الانتحارية المدمرة التي لا تنتهي.

بيّنا في مقالنا المُشار إليه سلفاً أن كل البرامج الحاسوبية لها Process عندما تبدأ في العمل ولكن لا توجد أوامر داخلها تقوم بهذه الوظيفة بينما تستطيع أن تعمل Operation كما تريد والقرص الصلب يستطيع أن يعمل Operations ولكن لايستطيع أن يحصل على Process ، وعملية نسخ البرامج الموجودة في ذاكرة الحاسوب، التي ربما تفيد السياسة بإجراء نسخ الحوارية بالإجرائية تتمّ بأمر( order) المستخدم أو طلبه أو من"عملية":(Process) أخرى. الكاتب المُفتي في مقاله "بوابة الخروج .. عبر كوسوفو" بقناة 218 بتاريخ 9 نوفمبر 2017 يقارب ماحدث في كوسوفو صيف 1999 بما يمكن إحداثة في ليبيا وهو: الاستعانة بالمجـتــمـع الدولي لتشكيل إدارة ووضع دستور بدلا من التـوهـان في الحوارية المنسدة بالرهابات والأطماع والتحيّزات وتكييف استجابات المجتمع الدولي بما يطلبه الليبيون منه، مثلما حدث في غمار الاستقلال أعوام 49ـ50ـ 1951 بدلا من تركـه يـفـكر نيابـة عنهم مثلما يحدث من 2011 إلى اليوم!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات