الصادق..؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

من الشائع والمتداول لدى الكثير من الناس أن أساس الأزمات التى يعيشونها يكمن في "النظام السياسى"؛ الأمر الذى يعني أن الخروج من الأزمة يرتبط بإسقاط النظام القائم، ولكن ما حدث أن إسقاط "النظام السياسى" لم يتمخض عنه التغيير المطلوب، بل الحالة العامة ازدادت سوءاً عما كانت عليه؛ مما يدعو إلى التأكيد أن (المنظومة العقلية) هي حجر الأساس فى بناء الأزمة.

وبما أن "التراث" الخاص بأي جماعة أو أمة هو بمثابة الحاضنة التي ينشأ ويتبلور العقل بداخلها؛ فالمتابع يلاحظ أن عقولنا تشتغل بطريقة خاضعة لسلطة نموذج سائد في تراثنا الثقافي من نمط حياة وطريقة تفكير انعكست على الممارسة الواقعية في حياتنا، فكان التقليد طريقنا في الدين والإذعان سبيلنا في السياسة، ولذا يمكن استنتاج أنه إذا كان الخلاص من الأزمة الراهنة مشروطاً بنقد عقلنا المبرمج وتفكيكه على النحو الذي يفتح الباب أمام اجتراح عقلٍ جديد، فإن التراث سوف يكون هو الساحة الرئيسية التى يتحقق فيها هذا العمل النقدي، حتى يحدث تجديد العقل، الذى هو الشرط اللازم للخروج من الأزمة؛ تلك هي الخلاصة التى توصل إليها صاحبنا.. وكان اتجاهه إلى عملية نقد عقلنا المبرمج هى وسيلته التي رآها ناحجة وناجعة فى عملية التغير.

عن نفسي، كثيرا ما أثار انتباهي وتردد سؤال بإلحاح حين أتأمل بدايات مسألة الخروج من أسر القطيع ونقد التراث، الانتباه والسؤال يدور حول كيفية تمكن ذلك (الإنسان الفرد) من الخروج من ثقافته التقليدية وهو في الواقع يقبع في نفس البيئة المحافظة، ويا ترى ما هي وسيلته لذلك، خاصة لو استحضرنا في عقولنا حالة عصر مضى تميز بالافتقاد إلى الانفتاح المعرفي الحالي وغياب وسائل الاتصال والمعلوماتية التي لم تولد بعد في ذلك الزمان.

نعلم أن الحياة فى تجدد وتطور مستمر ولكن مهمة القيام بهذه الصيرورة تقع بالتأكيد على عاتق أفراد متميزين بنمط تفكير متميز (أظن أن صاحبنا كذلك).. حيث هناك دائما من هو مختلف وذو طبيعة إنسانية أكثر تجذراً، إنهم صنف من البشر يملكون الرغبة الدائمة واللحوحة والاهتمام والمثابرة على الحث والدفع باتجاه التغيير والتجديد وعدم الثبات على المعتاد.. رافضين الكثير من الثوابت الموهومة.. رغم طغيان القطيع وجبروته وقدرته على البطش بكلّ من يحاول الخروج على المألوف والمستقر.

المؤكد أن ذلك الصنف من البشر بذل الكثر من الجهد واعتمد على (ذاته) في عملية تحرره وخروجه من بيئته التقليدية و "برمجتها الثقافية"؛ فالكثير منهم خاض معركته تلك وحيدا وربما لا أحد كان له الأثر في مساعدته، ولكن اجتهاده وشحذ همته وعقله النابه واطلاعه والكتب التي كانت رفيقة دربه وملاذه الدائم هى وسيلته وأداته.

الأجمل أن منهم من لم يتحرر مما تمت برمجته عليه في بيئته الأولى فقط، بل توجه إلى المنظومة الثقافية ذاتها متأملا فيها ومفكرا وناقدا، وبالتأكيد احتاج هذا الأمر الكثير من الجهد والاهتمام والمعاناة والصبر والصدق والشجاعة، ولكنه أثمر في النهاية رؤية جديدة تسعى للإيقاظ من سبات التسليم والبرمجة، والتنبيه والتحذير من سبات المستقر والراكد، العادات والتقاليد، السابق والسائد. رؤية أعتقد بعمق أنها قادرة على بث الحيوية والفاعلية في مجتمعه.

إن الحياة جد لا هزل، وإن اجترار الماضي والاستكانة والخمول ما هى إلا عقبات كأداء في طريق الإنسان، تمنعه من أن يعيش حياته كما ينبغي.. وأن الشعارات التي تحرك عواطفنا ومشاعرنا كثيرة ولكنها تبقى شعارات وﻻ تقدم الحلول.. ولذا كان صاحبنا حريصا على تناولها عقلا وليس حماسة شعورية.

لقد تيقن أن الحياة بوصفها رحلة تحتم على الإنسان أن يسعى فيها لتحقيق ذاته من خلال تحمل مسؤوليته في التفكير.. وكما نعرف فهو شعار التنوير عبر التاريخ الإنسانى في السابق وفي كل وقت. وهو "أن يتحمل الفرد مسؤولية تفكيره ولا يوكلها إلى الآخرين".

ما يتميز به أولئك أصبح يسمونه بمصطلح (التفكير خارج الصندوق) وأحياناً يطلق عليه التفكير الإبداعي، ومعناه التفكير بطريقة مختلفة عن المعهود، وبطريقة غير مألوفة، أو التفكير بمنظور جديد، وبعبارة أخرى التفكير خارج الصندوق، عمليا، هو تجاوز للفهوم وللحلول التقليدية.

لاشك أنك سمعت تلك العبارة الشائعة "التفكير خارج الصندوق"، وهى الدعوة لاستخدام الجانب الأيمن من المخ وهوالجانب المسئول عن الخيال والابتكار. أي إطلاق عنان العقل للتفكير بكل حرية وبلا حدود أو معوقات.

كان صاحبنا (متدبرا، متمعنا، متأملا، محللا، ممحصا، متعمقا، مفكرا في الموروث الثقافي بلا وجل، مقتربا من مسلمات وبديهيات مضت عليها قرون ولفها غبار الغموض.

أظن أن هذا الحديث يمكن إسقاطه على مسيرة رجال كثر ولكن فى مخيلتي "الصادق النيهوم".

الذى يحضرنى قوله الآتى :
(الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ – تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح– إنه يعيش متأخراً بضع سنوات وأحياناً أيضاً بضعة قرون دون أن يهمه بالطبع أن العالم من حوله لا يتحرك طبقاً لتوقيته الرديء، إنه شبح من مذبحة الماضي وراء قناع مواطن معاصر. جزيرة تائهة أو قارة بأسرها تائهة تتسكع في عصر منقرض وتراقب عصرنا بازدراء مستعدة لأن تعلق في عنقه أية تهمة تخطر ببالها بمجرد أن يتجرأ على إبداء شخصيته المختلفة، إن الجاهل حارس مقبرة غير مرئية!).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات