مديح الفاشل

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

فاجأت عودتي في 14 يناير 2012 من مغتربي الطويل بألمانيا أصدقائي، بل لاموني على التبكير بقدومي في أوج فوضى البدايات الثورية وقد انهارت تماماً مؤسسة الدولة الدكتاتورية، فأجبتهم بأني تعوّدت اقتحام مخاطر فوضى البدايات حتى أفهم عواقب النهايات التي بدأت تلوح نُذر إفشالاتها السياسية مع أول برلمان منتخب 7 يوليو 2012 بعد الثورة الشعبية المسلّحة والدامية في 2011.

في كتابها "سيادة الخير The Sovereignty of Good" قدّمت الكاتبة والفيلسوفة إيرس مُردوك واحداً من أفضل وأبلغ التعريفات للتواضع، بأنه "احترام للواقع غير مشوب بالأنانية" ففي اعتقادها أن الأشخاص العاديين مثلنا يعانون من عجز في التأقلم مع الواقع حيث "تتضخّم بإفراط صورة الذات عن نفسها "فنفقد "صورة وجود واقع منفصل عن ذواتنا" وتلك النظرة قد تؤذينا، وتضرّ بنا قبل أي شئ آخر. ولكي نعكس هذه العملية، لشفاء ذواتنا، من الأفضل لنا أن نتعلم التواضع: أصعب وأهمّ فضيلة بين جميع الفضائل".

لقد صُدم الليبيون لشعورهم بأن المؤتمر الوطني العام المنتخب بشفافية عفوية ومصطنعة عام 2012 ، هو بماهية مؤتمر الشعب العام المُصعّد أعضاؤه بغربال الدكتاتور حسب الميكنيزمات الأُتوقراطية الفردانية التى ألفوها من 2 مارس1977 حتى الجلسة الوداعية في 2 مارس 2011. ففي أول جلسة للمؤتمر الوطني (الثوري)! تمظهر الاشتباه بديماغوجية اللامبالاة والأنانية فيما عبّرت عنه مردوك بعدم احترام الواقع الذي تمثل في طلب ـ ناصره المنتخبون عن المكوّنات شبه الحزبية بمن فيهم رئيس المؤتمر الذي عارض النظام الدكتاتوري 4 عقود ـ تقدّم به أعضاء برلمانيون مستقلون من ذوي التوجّهات التدينيّة ستتطور إلى أيديولوجية بأن تؤجل الجلسات البرلمانية التي لم تبدأ لما بعد عيد الفطر حتى يتسنى لهم استثمار الأيام العشر الأواخر من شهر الصوم للاعتكاف والعبادة والتبتل. المعترضون من الأغلبية الليبرالية نجحوا في استمرارية الجلسات حتى عطلة العيد التي افتتحوها بجدل خاض فيه الجميع متديّنين متبتلين وعلمانيين لمناقشة بند المرتبات والمهايا والامتيازات المادية التي ينبغي أن يحظى بها العضو في أول برلمان منتخب شعبياً بعد انقطاع دستوري وديمقراطي تمثيلي دام أربعة عقود من الزمن. سبب التصاق المطالبتين بذاكرتي حتى اليوم أن العضوين اللذين نافحا عنهما هما من الدائرة الانتخابية التي أنتسب سكنياً إليها وإن كنتُ أدليت بصوتي الانتخابي اعتباطياً كجُلّ الليبين لمترشحين غيرهما.

ما أسلفنا الكتابة فيه يوقع مقالنا في شباك الأخلاقيات "الإتيقا" بدل التفكير في واقعيات السياسة "البولتيكا" الذي يلزمنا تقديم نبذة عن التمثيل السياسي كما تُعبّر عنه السياسة الانتخابية في الديمقراطيات والليبراليات الغربية. ففيها يحظى الممثِلّون المنتخَبون بشرعية خاصّة تخوّلهم الحديث بالنيابة عن ناخبيهم، السؤال ما إذا كانت هذه الشرعية تبدّد الإشكالات المُصاحبة للتحدّث بالنيابة عن الآخرين لتصير حلاًّ نموذجياً؟. الإجابة تكون بنعم ولا معاً. إذ يتميّز الممثِلون المنتخَبون في البرلمان بشرعية تسمح لهم بالتحدّث باسم غيرهم والمَنوب فرداً أو جماعة يتصرّف بتخويل شخصٍ ليتحدث نيابةً عنه في مواقف رسمية. لكنّ الحصول على التخويل لايلغي جميع إشكالات التحدّث بالنيابة عن الآخرين، فالمتحدّث مايزال يفسّر وضع الآخر واحتياجاته ـ إلا إذا كان يقرأ من ورقةٍ زوّده الأخير بها ـ وهو أمر صعب التحقق في التمثيل السياسي حيث ماينفكُّ الممثِلّ يختلق لمُمَثِليه ذاتاً في حضرة الغير لتمثيلها والتعبير عن إرادتها، كما يندر أن يمتلك المَنوبون المقدرة على التخويل والتحكّم بالمُمثِلّين المنتخبين. فالإرادات والسلوكات السياسية لاتقيّد نفسها ـ قطعاً ـ بضرورة الحصول على إذنٍ ممّن تتحدّث باسمهم أو حولهم، وهو مايصح على معظم الممثلين السياسيين الذين لايتقيّدون فعلاً بأهمية الحصول على هذا التفويض.

شبهة التفويض، إلى جانب شبه أخرى، تتعلّق بالبلدان التي لن تعرف الديمقراطية كانت من أبرز المُشكّكات في برلمان الحقبة الملكية الذي قضى عليه انقلاب الجيش عام 1969 والذي أدركتُ صبياً سنتي 1964 و 1965 آخر انتخاباته التي شدّت حماس الليبين لتنامي النداءات العروبية التي لم تكن لها علاقة بالواقع الليبي وصعود الأصوات الداعية بعد هزيمة 1967 أمام إسرائيل إلى جلاء القواعد الأجنبية والتي إليها يرجع الفضل في عودة الشعور الوطني الواهم إلى قوته المعهودة وبالتالي التشجيع على إجراء الانتخابات دون شُبه التزييف في جو من حماس وتجاوب شعبي ظاهر. أما المتطلبات الحياتية والخدمية فقد لبّتها إلى حدٍّ مُرضٍ بمساعدة الوفرة المالية النفطية الحكومات القصيرة المُدد التي كان يكلّف الملك رؤساءها بتشكيلها من 1963 إلى 1968. ورغم ذلك لا أحد يعتقد أن التجربة البرلمانية التي خاضتها الأحزاب الوطنية المفشّلة من 1952 إلى 1956والتي تمّ فيما بعد قصرها على النواب الجهويين المستقلين، بمن فيهم المعارضون إلى 1965 كانت قد حققت حياة سياسية رسّخت لثقافة الديمقراطية، المآل الذي سمّد الأرضية التي نمت فيها بذور الانقلاب العسكري الذي عصف بأدنى شروط العملية السياسية ليمهّد لحقبة الثلاثة عقود من الدكتاتورية الأتوقراطية التي أزاحتها شكلياً دون أن تمس جذورها المسمومة ثورة 17 فبراير 2011 بتكلفة دموية باهظة في سياق ماسمّى بثورات الربيع العربي.

في كتابه "مديح الفاشل In Praise of Failure" يقرّ كوستيكا براداتان بأن الفشل الذي قد يسحقنا، هو ما ينبغي أن نسعى لخوض تجربته، مقترحاً ثلاث مراحل علاجية مُرفقة بثلاث متطلّبات: عدا ـ إقرارنا المُسبق بمكانتنا المتواضعة في الكون، التي توصلنا إلى حالة الصدق مع النفس ـ التقدّم خطوة إلى الأمام بالعودة إلى أرض الواقع ومغادرة عالم الأحلام بين الفينة والأخرى؛ وصولاً للمرحلة الثالثة بأن ـ نلقي مرساتنا في قاع كينونتنا باستعادتنا توازننا الوجودي، حيث يصبح بإمكاننا الاستمرار والمضي نحو أمور أبعد وأوسع. ويختم وصفة التواضع بتبيان الحسّ الذي تغرسه فينا رّدة فعل علاجية على تجربة الفشل، إذا فهمنا الفشل بطريقة مناسبة وصحيحة وأيقنا به علاجاً للتظاهر الزائف والغرور والعجرفة.

لو نظرنا بعين السياسة إلى المؤسسة السياسية التي تشتغل رغم بيان فشلها المؤسسي الباهظ حتى اليوم لحكمنا على آداء أجسامها الثلاثة بأنها ناقصة، بل منعدمة، التمثيلية كالمؤتمر الوطني العام الذي تناسلت تشوّهاته في المجلس الأعلى للدولة، والبرلمان الذي شوّهت هوّيته منذ بدايته النزعية الجهوية والانقسامية واللامبالاة، وأخيراً المجلس الرئاسي غير المتوازن والعاجز المنبثق عن اتفاق الصخيرات المبتلى بأدواء المحاصصة الجهوية. أما أعضاء هذه الأجسام المؤسسية المريضة، لو تتبعنا سلوكياتهم لا نجدها تخرج عن الثلاثي الإفشالي المرضي الذي حدّده براداتان في التظاهر الزائف والغرور والعجرفة، يزداد عليهم ماعبرّت عنه آيرس مُردوك بـ: عدم الاحترام للواقع المشوب بالأنانية.

بنفس المنطلقات الإتيقية ـ البولتيكية التي انطلق منها مقالي ينطلق ربمامقال الكاتب وأستاذ القانون الدولي صالح السنوسي عن قناة الجزيرة: "المشهد الليبي.. صراع حفظ التوازن" من أن "كل الأطراف الليبية -على ما يبدو- تستمد قوتها وثباتها في مواقفها مما تتلقاه من دعم ومؤازرة قادمة من خارج المشهد الليبي أكثر مما تستمده من داخله، سواء بسبب ضآلة حجم الحاضنة لبعضها أو لضعف قوة بعضها الآخر، بالنظر إلى حجم الدور الذي يضطلع به داخل حلبة الصراع" وهذا الأمر كما "في الحالة الليبية أدى إلى انعدام الثقة الذي فاقم في حدة الشعور بالفارق النسبي في القوة لدى الأطراف الأقل قوة، فنتج عن ذلك ما يشبه عقدةَ نقصٍ زادت التصلب في المطالب والمبالغة في أسباب الصراع، وليس من شأن هذا الشعور أن يساعد في خلق فرص تفاهم بين الأطراف".

يعكف المندوب الأممي في ليبيا حالياًمع وفدي التفاوض عن النوّاب والدولة المجلسين الخديجين ـ والخديج لغة الكائن الذي لم يكتمل خَلْقُه ، أو اكتمل خَلْقه ولا يؤدِّي ما خُلِقَ له ـ في اجتماعات جرت في تونس بلجنة الصياغة الموحدة للتعديل السياسي تمهيداً للخارطة التي قدمها الممثل الأممي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تضمن أحد بنودها تشكيل مؤتمر وطني يضم إلى جانب مجلس النواب والمجلس الأعلى فئات اجتماعية مختلفة، تشارك في اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بتشكيل الحكومة ومراجعة النقاط الخلافية في الدستور. الفلسفة الواقعية التي تعلمناها تحضّنا دائما على الخروج من شرنقة الفشل: كهف أفلاطون والنظر في حائط نور الشمس حيث تظهر الأشباح.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات