الملف الأمني في القضية الليبية

بشير الكوت |
بشير الكوت

لقد لاحظت كمتابع أكاديمي للشأن الليبي أن الملف الأمني لا يلقى ما يستحق من الأهمية فيما يتم من حوارات وتسويات بين الفرقاء الليبيين والمتدخلين الدوليين، ولكنني على قناعة كاملة بأن مفتاح الحل في الوضع الليبي هو الملف الأمني، ويجب أن يحظى بالأولوية على كل الملفات أو أن يُعطَى الأهمية التي يستحقها بالتوازي مع الملفات الأخرى في البحث عن الحلول. إن غياب الديمقراطية والحريات والحقوق والتنمية وتفشي الغبن والقهر والفوضى يعني وجود فرص لعدم الاستقرار والصراع وبالتالي تردي الوضع الأمني، فالأمن بمفهومه الواسع يتعدى الأمن بمدلوله العسكري أو الاستخباراتي، وهو ما تم تجاهله من قبل النظام السابق، وهو ما عاد الآن للظهور مجددًا.

الملف الأمني مفتاح الحل في الوضع الليبي ويجب أن يحظى بالأولوية على كل الملفات

في المخزون التاريخي الليبي، القريب والبعيد، فإن استقرار الشرق الليبي يعني استقرار ليبيا والقلاقل التي تأتي من الشرق تعم كامل ليبيا، الشرق هو تروموميتر الحالة الليبية، فمشروع المملكة الليبية انطلق من الشرق (بنغازي) العام 1951، ومنها أعلن القذافي انقلاب سبتمبر العام 1969، ومنها انطلقت شرارة فبراير العام 2011، إن ما حصل في العام 2011 يعود في جزء كبير منه وبشكل مباشر لتجاهل النظام لهذه الحقيقة متصورًا أن قبضته الحديدية المطلقة على الوضع الأمني كفيلة بالسيطرة على الدولة وقمع الشرق وليبيا بأكملها، وهي نظرة ضيقة للأمن الذي يعني نزع فتيل كل مسببات عدم الاستقرار، فتحقيق التنمية والحريات والحقوق هي مكونات مهمة لمفهوم الأمن بمعناه الواسع.

كان محتمًا أن تتردى الأوضاع الأمنية بعد التطورات المبكرة التي شهدتها ليبيا غداة سقوط نظام القذافي العام 2011، فقد تم التصدي باستماتة من الجماعات المسيطرة لإعادة بناء مؤسستي الجيش والشرطة، وهو ما كشف عنه محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي آنذاك، الذي قال إن خطته لتمكين الشرطة من فرض الأمن قد أُجهضت، وحجة المعارضين لإعادة بناء الجيش والشرطة في ذلك أنها مؤسسات قمعية قد تكرر المشهد الذي كان قبل فبراير 2011، وعوضًا عن ذلك عمد التيار المسيطر على المشهد السياسي إلى دعم الجماعات والميليشيات المسلحة التي يثق في انتمائها والاحتماء بها عند الضرورة وأغدق عليها الأموال في المقابل.

أصبحت الأمور تدار بالميليشيات المسلحة.. لا فرق في هذا بين الكيانات السياسية والقائمين على رأس المؤسسات وبين المجرمين العاديين

أصبحت الأمور في ليبيا تدار بالميليشيات المسلحة فكل مَن له غاية يستطيع تحقيقها بالقوة المسلحة، لا فرق في هذا الشأن بين الكيانات السياسية والقائمين على رأس المؤسسات والمجرمين العاديين الذين يعتدون على الناس لنهب أموالهم أو احتجازهم للحصول على فدية. لا تستطيع أية دولة لا تملك القدرة على الإجبار أن تنفذ القانون، وفي ليبيا لا توجد سلطة شرعية تملك القدرة على الإجبار، فحتى المؤسسات التي تدعي الشرعية تعتمد على ميليشيات مسلحة، والميليشيات المسلحة تتغطى بغطاء واهٍ من الشرعية، وبالتالي فإنه يمكن القول إن ليبيا دولة مفككة مختطفة من قبل الميليشيات المسلحة، هذه هي عصارة الوضع الأمني الليبي منذ العام 2011.

الصراع الدائر في ليبيا منذ العام 2011 معقد ومتشابك، فهو متعدد الأطراف والأهداف على المستويين الداخلي والخارجي، ولمحاولة فهم الوضع الأمني الراهن نطرح السؤال التالي: ما الذي يحرك الصراعات الدائرة في ليبيا؟. وهنا يمكن حصر محركات الصراع الأمني في ليبيا في ثلاثة محركات رئيسية وهي كالتالي:
1- المحرك الأول هو ما يمكن أن نسميه بالصراع على الغنيمة، وهذا يفسر كثيرًا من الصراعات المناطقية أو القبلية أو على المستوى الوطني في ليبيا، فمعظم الجماعات والوحدات والميليشيات التي تستحوذ على السلاح الآن تتخذ من هذا السلاح أداة لتحقيق مكاسب مادية تبدأ من استنزاف وابتزاز خزينة الدولة ومؤسساتها إلى ابتزاز المواطن العادي. فبعد سقوط نظام القذافي العام 2011 عمدت الميليشيات المسلحة إلى الاستيلاء على أسلحة الجيش الليبي واعتبارها غنيمة وأداة لجمع المزيد من الغنائم، فقد اُستُخدم هذا السلاح للاستيلاء على مرافق الدولة ومنشآتها الحيوية بدعوى حراستها في ظل غياب المؤسسات الأمنية الرسمية، وتوزع السلاح، خاصة في المنطقة الغربية والجنوبية بين الميليشيات المسلحة التي تزعم جميعها تقريبًا أنها تنضوي تحت شرعية الدولة، وهي أكثر من يهدد شرعية الدولة باستيلائها على سلاحها وسيطرتها على مؤسساتها، وغير بعيد عن الذاكرة ما أقدم عليه المدعو الجضران قائد إحدى الميليشيات المسلحة من ضرر بسيادة الدولة وهيبتها، وما ألحقه من ضرر اقتصادي بإيقافه تصدير النفط من خليج سرت بحجة عدم وجود عدادات لقياس تصدير النفط !. وهو ما كلف الدولة ما بين 70 و100 مليار دولا. كما أن كل المطارات والموانئ والمصافي والحقول النفطية وقعت تحت سيطرة ميليشيات مسلحة، مثل مصفاة الزاوية ومجمع مليتة وحقول وخطوط النفط وغيرها.

حولت الميليشيات المسلحة المناصب السيادية إلى غنيمة، فاستولى مَن يزعمون أنهم ثوار على مناصب الوزارات ووكلاء الوزارات والسفارات والشركات.

من ناحية أخرى استطاعت الميليشيات المسلحة تحويل المناصب السيادية في الدولة إلى غنيمة، فاستولى مَن يزعمون أنهم ثوار على مناصب الوزارات ووكلاء الوزارات والسفارات والشركات وغيرها، وعززوا سيطرتهم على هذه المناصب وغيرها باستصدار قانون العزل السياسي الذي ترك لهم المجال للاستحواذ على المناصب المهمة، من ناحية أخرى قامت هذه الميليشيات بممارسة الاتجار بالبشر في وسط المهاجرين غير القانونيين في ليبيا، وكذلك ممارسة تجارة المخدرات، وكلتاهما تعتبر غنيمة جديرة بالاستحواذ بالنسبة لهم.

2 - المحرك الثاني للصراع هو الدافع القبلي أو الجهوي، فالمجتمع الليبي هو مجتمع قبلي بامتياز، ولا مكان للفرد في ليبيا إلا داخل القبيلة، فهي المظلة التي يحتمي بها وهي التي تحقق له مصالحه، وأمام هذا التيار القوي تبدو النخب المثقفة في ليبيا ضعيفة ومعزولة عما يجري من صراع في ليبيا. وقد عزز المحرك القبلي دوره بالميليشيات المسلحة فغدت قبائل ومناطق معينة تشكِّل دولة داخل الدولة، تملي شروطها كقبيلة أو منطقة قوية مسلحة، كما ظهر تصنيف آخر يصنف بعض المناطق أو المدن كمناطق أو مدن منتصرة ومناطق ومدن وأخرى مهزومة، ولا يخفى أن الهزيمة تدفع المهزوم لمحاولة الانتقام، خاصة في المجتمعات البدوية كالمجتمع الليبي، وهو ما يُدخِل هذا المجتمع في حلقة مفرغة من الصراع والانتقام المضاد. وقد ظهرت نتائج هذه الثنائية على توزيع المناصب السيادية ومقاعد السلطة التشريعية والسفارات والمناصب المهمة، فحاز البعض المناصب وحرم الآخر، وهو ما يؤشر لما استعرضناه في الحديث عن المحرك السابق (الغنيمة).

حولت الميليشيات المسلحة المناصب السيادية إلى غنيمة، فاستولى مَن يزعمون أنهم ثوار على مناصب الوزارات ووكلاء الوزارات والسفارات والشركات

3- المحرك الثالث للصراع هو ما يمكن أن نسميه المحرك أو الدافع الأيديولوجي، وأبرز تياراته التيار الإسلاموي والليبرالي، وهو ليس محركًا عقائديًّا أو إيديولوجيًّا بالكامل كما يبدو للوهلة الأولى، فهذه الجماعات تسعى للاستيلاء على السلطة والثروة بالسلاح مع العمل على إقصاء كل المعارضين وبكل الوسائل. وهذا المحرك هو من أخطر محركات الصراع وأصعبها كونه يتميز بالتنظيم والقدرة على التخطيط، كما أن هذه التيارات أو التيارات المعارضة لها لجأت إلى الاستقواء بالخارج؛ لكسب المعركة ضد الخصوم، فأصبحت ليبيا الدولة الفاشلة دولة مخترقة أيضًا، والغريب في الأمر أن كل الأطراف الدولية المتدخلة في ليبيا (دول كبيرة أو صغيرة) أصبحت تمارس دورًا ما في ليبيا عن طريق الجماعات والميليشيات المسلحة.

وعودا على بدء، يمكن القول إن السلاح الذي اُنتزع بالقوة من مخازن الجيش والأجهزة الأمنية العام 2011 لا يمكن استعادته من يد هذه الميليشيات إلا بإحدى الوسيلتين، إما باستخدام القوة، وهنا يصعب تحقيق ذلك لأن الجيش الذي يُفترَض أن يستعيد هذا السلاح هو جيش مفكك وغير قادر على القيام بهذه المهمة، كما أن هذه الجماعات مسلحة بشكل جيد وستقاوم نزع سلاحها، وهنا يمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لكن التدخل الدولي قد يسبب مشاكل جانبية، الوسيلة الثانية وتعتمد على تفكيك الميليشيات والجماعات المسلحة وفق خطة محكمة ومبرمجة وبالاتفاق مع هذه الميليشيات نفسها، والعمل على إعادة إدماج الجماعات المسلحة في الحياة المدنية، ولكن قد يصعب إيجاد حافز أقوى يغري هذه الميليشيات أو عامل تهديد لتتخلى عن مكتسباتها وسلاحها والاندماج في الحياة المدنية.

وهنا أيضًا نريد أن نعود بالذاكرة إلى الوراء لأكثر من ستة عقود لاستحضار التجربة الليبية، فعند بناء الدولة الليبية في مطلع الخمسينات وقبل الوصول إلى مرحلة إعلان الاستقلال في 24 ديسمبر 1951 استطاعت بريطانيا الدولة القائمة بالوصاية حسب قرارات الأمم المتحدة وقبلها المساعدة في تأسيس الجيش الليبي الذي تأسست نواته الأولى في 9 أغسطس 1940، وكذلك إعادة بناء جهاز الشرطة العام 1945 بسبب الفراغ الذي سببته هزيمة إيطاليا وحل جهاز الكرابنييري الذي كان قائمًا بالمهام الشرطية في ظل الاحتلال الإيطالي، بمعنى أن الملف الأمني كان جاهزًا على بساط الاستقلال العام 1951 قبل الدستور بسنوات، وتبدو اليوم المسألة معكوسة، فالدولة المستقلة لا تملك أجهزة عسكرية وأمنية.

من ناحية أخرى لا يحظى الملف الأمني الليبي اليوم باهتمام المبعوثين الأمميين إلى ليبيا من طارق متري ومرورًا بليون وكوبلر ووصولاً لغسان سلامة، فلقد مرت نحو ست سنوات ولم يتم فيها تحقيق تقدم يذكر على صعيد الملف الأمني، بل إن الجهود التي بُذِلت خلال تولي الدكتور عاشور شوايل وزارة الداخلية من تدريب عشرات الآلاف من رجال الشرطة قد تبخرت واختفى نحو 70 ألف شرطي تم تدريبهم، وربما توزعوا على الميليشيات المسلحة.
ولذا ستظل مبادرة غسان سلامة أو أية مبادرات أخرى لاحقة مجرد حبر على ورق في ظل عدم تسوية الملف الأمني، وهنا نتساءل: هل بالإمكان تصور تحقيق الاستقرار في ليبيا وإقامة المؤسسات الدستورية وإصلاح ما خربته الحروب وتحقيق التنمية وحماية حقوق الإنسان في ظل هذا الوضع الأمني الذي تسيطر عليه الميليشيات!
قد يكون هناك كثير من التفاؤل لكن الأمور على الأرض يفرضها السلاح، ومَن يمتلك هذا السلاح، وليس الأماني والتطلعات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات