«عدم الرشادة» تحصل على نوبل الاقتصاد!

مجدي صبحي |
مجدي صبحي

تنازع اتجاهان علم الاقتصاد، خصوصاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتمثل الاتجاه الأول في مدارس يدفعها طموح إلى تحويل علم الاقتصاد إلى علم من العلوم «المنضبطة» Exact Sciences مثل الفيزياء والفلك والرياضيات على سبيل المثال. وقد أغرق هذا الاتجاه في استخدام علوم الرياضة والإحصاء في بناء معادلات ونماذج تحاول تفسير الوضع الاقتصادي القائم، كما حاول هذا الاتجاه، كأي علم منضبط، تقديم تنبؤات بالتطورات الاقتصادية المحتملة.

وحتى يمكن القيام بعملية التفسير والتنبؤ كان على هذا الاتجاه العمل على تثبيت الفروض التي يستند إليها. ومن هنا كانت الفروض التي تتعلق بانضباط وحيادية آلية السوق في ظل شروط محددة مفترضة لهذه السوق، وكذا الفروض المتعلقة بانضباط واستمرار السلوك الاقتصادي الرشيد للأفراد، وكذا سلوك المشروعات والحكومات، التي يديرها بالطبع أفراد كذلك. إذ كأي علم منضبط لا يمكن إتمام عمليات التفسير والتنبؤ دون القول إنه في ظل الفروض «أ» و«ب» و«ج» على سبيل المثال، وهي فروض ينبغي أن تظل هي هي في كافة الأحوال، تحققت النتائج التي نراها أو يمكن أن تتحقق النتائج التالية.

من دروس الأزمة المالية العالمية في 2008 ضرورة وضع نهاية للافتراض القائل إن سلوك الأفراد دائماً سلوك رشيد تماماً، وإن أسعار السوق تعكس دائماً القيم الحقيقية للسلع

الاتجاه الثاني في علم الاقتصاد يذهب إلى أن هذا العلم لا يمكن أن يتحول تماماً إلى علم «منضبط»، لسبب رئيسي هو أن «مادته» التي يشتغل عليها هي «البشر» وليس الطبيعة. وعند الحديث عن البشر لابد من الأخذ في الاعتبار الأهواء، والأمزجة، والهفوات... إلخ التي تعبر عن سلوك البشر المتقلب الذي لا يثبت على حال. ورغم استعانة هذا الاتجاه بالنماذج والمعادلات أحياناً إلا أنها تأتي في إطار محاولة إدماج سلوك البشر والمشروعات في الدراسة.

ضمن هذا الاتجاه العريض جاء فوز ريتشارد ثالر، وهو واحد من رواد المدرسة السلوكية في علم الاقتصاد بجائزة نوبل. وتذهب المدرسة السلوكية ببساطة إلى إدماج علم النفس في تحليل عملية صنع القرار التي تكمن وراء أي نتيجة اقتصادية نراها، مثل العوامل التي تدفع أحد المستهلكين لاستهلاك منتج ما بدلاً عن استهلاك منتج آخر. فعلى خلاف علم الاقتصاد «النقي» يسمح الاقتصاد السلوكي بالسلوك «غير الرشيد» ويحاول فهم العوامل التي أدت إلى ما نراه سلوكاً غير رشيد، كما يذكر ذلك ريتشارد بارتينغون في مقال له بجريدة الغارديان البريطانية يوم 9 أكتوبر الجاري. ويلخص ريتشارد ثالر في مقال مشترك مع وزير الخزانة البريطاني آنذاك جورج أسبورن، نشر بالغارديان يوم 28 يناير 2010، أهمية الاقتصاد السلوكي بالقول: «إن واحداً من دروس الأزمة المالية العالمية التي وقعت العام 2008 هو ضرورة وضع نهاية للافتراض القائل إن سلوك الأفراد دائماً سلوك رشيد تماماً، وإن أسعار السوق تعكس دائماً القيم الحقيقية للسلع».

ويتساءل الكاتبان: ما هو انعكاس إدراك أن البشر لا يتصرفون دائماً بشكل رشيد على السياسة العامة؟ هنا يأتي في تقديرهما دور علوم مثل الاقتصاد السلوكي وعلم النفس الاجتماعي. فهذه العلوم تمكننا من تطوير مداخل جديدة في صنع السياسة، بناء على دلائل واقعية قائمة على تقصي السلوك الفعلي للبشر.

أجداد المدرسة السلوكية
يصعب القول إن ريتشارد ثالر ومدرسته السلوكية جديدة كلياً على حقل الاقتصاد. إذ يشير روبرت شيلر أستاذ الاقتصاد بجامعة ييل، الحاصل على جائزة نوبل العام 2013 إلى أنه هو شخصياً إلى جانب جورج أكريلوف وروبرت فوغل، ودانييل كانيمان، وإيلينور أوستروم الذين سبق حصولهم على الجائزة، يمكن تصنيفهم على أنهم اقتصاديون سلوكيون.

بل ويرجع التقليد الذي يذهب إلى دمج الأبعاد غير الاقتصادية عند دراسة الاقتصاد إلى تاريخ بعيد يمتد إلى نشأة علم الاقتصاد ذاته على يد آدم سميث واقتصاديي القرن التاسع عشر العظام، حيث كان علم الاقتصاد يعرف على أنه علم «الاقتصاد السياسي»، ولم يكتف هؤلاء بدمج السياسة فقط، بل امتدت كتاباتهم لإدماج أبعاد أخرى اجتماعية ونفسية عند تناول ظواهر هذا العلم بالدراسة.

ونجد كذلك سلفاً واضحاً للمدرسة السلوكية في ما يعرف بـ«المدرسة المؤسسية» في أميركا، وهي مدرسة حاولت إدماج الأبعاد غير الاقتصادية في دراسة السلوك الاقتصادي.

على خلاف علم الاقتصاد «النقي» يسمح الاقتصاد السلوكي بالسلوك «غير الرشيد» ويحاول فهم العوامل التي أدت إلى ما نراه سلوكاً غير رشيد

وكان لهذه المدرسة عديد التجديدات النظرية بناء على دراسة الواقع. فقد ابتكر الاقتصادي الأميركي ثيورشتين فيبلن، رائد هذه المدرسة مصطلح «الاستهلاك التفاخري» أو «الاستهلاك الاستعراضي» على سبيل المثال، وأتى ذلك في ظل حث فيبلن للاقتصاديين على محاولة تقصي الأسباب والآثار الاجتماعية والثقافية وراء ما يقع من تغيرات وتطورات اقتصادية، وعدم الاقتصار على تقصي الجوانب الاقتصادية وحدها. وقد ورد هذا المصطلح المبتكر في أهم أثر تركه فيبلن وهو كتابه «نظرية الطبقة المترفة»، حيث كان يعني به تحديداً الاستهلاك الذي لا يتم بغرض إشباع الحاجات، بل يتم بهدف تأكيد المكانة الطبقية أو الإشارة إلى القدرات المادية لمن يقوم بهذا الاستهلاك، أي ما يعد في ظل علم الاقتصاد «النقي» سلوكاً غير رشيد بامتياز.

وقد سار على درب فيبلن، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، اقتصاديون أميركيون كبار مثل جون كينيث جاليبرث وروبرت هيلبرونر، حيث عرضوا في دراساتهم العديد من العوامل غير الاقتصادية التي تؤثر في/ وتتأثر بـ الاقتصاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات